أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (17)
{فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ* وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ}.
المُلاحظُ أَنَّ النَّاجِحَ هو الذي ينفتِحُ على الأَفكارِ الجديدةِ ومنها النَّصيحة والتَّحذير مهما كان مصدرَها، المُهمُّ أَنَّها تنسجمُ مع ثوابتهِ، أَيّاً كانَ شكلَها، ولا تتجاوزُ على مُعتقداتهِ، ويشعرُ بأَنَّها تُساعِدهُ في تحقيقِ أَهدافهِ العُليا أَو تُنقِذهُ من ورطةٍ أَو تحميهِ من خطرٍ..
ولذلك ترى ان كُلَّ المُؤَسَّسات النَّاجِحة تضعُ العِبارةَ [We value your opinion] ومعناها [نحنُ نقدِّرُ أَفكاركَ أَو آراءكَ] وهي إِشارةٌ إِلى إِستعدادِ المُؤَسَُسة لدراسةِ الأَفكارِ الجديدةِ التي يُقدِّمها الزَّبون لتطويرِ عملِها ومشاريعِها بغضِّ النَّظرِ عن إِسمهِ ورسمهِ وهويَّتهِ وخلفيَّتهِ وجنسهِ وعُمرهِ.
وهي طريقةٌ ذكيَّةٌ لتحفيزِ الزَُبائنِ على المُشاركةِ في صناعةِ المُستقبلِ، وبالتَّالي شعورهِم بأَنَّهُم جزءٌ من النَّجاحِ والتطوُّرِ الذي تُحقِّقهُ المُؤسَّسة.
أَمَّا في المُؤَسَّساتِ الفاشِلةِ فتوضعُ العِبارةَ [صُندُوق الشَّكاوى] والذي عادةً ما تُرمى قَصاصاتهُ التي يضعها الزَّبائِن في سلَّةِ المُهمَلاتِ! والعِبارةُ تُشيرُ إِلى كثرةِ الأَخطاء والنَّواقصِ التي تُعرقِلُ عمَلَ المُؤَسَّسة ولا تدفعَها للتقدُّمِ إِلى الأَمامِ.
كما تُشيرُ إِلى فشلِ المُؤَسَّسة في تصرُّفاتِها معَ الزَّبائنِ وفي طريقةِ الخدمةِ التي تُقدِّمها لهُم!.
والعِبارةُ تضعها المُؤَسَّسة مُجاملةً وليست للحقيقةِ.
وإِذا صادفَ أَن تقدَّمَ زبُونٌ بفكرةٍ جديدةٍ لتطويرِ مشروعٍ مثلاً فسيسمعُ ردّاً قاسِياً من المُؤَسَّسةِ أَقلَّهُ قَولهُم [إِنَّهُ يتفلسَف] أَو أَنَّهُ [صايِر وطني برأسِنا] أَو أَنَّهُ [صايِر علَّامةُ زمانهِ]!.
كيفَ يُمكِنُنا، إِذن، أَن نحُثَّ النَّاسَ على الشُّعُورِ بجَوهرِ الآيةِ التي صدَّرنا بِها المقال إِذ لم يسمعَ أَحدٌ أَحداً ولم يُقدِّرُ أَحدٌ فكرةَ أَحدٍ وإِذا كُنَّا نعبثُ بنصائحِ بعضنا البعضِ الآخر ولا نُعيرُ اهتماماً بتحذيرِ بعضِنا للبعضِ الآخر؟!.
متى؟! إِذا كانت الفَوضى تتحكَّمُ بِنا على مُستوى الأَفكار والآراء والنَّصائِح والتَّحذيرات؟!.
متى إِذا كُنَّا لم نقرأ؟! وإِذا قرأنا لَم نستوعِب؟! وإِذا استوعَبنا لم نُفكِّر؟! وإِذا فكَّرنا لم نستَنتِج؟! وإِذا استنتجنا لم نُغيِّر شيئاً لا بالسِّلبِ ولا بالإِيجابِ؟! {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا ۖ فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} فلا عقلٌ يستَوعبُ ولا آذانٌ تُصغي!.
أَوَليسَت هذهِ طامَّةٌ كُبرى ومُصيبةٌ عُظمى؟! ثُمَّ نُريدُ أَن ننجحَ وننتَصِرَ ونتعلَّمَ ونتطوَّرَ ونتنافسَ معَ الأُممِ الأُخرى وندُخلَ عصرَ الحضارةِ وبالتَّالي التَّاريخ من أَوسعِ أَبوابهِ!.
وبعيداً عن الخجلِ، ماذا لَو تساءلَ كُلُّ واحدٍ مِنَّا معَ نفسهِ عن أَيٍّ من الأَنواعِ الثَّلاثةِ يكونُ هوَ؟!.
يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) في وصيَّةٍ لهُ {يَا كُمَيْلَ بْنَ زِيَادٍ إِنَّ هَذِه الْقُلُوبَ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا فَاحْفَظْ عَنِّي مَا أَقُولُ لَكَ؛ النَّاسُ ثَلَاثَةٌ فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ ومُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ وهَمَجٌ رَعَاعٌ أَتْبَاعُ كُلِّ نَاعِقٍ يَمِيلُونَ مَعَ كُلِّ رِيحٍ، لَمْ يَسْتَضِيئُوا بِنُورِ الْعِلْمِ ولَمْ يَلْجَئُوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ}.
أَجزِمُ وبالدَّليلِ القاطعٍ أَنَّ النِّسبةَ الأَكبَر من المُجتمع هُم من النَّوعِ الثَّالثِ، فبتصفُّحٍ سريعٍ لمُحتوياتِ مُختلفِ وسائلِ التَّواصُلِ الإِجتماعي فسترى أَنَّ نِسبةَ النَّسخِ واللَّصقِ هي الأَعلى، فقد تصِلُ إِلى أَكثر من [٩٠٪] وإِذا سأَلتَ أَصحابَ هذا النَّوعِ من المنشُوراتِ؛ هل قرأت قبلَ النَّسخِ واللَّصقِ؟! هل تأَكَّدتَ من صحَّةِ المنشور قبلَ النَّسخِ واللَّصقِ؟! هل تيقَّنتَ من الفائدةِ المرجوَّةِ من المنشُورِ قبلَ النَّسخِ واللَّصقِ؟!.
لقد طرحتُ مرَّةً هذهِ الأَسئِلة الثَّلاثة على أَحدِ اللَّذين يتسابقُونَ مع الآخرينَ على النَّسخِ واللَّصقِ فأَجابني؛ [لا تُصعِّبها عليَّ] كُلُّ أَصدِقائي يفعلُونَ ذلكَ فهل بقِيَت عليَّ؟!.
لماذا تسمعُ هذا النَّوعِ من الأَجوِبةِ التَّافِهة؟!.
*بسببِ الفراغِ الذي يعيشهُ النَّاسَ.
*والجهلِ والأُميَّة فهوَ لا يعرِفُ الكِتابةَ أَو لا يُجيدُ التَّعبير عن أَفكارهِ [إِذا كانَ يحمِلُ أَفكاراً] لذلك يلجأُ إِلى النَّسخِ واللَّصقِ ليُسجِّلَ حضُورهُ بطريقةٍ ما حتى إِذا كانت تافِهةً!.
*وآخرُونَ يظنُّونَ أَنَّهُم يفهمُونَ كُلَّ شيءٍ إِذا قرأُوا سطرَينِ أَو حضرَ دَرسَينِ أَو تصفَّحَ ورقَتَينِ أَو استمعَ لخَطيبَينِ!.
يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {ورَجُلٌ قَمَشَ جَهْلًا مُوضِعٌ فِي جُهَّالِ الأُمَّةِ عَادٍ فِي أَغْبَاشِ الْفِتْنَةِ عَمٍ بِمَا فِي عَقْدِ الْهُدْنَةِ قَدْ سَمَّاه أَشْبَاه النَّاسِ عَالِماً ولَيْسَ بِه بَكَّرَ فَاسْتَكْثَرَ مِنْ جَمْعٍ مَا قَلَّ مِنْه خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ حَتَّى إِذَا ارْتَوَى مِنْ مَاءٍ آجِنٍ واكْتَثَرَ مِنْ غَيْرِ طَائِلٍ جَلَسَ بَيْنَ النَّاسِ قَاضِياً ضَامِناً لِتَخْلِيصِ مَا الْتَبَسَ عَلَى غَيْرِه فَإِنْ نَزَلَتْ بِه إِحْدَى الْمُبْهَمَاتِ هَيَّأَ لَهَا حَشْواً رَثًّا مِنْ رَأْيِه ثُمَّ قَطَعَ بِه فَهُوَ مِنْ لَبْسِ الشُّبُهَاتِ فِي مِثْلِ نَسْجِ الْعَنْكَبُوتِ لَا يَدْرِي أَصَابَ أَمْ أَخْطَأَ، فَإِنْ أَصَابَ خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ أَخْطَأَ وإِنْ أَخْطَأَ رَجَا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَصَابَ، جَاهِلٌ خَبَّاطُ جَهَالَاتٍ عَاشٍ رَكَّابُ عَشَوَاتٍ لَمْ يَعَضَّ عَلَى الْعِلْمِ بِضِرْسٍ قَاطِعٍ يَذْرُو الرِّوَايَاتِ ذَرْوَ الرِّيحِ الْهَشِيمَ لَا مَلِيٌّ (واللَّه) بِإِصْدَارِ مَا وَرَدَ عَلَيْه ولَا أَهْلٌ لِمَا قُرِّظَ بِه لَا يَحْسَبُ الْعِلْمَ فِي شَيْءٍ مِمَّا أَنْكَرَه ولَا يَرَى أَنَّ مِنْ وَرَاءِ مَا بَلَغَ مَذْهَباً لِغَيْرِه وإِنْ أَظْلَمَ عَلَيْه أَمْرٌ اكْتَتَمَ بِه لِمَا يَعْلَمُ مِنْ جَهْلِ نَفْسِه}.