أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (9)
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا}.
صحيحٌ جدّاً أَنَّ الصَّبرَ وعدمِ الإِستعجالِ ومنحِ عُنصُر الزَّمن مداهُ لإِنضاجِ الأُمورِ والقراراتِ والمَواقفِ أَمرٌ عقلانيٌّ ومنطقيٌّ ولكن ليسَ دائماً وفي كُلِّ الأَوقاتِ فهُناكَ ظروفٌ تحتاجُ إِلى قرارٍ حاسمٍ وفوريٍّ وكأَنَّكَ في سِباقٍ معَ الزَّمنِ إِذا تلكَّأَ المعنيُّ في اتِّخاذهِ فسيضطَرُّ لدفعِ الكثيرِ من الثَّمنِ الباهضِ ورُبَّما يكونُ قاسِياً، سلطتهُ وسيطرتهُ على الأُمورِ مثلاً وحاكميَّتهُ أَو حتَّى حياتهُ.
ولذلكَ فإِنَّ التَّسلُّحَ بسُرعةِ البديهةِ والإِعتمادِ على مُستشارينَ نزيهينَ يُشارُ لهُم بالبنانِ، لا تبني علاقاتهُم معَ صاحبِ القرارِ الأَهواءُ والمصالِحُ الشَّخصيَّةُ والمطامعُ {لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّه سُبْحَانَه إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ ولَا يُضَارِعُ ولَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ} كما يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لقَبولِ أَو رفضِ نصيحةٍ ما أَو تحذيرٍ، يكونُ في أَحيانٍ كثيرةٍ عامِلُ حاسمٌ في تحديدِ لحظةِ النَّجاحِ والفشلِ، التقدُّمِ والتأَخُّرِ، الصُّعودِ والنُّزولِ، السَّلامةِ والسُّقوطِ.
إِنَّ تعامُلَ الملِكة [في قصَّتها مع نبيِّ الله سُليمان (ع)] بحِنكةٍ وإِيجابيَّةٍ وبسرعةٍ فائقةٍ مع نصيحةِ المُستشارينَ المُؤتَمنينَ وإِضافتَها الشَّخصيَّة للتَّحذيرِ الذي كانَ في محلِّهِ والذي بنتهُ على خِبرةٍ وواقعٍ تاريخيٍّ، هوَ الذي أَنقذَ المملَكةَ من الهلاكِ والدَّمارِ، ولو كانَت قد تردَّدت أَو تأَخَّرت أَو اعتمدَت على قوَّتِها الظاهريَّة لاتِّخاذِ قرارِ الحربِ مثلاً أَو غشَّها مُستشارُوها لكانت الأُمور قد سارَت في الإِتِّجاهِ المُعاكسِ بالكاملِ.
تقولُ القصَّةُ {قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ* إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ* قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ* قَالُوا نَحْنُ أُولُو قُوَّةٍ وَأُولُو بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ* قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً ۖ وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ}.
والظَّاهرُ من القصَّةِ أَنَّ قرار الملِكةِ إِعتمدَ على أَمرَينِ اثنَينِ؛ الحسمُ والصَّرامةُ التي قرأَتها في رسالةِ النبيِّ (ع) {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ* أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ} وتواضُعها وعدمِ تجبُّرِها واستكبارِها ما منحَها روحاً رياضيَّةً وسِعةً في الصَّدرِ استَوعَبَت بهِما التحدِّي مِن دونِ عَنادٍ أَو ما نسمِّيهِ اليَومَ بـ [الهَمبلاتِ الفارِغةِ].
فكما هوَ واضحٌ فإِنَّ التكبُّرَ يمثِّلُ السَّبب المُباشر في أَغلب الأَحيان لتدميرِ قراراتٍ مصيريَّةٍ وحاسِمةٍ، والعكسُ هوَ الصَّحيح، فالتَّواضعُ يفتحُ آفاقاً واسعةً وغائِرةً في المُستقبلِ أَمامَ المرءِ للإِنفتاحِ على كُلِّ الخَياراتِ، وواضحٌ كذلكَ فإِنَّ كَثرةَ الخَيارات توسِّعُ الآفاقَ أَمامَ صاحِبِ القرارِ فيسهُل عليهِ اتِّخاذَ القَرار السَّليم في الوقتِ المُناسبِ والعكسُ هوَ الصَّحيح فقلَّةُ الخَياراتِ تُضيِّقُ الآفاقَ عليهِ فتحصُرهُ في زاويةٍ قد لا يمكِنهُ عندَها من اتِّخاذِ القرارِ السَّليمِ.
ويتضاعفُ الدَّور التَّدميري للتكبُّرِ عندما يُمارِسُ الإِنسانُ دَورَ الخِداع الذَّاتي، فهوَ مثلاً يسمعُ ولكنَّهُ لا يتعلَّمُ كأَن يبدو مُتشاغِلاً عن النُّصحِ والتَّحذيرِ، أَو أَنَّهُ يرى ولكنَّهُ لا يعتبِر {يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَىٰ عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَن لَّمْ يَسْمَعْهَا ۖ فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}.
حتَّى في موضوعِ الإِيمانِ بالله تعالى فإِنَّ التَّواضعَ عادةً سببٌ مُهمٌّ في تحقيقهِ على العكسِ من التكبُّرِ والإِستكبارِ الذي يحولُ بينَ المرءِ والإِيمانِ.
تُحدِّثُنا عن هذهِ الحقيقةِ الآيات الكرِيمات {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ}.
فما بالكَ بالنُّصحِ والتَّحذيرِ؟!.
*إِنَّ واجبَ النَّاصحِ هوَ تقديمُ نصيحتهِ وتحذيرهِ بأَفضلِ صورةٍ [بالمُحتوى والأُسلوب والتَّوقيت] وليسَ عليهِ بعدَ ذلكَ أَن يفعلَ أَكثرَ من ذلكَ لإِجبارِ المتلقِّي على القَبولِ بالنَّصيحةِ أَو الأَخذِ بالتَّحذيرِ، فذلكَ خيارُ المُتلقِّي وهوَ الذي يتحملُّ مسؤُوليَّتهُ في كُلِّ الحالاتِ.
يقولُ تعالى {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ۚ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ} وقولهُ {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ}.
فإِذا نصحتَ أَحداً أَو حذَّرتهُ من شيءٍ فلا تحمِل سَوطاً أَو هراوةً وتسعى وراءهُ لإِجبارهِ على شيءٍ، وقديماً قالَ المثلُ المعرُوف [عقلهُ برأسهِ ويعرفُ خلاصَهُ].
يقولُ تعالى {وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ۖ فَمَنِ اهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنذِرِينَ} وقَولهُ تعالى {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ۖ إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ ۗ} وقولهُ عزَّ مَن قائلٍ {مَّنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ ۖ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ۗ وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ}.