أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (29)
{وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ}.
وأَميرُ المُومنينَ (ع) هو هادي الأُمَّةَ بعد الفتنةِ.
وإِنَّ أَهمَّ ما كان يسعى إِليهِ (ع) هو كَشف الزَّيف والخِداع والتَّضليل الذي تعرَّضت لهُ الأُمَّة، وباسمِ الدِّينِ، مدَّةً زمنيَّةً طويلةً خاصَّةً في فترةِ حكومتهِ، فلقد كان على يقينٍ بأَنَّ مصائبَ الأُمم تبداأُ بالتَّضليلِ فكلُّ الدِّماء التي تُستباح والأَعراض التي تُنتهك تبدأُ بخُدعةٍ خاصَّةً إِذا كانت باسمِ الدِّينِ والعقيدةِ والمُقدَّسِ [رفعُ المصاحفِ] كما في صفِّين.
فلقد خدعَت جبهةُ الباطلِ [جبهةُ الحقِّ] عندما أَقنعتها بالرُّجوعِ إِلى القرآن الكريم والإِحتكامِ إِليهِ لوقفِ نزيفِ الدَّمِ! على الرَّغمِ من أَنَّ أَميرَ المُومنِينَ (ع) حذَّرهُم من الخديعةِ قائلاً {أَلَمْ تَقُولُوا عِنْدَ رَفْعِهِمُ الْمَصَاحِفَ حِيلَةً وغِيلَةً ومَكْراً وخَدِيعَةً؛ إِخْوَانُنَا وأَهْلُ دَعْوَتِنَا اسْتَقَالُونَا واسْتَرَاحُوا إِلَى كِتَابِ اللَّه سُبْحَانَه فَالرَّأْيُ الْقَبُولُ مِنْهُمْ والتَّنْفِيسُ عَنْهُمْ؟! فَقُلْتُ لَكُمْ، هَذَا أَمْرٌ ظَاهِرُهُ إِيمَانٌ وبَاطِنُهُ عُدْوَانٌ وأَوَّلُهُ رَحْمَةٌ وآخِرُه نَدَامَةٌ فَأَقِيمُوا عَلَى شَأْنِكُمْ والْزَمُوا طَرِيقَتَكُمْ وعَضُّوا عَلَى الْجِهَادِ بَنَوَاجِذِكُمْ ولَا تَلْتَفِتُوا إِلَى نَاعِقٍ نَعَقَ؛ إِنْ أُجِيبَ أَضَلَّ وإِنْ تُرِكَ ذَلَّ وقَدْ كَانَتْ هَذِه الْفَعْلَةُ وقَدْ رَأَيْتُكُمْ أَعْطَيْتُمُوهَا واللَّه لَئِنْ أَبَيْتُهَا مَا وَجَبَتْ عَلَيَّ فَرِيضَتُهَا ولَا حَمَّلَنِي اللَّه ذَنْبَهَا ووَ اللَّه إِنْ جِئْتُهَا إِنِّي لَلْمُحِقُّ الَّذِي يُتَّبَعُ وإِنَّ الْكِتَابَ لَمَعِي مَا فَارَقْتُهُ مُذْ صَحِبْتُه}.
وقولهُ (ع) {أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ مَعْصِيَةَ النَّاصِحِ الشَّفِيقِ الْعَالِمِ الْمُجَرِّبِ تُورِثُ الْحَسْرَةَ وتُعْقِبُ النَّدَامَةَ، وقَدْ كُنْتُ أَمَرْتُكُمْ فِي هَذِه الْحُكُومَةِ أَمْرِي ونَخَلْتُ لَكُمْ مَخْزُونَ رَأْيِي لَوْ كَانَ يُطَاعُ لِقَصِيرٍ أَمْرٌ! فَأَبَيْتُمْ عَلَيَّ إِبَاءَ الْمُخَالِفِينَ الْجُفَاةِ والْمُنَابِذِينَ الْعُصَاةِ حَتَّى ارْتَابَ النَّاصِحُ بِنُصْحِهِ وضَنَّ الزَّنْدُ بِقَدْحِهِ فَكُنْتُ أَنَا وإِيَّاكُمْ كَمَا قَالَ أَخُو هَوَازِنَ؛
أَمَرْتُكُمْ أَمْرِي بِمُنْعَرَجِ اللِّوَى * فَلَمْ تَسْتَبِينُوا النُّصْحَ إِلَّا ضُحَى الْغَدِ}.
ومع كلِّ هذا تراهُم خُدِعُوا ثم حمَّلُوا أَميرَ المؤمنِينَ (ع) المسؤُوليَّة مُتَّهمينَ إِيَّاهُ بالكُفرِ لأَنَّهُ قبِلَ بالتَّحكيمِ! بعدَ أَن وعَوا على أَنفسهِم واكتشفُوا الحقيقةَ بعدَ فواتِ الأَوانِ! وتلكَ هي من أَقبحِ الأَساليبِ التي يتوسَّل بها ويختفي وراءَها المخدُوع للتهرُّبِ من المسؤُوليَّةِ، وهي أَن يُحمِّلَ النَّاصحَ الذي يُحذِّرهُ من مغبَّةِ الخديعةِ المسؤُوليَّةً كاملةً.
والمخدُوعُ بهذِهِ الحالةِ يتحمَّلُ وِزرَينِ والنَّاصحُ يدفعُ ثمنَ ظُلامَتَينِ، وهو حالُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) مع أَصحابهِ حتَّى قالَ مُتمنِّياً {لَوَدِدْتُ واللَّه أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَنِي بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةَ مِنْكُمْ وأَعْطَانِي رَجُلًا مِنْهُمْ!} و {لَقَدْ أَصْبَحَتِ الأُمَمُ تَخَافُ ظُلْمَ رُعَاتِهَا وأَصْبَحْتُ أَخَافُ ظُلْمَ رَعِيَّتِي} ولنا أَن نتخيَّلَ عُمقَ مُعاناتهِ (ع) معهُم!.
وجهلاً يظنُّ البَعضَ بأَنَّ أَميرَ المُومنينَ (ع) كان [مخدُوعاً] بأَصحابهِ! وإِلَّا لما قبِلَ بالخلافةِ! وهذا غمضٌ للحقائقِ؛
١/ إِنَّهُ (ع) رفضَ الخلافةَ رفضاً باتّاً لولا الضَّغط الهائِل الذي تعرَّضَ لهُ {فَمَا رَاعَنِي إِلَّا والنَّاسُ كَعُرْفِ الضَّبُعِ إِلَيَّ، يَنْثَالُونَ عَلَيَّ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ، حَتَّى لَقَدْ وُطِئَ الْحَسَنَانِ وشُقَّ عِطْفَايَ مُجْتَمِعِينَ حَوْلِي كَرَبِيضَةِ الْغَنَمِ} و {دَعُونِي والْتَمِسُوا غَيْرِي فَإِنَّا مُسْتَقْبِلُونَ أَمْراً لَه وُجُوه وأَلْوَانٌ لَا تَقُومُ لَه الْقُلُوبُ ولَا تَثْبُتُ عَلَيْه الْعُقُولُ وإِنَّ الآفَاقَ قَدْ أَغَامَتْ والْمَحَجَّةَ قَدْ تَنَكَّرَتْ واعْلَمُوا أَنِّي إِنْ أَجَبْتُكُمْ رَكِبْتُ بِكُمْ مَا أَعْلَمُ ولَمْ أُصْغِ إِلَى قَوْلِ الْقَائِلِ وعَتْبِ الْعَاتِبِ وإِنْ تَرَكْتُمُونِي فَأَنَا كَأَحَدِكُمْ ولَعَلِّي أَسْمَعُكُمْ وأَطْوَعُكُمْ لِمَنْ وَلَّيْتُمُوه أَمْرَكُمْ وأَنَا لَكُمْ وَزِيراً خَيْرٌ لَكُمْ مِنِّي أَمِيراً !}.
٢/ وعندما قبلَ الخلافةَ رفضَ أَن تكونَ البيعةَ خاصَّةً من أَهلِ الحلِّ والعقدِ فقط وإِنَّما دعا إِلى البيعةِ العامَّةِ في المسجدِ لتتحمَّلَ الأُمَّةَ كُلَّها المسؤُوليَّةَ ومع ذلكَ {فَلَمَّا نَهَضْتُ بِالأَمْرِ نَكَثَتْ طَائِفَةٌ ومَرَقَتْ أُخْرَى وقَسَطَ آخَرُونَ كَأَنَّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا اللَّه سُبْحَانَه يَقُولُ (تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ ولا فَساداً والْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) بَلَى واللَّه لَقَدْ سَمِعُوهَا ووَعَوْهَا ولَكِنَّهُمْ حَلِيَتِ الدُّنْيَا فِي أَعْيُنِهِمْ ورَاقَهُمْ زِبْرِجُهَا!}.
٣/ وإِنَّما قبِلَ بالخلافةِ كواجبٍ شرعيٍّ وأَخلاقيٍّ إِثر الفَراغ الهائِل في القيادةِ من أَجلِ تحقيقِ أَهدافِ الأُمَّةِ والحكومةِ العادِلةِ {اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنَّه لَمْ يَكُنِ الَّذِي كَانَ مِنَّا مُنَافَسَةً فِي سُلْطَانٍ ولَا الْتِمَاسَ شَيْءٍ مِنْ فُضُولِ الْحُطَامِ ولَكِنْ لِنَرِدَ الْمَعَالِمَ مِنْ دِينِكَ ونُظْهِرَ الإِصْلَاحَ فِي بِلَادِكَ فَيَأْمَنَ الْمَظْلُومُونَ مِنْ عِبَادِكَ وتُقَامَ الْمُعَطَّلَةُ مِنْ حُدُودِكَ} طبعاً وبوجودِ الشُّروطِ اللَّازمةِ التي توجبُ التصدِّي للمسؤُوليَّةِ {أَمَا والَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وبَرَأَ النَّسَمَةَ لَوْ لَا حُضُورُ الْحَاضِرِ وقِيَامُ الْحُجَّةِ بِوُجُودِ النَّاصِرِ ومَا أَخَذَ اللَّه عَلَى الْعُلَمَاءِ أَلَّا يُقَارُّوا عَلَى كِظَّةِ ظَالِمٍ ولَا سَغَبِ مَظْلُومٍ لأَلْقَيْتُ حَبْلَهَا عَلَى غَارِبِهَا ولَسَقَيْتُ آخِرَهَا بِكَأْسِ أَوَّلِهَا ولأَلْفَيْتُمْ دُنْيَاكُمْ هَذِه أَزْهَدَ عِنْدِي مِنْ عَفْطَةِ عَنْزٍ !}.
٤/ وقبلَ وبعدَ كُلِّ ذلكَ فلقد كانَ (ع) على علمٍ ويقينٍ بحالهِم، إِلَّا أَنَّهُ لم يشأ أَبداً أَن يتعاملَ معهُم بالغيبِ فتسقُطَ حُجَّتهُ عليهِم أَو بما يعرِفهُ هوَ ولا يعرفهُ غيرهُ، فليسَ من واجبِ أَو حتَّى طبيعةِ الرُّسلِ والأَنبياء والأَئمَّة التَّعامل مع الأُمور الحياتيَّة والعامَّة بمنطقِ الغيبِ {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} وإِنَّما يكونُ تعاملهُم بالواقعِ وظرُوفهِ وشرُوطهِ وأَدواتهِ إِلَّا ما شاءَ الله تعالى أَن يحكُمهُ بالغيبِ كما هوَ الحال معَ حالاتٍ خاصَّةٍ ونادرةٍ في حياةِ الأَنبياء.
أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) كان يعرفُ طبيعتهُم بالتَّجربةِ والخبرةِ وعلمِ الفِراسةِ الذي تميَّز بهِ وبما كانَ يُخبِرهُ بهِ رسولُ الله (ص) عن الله تعالى {عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا* إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ} فهوَ وصفهُم بدقَّةٍ مُتناهيةٍ في أَكثر من مرَّةٍ كقولهِ لهُم (ع) {مَا زِلْتُ أَنْتَظِرُ بِكُمْ عَوَاقِبَ الْغَدْرِ وأَتَوَسَّمُكُمْ بِحِلْيَةِ الْمُغْتَرِّينَ حَتَّى سَتَرَنِي عَنْكُمْ جِلْبَابُ الدِّينِ وبَصَّرَنِيكُمْ صِدْقُ النِّيَّةِ أَقَمْتُ لَكُمْ عَلَى سَنَنِ الْحَقِّ فِي جَوَادِّ الْمَضَلَّةِ حَيْثُ تَلْتَقُونَ ولَا دَلِيلَ، وتَحْتَفِرُونَ ولَا تُمِيهُونَ} وقولهُ (ع) {أَيُّهَا النَّاسُ الْمُجْتَمِعَةُ أَبْدَانُهُمْ الْمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ كَلَامُكُمْ يُوهِي الصُّمَّ الصِّلَابَ وفِعْلُكُمْ يُطْمِعُ فِيكُمُ الأَعْدَاءَ! تَقُولُونَ فِي الْمَجَالِسِ؛ كَيْتَ وكَيْتَ فَإِذَا جَاءَ الْقِتَالُ قُلْتُمْ؛ حِيدِي حَيَادِ! مَا عَزَّتْ دَعْوَةُ مَنْ دَعَاكُمْ ولَا اسْتَرَاحَ قَلْبُ مَنْ قَاسَاكُمْ، أَعَالِيلُ بِأَضَالِيلَ وسَأَلْتُمُونِي التَّطْوِيلَ دِفَاعَ ذِي الدَّيْنِ الْمَطُولِ، لَا يَمْنَعُ الضَّيْمَ الذَّلِيلُ! ولَا يُدْرَكُ الْحَقُّ إِلَّا بِالْجِدِّ! أَيَّ دَارٍ بَعْدَ دَارِكُمْ تَمْنَعُونَ ومَعَ أَيِّ إِمَامٍ بَعْدِي تُقَاتِلُونَ؟! الْمَغْرُورُ واللَّه مَنْ غَرَرْتُمُوه ومَنْ فَازَ بِكُمْ فَقَدْ فَازَ (واللَّه) بِالسَّهْمِ الأَخْيَبِ ومَنْ رَمَى بِكُمْ فَقَدْ رَمَى بِأَفْوَقَ نَاصِلٍ، أَصْبَحْتُ واللَّه لَا أُصَدِّقُ قَوْلَكُمْ ولَا أَطْمَعُ فِي نَصْرِكُمْ ولَا أُوعِدُ الْعَدُوَّ بِكُمْ، مَا بَالُكُمْ؟! مَا دَوَاؤُكُمْ؟! مَا طِبُّكُمْ؟! الْقَوْمُ رِجَالٌ أَمْثَالُكُمْ، أَقَوْلًا بِغَيْرِ عِلْمٍ! وغَفْلةً مِنْ غَيْرِ وَرَعٍ! وطَمَعاً فِي غَيْرِ حَقٍّ؟!}.