أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (5)

مقالات 24 February 2026
بقلم: نزار حيدر

{وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِّتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ}.

  إِذا نصحكَ أَحدٌ وحذَّركَ ولم تأخُذ بذلكَ وتجاهلتَ الأَمرَ ثُمَّ تورَّطت بالمشاكلِ ومررتَ بأَزماتٍ فلا تلومنَّ إِلِّا نفسكَ.

  يقُولُ تعالى {وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَّخَاسِرُونَ* فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ* الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَن لَّمْ يَغْنَوْا فِيهَا ۚ الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ* فَتَوَلَّىٰ عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ ۖ فَكَيْفَ آسَىٰ عَلَىٰ قَوْمٍ كَافِرِينَ}.

  ولذلكَ فقد شاءَت إِرادةُ الله تعالى وحكمتهِ ورحمتهِ أَن لا يُحاسِبَ قريةً قبلَ أَن يبعثَ فيها رسولاً ينصحَها ويُحذِّرَها {وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنذِرُونَ} وقَولُهُ تعالى {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۚ وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ} وقولهُ عزَّ مَن قائِل {وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَىٰ حَتَّىٰ يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا ۚ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَىٰ إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ}.

  فالحِسابُ قبلَ النُّصحِ والتَّحذيرِ ظُلمٌ، والحِسابُ بعدَ الحُجَّةِ عدلٌ.

  حتَّى قالَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) عن عدلهِ تعالى {وعَدَلَ فِي كُلِّ مَا قَضَى} حتَّى لقد أَكملَ الحُجَّةَ على عبادهِ {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ}.

  والغريبُ أَنَّ المُتجبِّرَ المُتكبِّر الذي لا يُريدُ أَن يُصغِ إِلى نصيحةٍ أَو تحذيرٍ يرمِ بإِسقاطاتهِ المريضة على النَّاصحِ للهربِ من واقعِهِ المريض، فبدلاً من أَن يعترِفَ بمُشكلتهِ على الأَقلِّ بينهُ وبينَ نفسهِ فيُصارحَها بمرضهِ ومُشكلتهِ تراهُ يتَّهِم النَّاصِح والذي يُحذِّرهُ بشتَّى التُّهمِ والأَمراضِ النفسيَّةِ! وكأَنَّ المُشكلةَ في النَّاصحِ وليسَ فيهِ!.

  يصِفُ القُرآنُ الكريم هذه الحالةَ بقَولهِ {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ* قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَٰكِنِّي رَسُولٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ* أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ}.

  ومِنَ الذينَ يرفضُونَ النَّصيحةَ والتَّحذيرِ؛

  ٣/ الظَّانُّ بالله السُّوءَ، الذي يتجرَّأُ على الله تعالى وإِرادتهِ وحكمتِهِ، فيتصوَّر أَنَّ كُلَّ الذي يُنجزهُ أَو يحقِّق بهِ نجاحاً إِنَّما هوَ بعلمهِ! ولذلكَ فهوَ على حقٍّ في كُلِّ الحالاتِ، لا يحتاجُ فيها إِلى نصيحةٍ أَو تحذيرٍ! وهيَ العقليَّةُ التي مثَّلها إِبنُ نبيِّ الله نوحٌ (ع) في قصَّةِ الطُّوفانِ العظيم كما تذكُرها لنا الآيات القُرآنيَّة الكريمَة {وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ الْكَافِرِينَ* قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ ۚ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَ ۚ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ}.

  لقد ظنَّ أَنَّهُ وصلَ إِلى نِهاية العِلم والقُّوَّةِ والجبَرُوتِ فما الدَّاعي للإِصغاءِ إِلى نصيحةٍ أَو تحذيرٍ حتَّى إِذا كانَت من نبيٍّ مُرسلٍ؟!.

  إِنَّ حالَةَ الإِستكبار التي تتلبَّس الكثير من النَّاسِ والتي تحُولُ بينَهُم وبينَ الإِصغاءِ للنَّصيحةِ أَو الأَخذِ بالتَّحذيرِ يبرِّرُها أَصحابُها بتَوهينِ النَّاصحِ والإِستخفافِ بقُدُراتهِ، أَمَّا العاقِلُ الحَريصُ فينشغِلُ بالنَّصيحةِ أَكثرَ من إِنشغالهِ بالنَّاصحِ.

  يحدِّثُنا القُرآن الكريم عن تعامُلِ فرعَون معَ تحذيرِ نبيَّ الله موسى (ع) بقَولهِ تعالى {أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَٰذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ}.

  فلِسانُ حالِ الطَّاغوت المُتجبِّر؛ هلْ يُعقَلُ أَن أُصدِّقَ فآخُذَ بتحذيرِ مَن لا يقدِر حتى على الإِفصاحِ عن نصيحتهِ بسببِ مشاكِلَ في النُّطقِ وممَّن لا يملِكُ المالَ والجاهَ والسُّلطةَ؟! هل يُعقَلُ ذلكَ؟! وأَنا الملِكُ الجبَّار الذي {وَنَادَىٰ فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ۖ أَفَلَا تُبْصِرُونَ}.

  ومرَّةً أُخرى يستخِفُّ الطَّاغوتَ بالنَّاصحِ الذي يُحذِّرهُ {قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ}.

  وكأَنَّ النَّاصِحَ الذي يتفضَّلَ عليهِ أَحدٌ وبأَيِّ شكلٍ من الأَشكالِ لا يجوزُ لهُ أَن ينصحَ أَو يُحذِّرَ! ناسينَ أَو مُتناسينَ بأَنَّ الفضلَ بينَ العبادِ سُنَّةٌ من سُننِ الله تعالى في خلقهِ {أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۚ وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا ۗ وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ}.

  أَرأَيتُم كيفَ يُقلِّلُ البعضَ من قيمةِ النَّاصحِ بقَولهِم لهُ [ومنذُ متى وقد تعلَّمتَ كُلَّ هذا لتجرُؤ على تقديمِ النُّصحِ والتَّحذير؟!].

  أَو قولهُم {فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ}.

  على العكسِ من هذهِ العقليَّةِ المريضةِ يُحدِّثُنا أَميرُ المُؤمنينَ (ع) عن عقليَّةِ السَّماءِ الرَّاقية في طريقةِ التَّعامُلِ مع النَّصيحةِ.

  ففي كتابٍ لهُ لأَهلِ البصرةِ كتبَ لهُم يقُولُ {مَعَ أَنِّي عَارِفٌ لِذِي الطَّاعَةِ مِنْكُمْ فَضْلَهُ ولِذِي النَّصِيحَةِ حَقَّهُ غَيْرُ مُتَجَاوِزٍ مُتَّهَماً إِلَى بَرِيٍّ ولَا نَاكِثاً إِلَى وَفِيٍّ}.

الوسوم: نزار حيدر