حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. "كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ"

مقالات 17 April 2026
بقلم: نزار حيدر

{كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ}.

  والمقصُود بـ {إِذْنِ اللَّهِ ۗ} هيَ سُننُ الله في خلقهِ ونواميسهِ وقوانينهِ في الحياةِ والتي تسري على كُلِّ مَن خلقَ من دونِ تمييزٍ أَو أَفضليَّةٍ إِلَّا ما خرجَ بدليلٍ قطعيٍّ [بالمُعجِزةِ مثلاً]! وهذهِ القوانينُ لا علاقةَ لها بالبُعدِ الغيبي أَو بإِيمانِ المرءِ بالله تعالى أَو بكُفرهِ بهِ عزَّ وجلَّ، ولا علاقةَ لها بالتزامهِ الدِّيني من عدمهِ، كما أَنَّها لا علاقةَ لها بالزَّمانِ والمكانِ والسنِّ والجنسِ والإِثنيَّةِ، ولا بأَيِّ شيءٍ آخر.

  فالمطرُ الذي يَسقي الحرثَ هو لا يسقي حرثَ المُؤمن ويمتنعُ عن سقي حرثَ الكافِر! أَو يسقي حرثَ المرأَة ولا يسقي حرثَ الرَّجل! أَو يسقي حرثَ الكُردي ولا يسقي حرثَ العربي! أَبداً، إِنَّما هو مُشاعٌ للجميعِ فمَن تهيَّأَ له فسيسقي المطرُ حرثهُ حتَّى إِذا كانَ كافراً أَمَّا الذي يظلُّ نائماً إِلى الظَّهيرةِ فسوفَ لن يسقي المطرُ حرثهُ حتَّى إِذا كانَ قد سهرَ ليلهُ بأَداءِ صلاةِ اللَّيلِ والإِستغفارِ لأَربعينَ مُؤمناً!.

  يقُولُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) {فَتَوَاكَلْتُمْ وتَخَاذَلْتُمْ حَتَّى شُنَّتْ عَلَيْكُمُ الْغَارَاتُ ومُلِكَتْ عَلَيْكُمُ الأَوْطَانُ}.

  وإِنَّما أَقولُ؛ إِلَّا ما خرجَ بدليلٍ، فذلكَ عندما تشاءُ إِرادةُ الله تعالى نصرَ القلَّةَ خارج مُعادلات السُّنن الإِلهيَّة وهذهِ لا تتكرَّر يوميَّاً ولا مع أَيٍّ كانَ.

  حتَّى في زمنِ رسول الله (ص) الرَّحمةُ المُهداة، لم تشأ إِرادةُ الله ذلكَ إِلَّا في مرَّةٍ أَو مرَّتينِ من مجموعِ [٨٣] مرَّة وهي عددُ الحروبِ والغزَواتِ والسَّرايا التي قادَها أَو بعثها (ص) للدِّفاعِ عن مصالحِ الجماعةِ، أَمَّا في بقيَّةِ الحالاتِ فكانت تجري تفاصيلها حسبَ السُّننِ الإِلهيَّةِ فكانَ المسلمُونَ ينتصرُونَ عندما يلتزمُونَ بها وينهزمُونَ عندما يتجاهلُونها.

  ومن الحالاتِ النَّادرةِ التي شاءَ الله تعالى أَن ينتصرَ فيها المسلمُونَ خارِج سياقاتِ السُّننِ قولهُ تعالى {إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ} {بَلَىٰ ۚ إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُم مِّن فَوْرِهِمْ هَٰذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ}.

  حتَّى الحالة [الشاذَّة] من القاعدةِ حدَّدَ تعالى لها قواعدَ وقوانينَ ومقدِّمات وشرُوط! {إِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا}.

  ولذلكَ يخطأُ مَن يظنُّ أَنَّ الدُّنيا تمشي بالمعاجزِ أَو بالدُّعاءِ والتَّواكُلِ {قُل لَّا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ ۚ وَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ ۚ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.

  ولذلكَ كُسِرت رباعيَّة رسولُ الله (ص) في الحربِ واستُشهدَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في محرابِ الصَّلاةِ ورضَّت الخيلُ أَضلاع الحُسين السِّبط (ع) في عاشوراءَ في كربلاء بعدَ أَن ذبحهُ الشِّمرُ وحزَّ رأسهُ منَ القَفا!.

  وفي الأَثناءِ يعتلي خلافةَ الأُمَّةِ ويصبحُ [أَميراً للمُؤمنينَ] مخلوقٌ أَرعنٌ جاهلٌ طائشٌ خمَّارٌ قاتلُ النَّفسِ المُحترمَةِ مثل [يزيد بن مُعاوية]!.

  فكيفَ ذلكَ؟! أَلم تكُن الأُمَّة مُؤمنة والجَماعة تحفِظ القرآن الكريم عن ظهرِ غيبٍ وجلُّهم صحابةٌ وتابعِونَ قاتلُوا بينَ يدَي رسولُ الله (ص)؟!.

  بلى، صحيحٌ كُلُّ ذلكَ إِلَّا أَنَّهم ظنُّوا أَنَّ ذلكَ يكفي ليُنصرُهم الله تعالى ويغيِّر سُننهُ ونواميسهُ من أَجلهِم! أَبداً!.

  فعندما تمرَّدوا على قرارِ القائدِ انهزمُوا في أُحد!.

  وعندما تركُوا وصيَّةَ رسولَ الله (ص) في خليفتهِ أَمِيرِ المُومنينَ (ع) قُتِلَ الوزيرُ ليبتليَهم الله تعالى بالطَّليقِ مُعاوية الذي لا تحقُّ لهُ الشُّورى فضلاً عن الخلافةِ!.

  فلقد وردَ في كتابِ [الإِمامةُ والسِّياسةُ الجُزء الأَوَّل الصَّفحةُ (٨٥)] وفي كتابِ [تاريخُ دمِشق الجُزء (٥٩) الصَّفحة (١٢٨)] ما نصُّهُ [كتبَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) كِتاباً إِلى مُعاويةَ جاءَ فيهِ {واعلَم يا مُعاوية أَنَّكَ مِن الطُّلقاء الذينَ لا تحِلُّ لهُمُ الخِلافةَ ولا تُعقَدُ معهُم الإِمامةَ ولا تُعرَضُ فيهِمُ الشُّورى}].

  وعندما تخذلُ الأُمَّة سبطَ نبيِّها وتنقلِبُ على عهدِها والتزاماتِها لدُنيا أَصابتها، يُقتلُ الحُسينُ الشَّهيدُ (ع) ويعتلي خمَّارٌ سدَّةَ الخِلافةَ!.

  وهكَذا.

  إِنَّ الإِلتزامَ بالسُّننِ والنَّواميسِ يُحقِّقُ الأَهدافَ وإِنَّ الإِتِّكالَ على أَيِّ معيارٍ آخرَ يُنتِجُ فشلاً ذريعاً!.

الوسوم: نزار حيدر