تساؤلات إنسان دوّخته السياسة

مقالات 25 April 2026
بقلم: حيدر عاشور

لماذا يغصّ العراق بالسياسيين والمثقفين، والإعلاميين والمؤسسات الصحفية، ويعجّ بالأنظمة المتعددة والجمعيات الخيرية ومنظمات المجتمع المدني، ومع ذلك يظلّ غارقاً في الأزمات وتفشي الأمية والفقر وتردي الخدمات؟. 

ما جدوى وجود الحكومة إذا كان بإمكان غيرها تحمل أعبائها؟ ولماذا توجد القيادات الأمنية إذا كان الآخرون ينهضون بالمهام الأمنية، وأصبحت كل عائلة قادرة على حماية نفسها بقانون العشائر؟. أي حديث أو مقال يتناول الواقع الراهن في البلاد يُصنّف من قِبل المستفيدين على أنه طرح غوغائي يعادي جوهر التقدم والبناء، ويُعدّ عائقاً أمام مستقبل العراق.

لقد أثبت الواقع المر بما لا يدع مجالاً للشك وجود أيادٍ خفية تصنع الأزمات وتخطط لابتزاز المواطنين، وتعمل على تعميق الفوارق الطبقية، لتخلق فئة تعيش في برجٍ عاجي، لا مصلحة لها سوى الإضرار بالوطن والشعب.

رغم كل هذه الأزمات المفتعلة والمتغيرات المعيشية، يراود كل عائلة عراقية حلمٌ بأن ينعم العراق بالاستقرار، ويتخلص من جشع تجار الأزمات، لينال المواطن حقه في خيرات بلاده. إنهم يطمحون إلى أبسط مقومات العيش الكريم: أن تصلهم الخدمات الأساسية كقنينة الغاز نظيفة وممتلئة وبسعر رمزي، وألا يضطروا للبحث عن الوقود وهم في بلد النفط، وأن يرى كبار السن حصاد سنوات عمرهم في نهاية تليق بكرامتهم كخدمٍ للدولة، حيث يحصلون على الرعاية الصحية المجانية، ويشعرون بالأمان عند خروجهم للشارع، مستفيدين من أرصفة ذكية تخدم تنقلاتهم بيسر وسهولة.

إذا كان هدف الحكومة العراقية هو رعاية مواطنيها رعايةً أبوية يسودها النظام والعدالة والمساواة -وهو أمرٌ ميسور- فلماذا تبرز الحاجة إلى المؤسسات الخيرية ومشاريع تستنزف المواطن ذي الدخل المحدود؟ إن ابتعاد بعض تلك المؤسسات عن العمل الحكومي يظهر جلياً في تجمهر الناس حول من يمهد لهم الطريق، ويصنع أحلام شبابهم، ويوفر لهم حياة كريمة. وهذا التوجه ليس وليد الصدفة، بل هو نتيجة لقصور الأداء الحكومي الذي دفع الناس للبحث عمن يلبي احتياجاتهم، مما يمهد الطريق لتعزيز التجزئة الفئوية، ويدفع الأغلبية للتعامل مع هذه الجهات عبر أدوات تقليدية وتاريخية.

يحتاج العراق إلى تغييرٍ جوهريٍّ يواكب الواقع الذي نعيشه، سواء أقبلنا بذلك أم رفضنا؛ فنحن نواجه تحديات الانفتاح العالمي، ولا خيار أمامنا سوى التقدم أو الزوال. إن المطالبة بالاهتمام بالعلم والتعليم، وتكريس مبادئ النظام والعدالة الاجتماعية، تمثل الحد الأدنى لضمان العيش الكريم للمواطن ومستقبله. وما نكتبه حول هذه القضايا ليس إلا تذكيراً للمعنيين في الحكومة بضرورة تفعيل الأنظمة المعطلة؛ إذ يبدأ الدور الرقابي الفاعل ممن هم في مواقع المسؤولية والمحتكون بالمواطنين مباشرة، لنتمكن جميعاً من انتشال البلاد من ربقة التخلف. خلاف ذلك، يعد وضعنا في العراق شعارا لا فائدة منه، ومجرد نص بلا قيمة لها إذا لم يحرص كل مسؤول على تفعيل دوره وتحسين أدائه على أرض الواقع.

من خلال الشاشات والإنترنت وتوثيقات المصورين وهواتف المواطنين، نرى عالماً من حولنا يتقدم علمياً وفكرياً وثقافياً، وتواكب دوله الفكر العالمي المعاصر ببعديه الديني والعلماني نحو آفاق التقدم التكنولوجي. ولأن العراق جزء لا يتجزأ من هذا العالم، سواء أقبلنا ذلك أم رفضناه، فإنه لزاماً علينا اللحاق بالركب التكنولوجي الحديث لتحقيق تقدم ملموس، والقضاء في الوقت ذاته على مظاهر التخلف المشاع في البلاد.

إن ما يحتاجه الواقع العراقي موضوعياً اليوم، هو إزاحة من يعجزون عن إدارة مواقعهم؛ لكي نتحرر من أحابيل الوهم ودوائر الصمت، ولا نكتفي بدور المتفرج. فالمثقف لا يُقارن بالجاهل، ومع ذلك نرى السيادة للجهلاء، بينما يُهمّش النوابغ الذين لا يملكون سوى كفاف عيشهم. إن تسلّق الجهلاء أصحاب المال للمناصب العليا وتحكمهم بمن هم أرفع منهم قيمةً وفكراً، يؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن المراكز المتقدمة في العراق باتت حكراً على من يملكون المال لا من يملكون الكفاءة.

نحن بحاجة إلى طاقات شابة وواعية، يتسم أصحابها بروح وطنية مخلصة تجعل العراق أولويتها القصوى. طاقات مستقلة، متحررة من التبعية للخارج، ومن التعصب الحزبي أو الأفكار البالية، مما يدعونا لتبني أدوات معرفية حديثة تتجاوز أوهام السلطة والمادة. 

نقطة ضوء، تذكر دائماً: يصعب قول الحق إذا كنت مستفيداً من الباطل.

الوسوم: حيدر عاشور