حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. بين من يبني دولة ومن يبني سلطة

مقالات 24 April 2026
بقلم: نزار حيدر

{اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ}.

  الأَغبياءُ تبهرهُم [الأَوهام] الخدَّاعة والتَّكتيكات المُستعجَلة التي تحقِّق النَّجاحات الوهميَّة، والعقلاءُ عينهُم على الإِنجازات التاريخيَّة وتركيزهُم على الإِستراتيجيَّات {قَالَ أَلَمۡ أَقُل لَّكُمۡ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مِنَ ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ}.

  لقد ظنَّ أُخوةُ يوسُف (ع) أَنَّ التخلُّصَ من أَخيهِم بأَيَّةِ طريقةٍ مُمكنةٍ ستُحقِّقُ لهُم الهدَفَ الذي يحلمُونَ بهِ {وَتَكُونُوا مِن بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ} عندما تصوَّرُوا أَنَّهُ (ع) يُمثِّل العقَبةَ الكأداءَ في طريقِ تحقيقِ أَهدافهِم، وهيَ الطَّريقةُ الخطأ التي يُفكِّرُ بها كثيرُونَ عندما يربطونَ نجاحاتهُم بإِزاحةِ زيدٍ أَو إِبعادِ عمرُو! من دونِ أَن ينتبهُوا لأَصلِ العقباتِ الكأداءِ الحقيقيَّةِ التي تحولُ بينهُم وبينَ الإِنجازِ الذي يسعَونَ لتحقيقهِ والهدفِ الذي يبذلونَ جهدهُم للوصولِ إِليهِ كعقباتِ الجهلِ والفسادِ والشكِّ بالقدُراتِ الذاتيَّةِ! فينشغلونَ بإِزاحةِ الآخر أَكثر من إِنشغالهِم بأَنفسهِم!.

  وبذلكَ فهُم يرتكبونَ خطأَينِ؛ الأَوَّل عندما تخدعهُم النَّجاحات الآنيَّة المزعومة فتشغلهُم عن النَّجاحاتِ الإِستراتيجيَّةِ الحقيقيَّةِ، والثَّاني عندما يعلِّقونَ تحقيقَ إِنجازاتهِم بإِزاحةِ فردٍ أَو أَفرادٍ عن طريقهِم من دونِ السَّعي لإِزاحةِ أَو تصحيحِ العقباتِ الذاتيةِ الحقيقيَّةِ.

  أَمَّا العُقلاء فلا يرتكبونَ هذينِ الخطأَينِ أَبداً، فلا هُم يعلِّقونَ نجاحاتهُم على أَحدٍ أَبداً، ولا هُم من النَّوع الذي تخدعهُم الإِنجازات الوهميَّة فتشغلهُم عن تحقيقِ هدفهِم السَّامي التَّاريخي، والنُّموذجُ في القصَّةِ هو نبيَّ الله يعقُوب (ع) الذي تجاوزَ كُلَّ المُعوِّقات ولم تشغلهُ الحَوادث الآنيَّة فظلَّ صابراً يتحمَّلُ الآلام من أَجلِ هدفٍ أَسمى وأَجل.

  ومن علاماتِ الغباءِ التي تدلُّكَ عليهِم هي مُحاولاتهِم المُستمرَّة لبعثرةِ مفاهيمِ المُصطلحاتِ ومعاني الكلماتِ لتضليلِ الرَّأي العامِّ فيبعثرُونَ مفاهيم النَّصر والهزيمة، النَّجاح والفشَل، التقدُّم والتأَخُّر!.

  أَمَّا العُقلاءُ فمنهجهُم الوضُوحُ في المُصطلحاتِ وهي منهجيَّةُ القرآن الكريم الذي يضعُ النِّقاطَ على الحرُوفِ عندما يتحدَّثُ عن النَّصرِ والهزيمةِ مثلاً لأَنَّ تحديدَ المفهُومِ نصفُ الوعي!.

  لماذا هذا الفرقُ بين العاقلِ الذي عينهُ على الإِستراتيجيَّات والغبيِّ الذي عينهُ على التَّكتيكات؟!.

  ١/ العاقلُ لا يهمُّهُ ما إِذا تمَّ تسجيل المُنجَز بإِسمهِ أَم لم يُسجَّل، ولذلكَ فهو لا يستعجلُ النَّجاحات فهمُّهُ الأَوَّل هو الإِنجاز وليسَ [حجَر الأَساس] الذي يعشَق أَن يُنقشَ عليهِ إِسمهُ وإِلَّا فلا فائدةَ من ورائهِ!.

  العاقلُ يُسجِّلُ المُنجز بإِسمِ الجماعةِ [الدَّولة أَو الحزِب أَو الفريق] أَمَّا الغبيُّ فهمُّهُ تسجيل المُنجَز بإِسمهِ حتَّى إِذا كانَ تافهاً حقيراً ولذلكَ فهوَ يستعجِلُ النَّجاحات قبلَ أَن يموتَ أَو يُقالَ أَو يُزاحَ عن المنصبِ! فتجدُ أَنَّ مُنجزاتهِ بحرٌ بعُمقِ [٢سم] فقط!.

  الغبيُّ حريصٌ على ما ستكتبهُ الصُّحفُ عنهُ غداً والعاقِلُ ليس كذلكَ!.

  ٢/ العاقلُ يمتلكُ بصيرةً {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ} أَمَّا الغبيُّ فلا يمتلكُ منها شيئاً، فالأَوَّلُ يرسِمُ ويُخطِّطُ بمدياتٍ بعيدةٍ لضمانِ تحقيقِ إِنجازاتٍ إِستراتيجيَّةِ تنعمُ في ظلِّها وبمنافعِها أَجيالٌ مُتعاقبةٌ، أَمَّا الغبيُّ فهمُّهُ إِنجازٌ يراهُ الأَحياءُ فقط! ولذلكَ فالعاقِلُ يبني دَولةً أَمَّا الغبيُّ فيبني سُلطةً!.

  ٣/ العاقلُ يُؤمنُ بنظريَّةِ تراكُمِ المُنجَزِ بمعنى أَن يضعَ كُلَّ جيلٍ حجراً في البناءِ لأَنَّ همَّهُ المُنجز الثَّابت، أَمَّا الغبيُّ فلا يؤمنُ بالنظريَّةِ أَبداً لأَنَّهُ يعتبرها مضيعةً لحجَرهِ الذي يضعهُ في البناءِ!.

  إِنَّهُ يبدأُ دائماً من الصِّفر لأَنَّهُ يريدُ المُنجَز بإِسمهِ بامتيازٍ من الأَلفِ إِلى الياءِ، فإِذا خلفهُ واحدٌ مثلهُ فسيهدِم مُنجزَهُ ليبدأَ بمُنجزٍ جديدٍ! وهكذا!.

  ٤/ والغبيُّ جبانٌ يخافُ المُستقبلَ ولذلكَ لا يفكِّرُ بأَبعدِ من أَرنبةِ أَنفهِ أَو موطئِ قدمهِ! فالتَّفكيرُ الإِستراتيجيُّ يحتاجُ إِلى رُؤيةٍ بعيدةٍ وشجاعةٍ على الثَّباتِ والإِستقامةِ، أَمَّا التَّفكيرُ التَّكتيكيُّ المُستعجَلِ فلا يحتاجُ إِلى أَكثرِ من نظرةٍ آنيَّةٍ لما هوَ تحتَ اليدِ من أَدواتٍ دونَ الحاجةِ للسَّعي لإِحضارِ وإِعدادِ وتهيئةِ أَدواتٍ لا يحتاجُها الآن وشعارُ الغبيِّ [منو أَبو باچر]!.

  ٥/ وكُلُّ هذا سببهُ ظنُّ الغبيِّ أَنَّ الفلكَ سيتوقَّف عن الدَّوران إِذا تبوَّأَ مقعداً! أَمَّا العاقلُ فليسَ كذلكَ فعندهُ أَنَّ اليومَ لهُ ما بعدهُ ولذلكَ فكما أَنَّهُ يفكِّرُ باليَومِ الذي فيهِ يضعُ في خُططهِ الغد الذي سيأتي! ولقد وردَ في المأثورِ [إِعمل لدُنياكَ كأَنَّكَ تعيشُ أَبداً (بالتمهُّلِ والإِتقانِ وعدمِ الإِستعجالِ والعملِ بجدٍّ لتركِ أَثرٍ) واعمَل لآخرتكَ كأَنَّكَ تموتُ غَداً].

الوسوم: نزار حيدر