يشاركان في الاربعينية منذ (20) عاما... زوجان مسنان من البصرة يتكئان على بعضهما ليصلا الى كربلاء
من المعقل
التقينا صاحب الشيبة الكريمة "عبد الرزاق جبار عبد الحسين" البالغ من العمر "72" عاما المتقاعد الذي كان موظفا في الشركة العامة للموانئ العراقية وقف لنا مبتسما ومرحبا رغم حرارة الاجواء في قضاء الجبايش بمحافظة "ذي قار" الذي يبعد (420) كيلومترا عن مدينة كربلاء المقدسة وقد وصل مع زوجته سيرا من منطقة "الابلة" في المعقل بالبصرة ويقول عن مسيرتهما لوكالة نون الخبرية انا" اسير في الزيارة الاربعينية من محافظة البصرة الى كربلاء المقدسة منذ العام (2006) ويبتسم وهو يقول وترافقني "القيادة" ويقصد بها "زوجته" ونتكأ على بعضها في المسير، وكان والدها يسير معنا في السنوات الماضية الا ان اصابته بمرض في القلب اعاقه عن المشاركة والسير، وكان يسير معنا ايضا مجموعة من اقاربنا الشباب لكني لا استطيع السير معهم لانهم يسيرون بخطوات سريعة ومنهم طوال القامة خطواتهم اسرع من خطواتنا ونحن في هذا العمر ولا نستطيع اللحاق بهم، وقد عرفت الامام الحسين (عليه السلام) منذ نعومة اظفاري حيث علمني جدي وابي من هو الحسين وما هو طريقه، ويصحبوني للمجالس الحسينية وانا طفل صغير في منتصف العقد الستيني من القرن الماضي، وكانوا يربوننا اخلاقيا ودينيا حتى ان جدي كان يعلمني ان احترم الكبير واوقره وان ارد السلام على من يسلم على جدي ولم يسمعه لاني سأحصل على الاجر والثواب".
رؤيا بالحسين
ويروي حادثة حصلت له في طريق السير الى كربلاء المقدسة في احدى السنين حيث استقر به المطاف في بيت احد "المعازيب" الذين يذهب اليهم كل عام ويقول ان" مبيتنا كان في بيت "معزب" اعرفه، وبعد مدة دخل مجموعة من المشاية الشباب وكانوا في مقتبل العمر، وانتبهت انهم يضحكون علي ويسخرون مني كوني كبير العمر وشعر رأسي ولحيتي ابيض، فلم ابالي بهم، وقمت للصلاة ودخل بعدها زائر مشاي وتعرف عليهم وكان محور حديثهم اطلاق النكات ومنها البذيئة وهم يضحكون ويتصرفون بشكل لا يمت الى المناسبة الحزينة (وهي الاربعينية وعودة زينب والسبايا الى كربلاء والرؤوس المقطوعة)، الى مطلق النكات بحدة وغضب، فحاول ان يفتح معي حديث عبر قوله لي (مساك الله بالخير) ولم ارد عليه، وعادها اكثر من مرة فأهملته ونظرت اليه بنظرة غضب، فشعر "المعزب" بما حصل وسألني عن سبب غضبي، وهنا تكلمت معهم وقلت لهم "لو ان ابوكم توفى هل تضحكون مثلما انتم الآن لا تفعلون الا الضحك"، وامتنعت عن تناول العشاء ونمت ليلتها مكسور الخاطر وحزين وضاق صدري، وشاهدت في الرؤيا اني امشي في الاربعينية وهم يسيرون خلفي ويضحكون علي بنفس ضحكاتهم، فظهر الامام الحسين (عليه السلام)، وهو على فرس ووقف امامي وقال لمطلق النكات "من انت حتى تستهزأ بزواري انا بريء منك"، وسحب سيفه ففروا الى مغارة ولحقهم ثم عاد وربت على كتفي وقال لي "امشي بطريقك ولا تلتف لهؤلاء".
ابناء ودعاء
يستذكر "الشايب" كيف كان اهله يقيمون العزاء ويطبخون الطعام عند حلول شهري محرم وصفر رغم التضييق الامني ومنع الشعائر، وهي دروس علمتنا التحدي والاصرار على تحقيق الهدف، ويضيف قائلا انه" تزوج ولم يرزق بالذرية لمدة خمس سنوات، وكانت عائلة زوجته تطبخ في ليلة العاشر من المحرم وشاركهم بشراء مواد الطبخ وساهم في اعداده ودعا الله بشفاعة الامام الحسين (عليه السلام) ان يرزقه الذرية وقد رزقه الله ولدان وبنت خلال ثلاث سنوات، باستمراره على الدعاء، وعندما كبروا وهو وزوجته اصبحوا يطبخون الطعام وطلب منهم المشاركة والدعاء، وصار بيتنا معروفا باستجابة الدعاء في ليلة العاشر من محرم عند المشاركة باعداد الطعام والدعاء، وبعد زوال النظام المباد نقيم العزاء والمحاضرات الدينية والشعائر الحسينية في جامع المنطقة في شهر رمضان الكريم ومحرم وصفر، وتقوم زوجتي بشراء وخياطة الملابس السوداء لاطفالنا ويرتدونها في محرم وصفر، مثلما كانت امي قد نذرت في ساعة ولادتي ان ارتدي الملابس السوداء شهري محرم وصفر كل عام، واستمرت على هذا المنوال لحين وفاتها، ومنذ عشرون عاما نسير انا وزوجتي وقد تأثر بنا الكثير من الاهل والمعارف والجيران، وعلمتهم ان السير الى كربلاء المقدسة ليس بالقدمين بل بالعقل وعين البصيرة اذا توفرت الارادة، فرغم اصابتي بـ"سوفان" في الركبة، و"هشاشة في العظام" وكذلك زوجتي مريضة، ولكن بمجرد ان ندعو ابي عبد الله الحسين (عليه السلام) ونعقد النية نشعر بعافية وقوة يرزقنا الله بها فننطلق بالمسير، ونزلت دموعه وهو يقول "ينتابني الحزن عند انتهاء موسم الحزن الحسيني"، لافتا الى اننا" على ما نسمع من روايات مسندة عن واقعة الطف تتفطر قلوبنا ونحزن ونبكي بحرقة، فكيف بمن عاشها".