خالد قنديل : اقتحامات الأقصى جزء من مشروع استعماري يستهدف محو الذاكرة الفلسطينية

سياسية 03 June 2026
قال الكاتب والمفكر الدكتور خالد قنديل عضو مجلس الشيوخ، إن ما يحدث اليوم في القدس وفي المسجد الأقصى المبارك على وجه الخصوص لا يمكن فهمه باعتباره واقعة أمنية معزولة أو احتكاكًا سياسيًا عابرًا، وإنما ينبغي أن يُقرأ داخل البنية العميقة للمشروع الصهيوني ذاته؛ ذلك المشروع الذي لا يتعامل مع الأرض باعتبارها وطنًا لشعب حي، ولا مع الإنسان باعتباره كائنًا له ذاكرة وكرامة وحقوق، بل يحول الأرض إلى مادة صماء قابلة للامتلاك، ويحول الإنسان الفلسطيني إلى فائض بشري ينبغي ضبطه أو طرده أو محوه رمزيًا.

وأضاف قنديل خلال تصريحات صحفية لعدد من وسائل الاعلام بينها وكالة نون أن الاقتحامات المتكررة للمسجد الأقصى ليست مجرد استفزاز ديني، رغم خطورتها البالغة من هذه الزاوية، بل هي جزء من عملية أوسع لإعادة صياغة المكان، وإفراغه من ذاكرته التاريخية والروحية، مضيفا: “فالاحتلال لا يكتفي بأن يسيطر على الحجر، بل يسعى إلى السيطرة على المعنى؛ لا يكتفي بأن يفرض حضوره العسكري، بل يريد أن يعيد ترتيب الرموز، وأن يحول المقدس إلى موضوع إداري يخضع لموازين القوة ولحسابات الدولة الاستيطانية”.

وتابع: “وهنا تتجلى طبيعة الصهيونية بوصفها نموذجًا استعماريًا، فهي لا تدخل في علاقة طبيعية مع أهل البلاد، بل تقوم على نفيهم. ولا تعترف بالتاريخ الحي المتراكم، بل تستبدله بأسطورة سياسية مسلحة، ومن ثم فإن المسجد الأقصى، والقدس، والضفة الغربية، ليست في نظر هذا المشروع أماكن مأهولة بالبشر والذاكرة والعبادة، بل فضاءات مطلوب إعادة هندستها حتى تنسجم مع خريطة القوة ومع المخيال الاستيطاني”.

وأوضح قنديل أن الاعتداء على المسجد الأقصى هو اعتداء على بنية المعنى في الأمة، كما هو اعتداء على القانون الدولي والشرعية التاريخية، متابعا: “وهو كذلك اختبار كاشف لما آل إليه ضمير العالم الحديث حين يتحدث طويلًا عن حقوق الإنسان، ثم يصمت حين يكون الإنسان فلسطينيًا؛ وحين يحتفي بالحرية، ثم يتردد في إدانة الاحتلال؛ وحين يرفع شعارات القانون، ثم يسمح للقوة العارية أن تكتب الوقائع على الأرض، ولا تنفصل هذه الاقتحامات عن الاعتقالات والمداهمات ومصادرة الأرض وتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية”.

وأكمل عضو مجلس الشيوخ: “فكلها حلقات في منظومة واحدة، غايتها تفكيك المجتمع الفلسطيني، ومحاصرة قدرته على الصمود، ودفعه إلى حالة من الإنهاك الدائم، بحيث تصبح الحياة اليومية نفسها معركة مفتوحة، معركة على البيت، وعلى الطريق، وعلى المسجد، وعلى الذاكرة، وعلى الحق في البقاء”.

وتابع: “إننا أمام مشروع لا يكتفي باحتلال الجغرافيا، بل يسعى إلى احتلال الزمن أيضًا؛ يريد أن يجعل الفلسطيني بلا ماضٍ معترف به، وبلا حاضر آمن، وبلا مستقبل سياسي. غير أن هذا المنطق، مهما بلغ من القسوة والتنظيم، يصطدم بحقيقة بسيطة وعميقة، أن الإنسان ليس مادة قابلة للمحو، وأن الذاكرة ليست ملفًا إداريًا يمكن إغلاقه، وأن المقدسات ليست فراغًا رمزيًا يمكن ملؤه بقرارات الاحتلال”.

ولفت إلى أن إدانة هذه الانتهاكات لا ينبغي أن تكون إدانة عاطفية عابرة، بل موقفًا أخلاقيًا وحضاريًا واضحًا ضد منطق الإحلال، وضد تحويل القوة إلى مصدر للحق، وضد اختزال القضية الفلسطينية في ترتيبات أمنية بينما جوهرها قضية شعب اقتُلع من أرضه، ويُراد له أن يقبل الاقتلاع باعتباره قدرًا سياسيًا نهائيًا، إن القدس ليست تفصيلًا في الصراع، بل هي مركزه الرمزي والأخلاقي.

وشدد على أن المسجد الأقصى ليس مجرد بناء أثري أو موقع ديني، بل هو شاهد على تاريخ أمة، وعلى حق لا يسقط بالتقادم، وعلى معنى يتجاوز حدود السياسة اليومية. ومن ثم فإن الدفاع عنه دفاع عن الإنسان في مواجهة التشييء، وعن الذاكرة في مواجهة المحو، وعن الحق في مواجهة القوة.

وأشار إلى أن الصمت الدولي أمام هذه الجرائم ليس حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في تثبيت الظلم، وإن الاكتفاء ببيانات القلق دون إجراءات حقيقية هو شكل من أشكال إدارة المأساة لا إنهائها، مضيفا: “المطلوب اليوم موقف عربي وإسلامي وإنساني يعيد تسمية الأشياء بأسمائها، الاحتلال احتلال، والاستيطان استعمار، واقتحام المقدسات عدوان، ومقاومة المحو حق أخلاقي وتاريخي”.

واختتم: “ولذلك فإننا نؤكد أن ما يجري في القدس والضفة الغربية ليس شأنًا فلسطينيًا محليًا، بل قضية تمس الضمير الإنساني كله، فحين تنتهك المقدسات، وتداس الكرامة، ويُحاصر شعب كامل باسم الأمن، فإن العالم لا يفقد فلسطين، بل يفقد جزءًا من إنسانيته ومعناه”.