فاتـــورة «التعليــم المجانــي» تثقل ميزانيـة العراقيـين..موسم دراسي على وقع الغلاء وتأخر الرواتب
وتزداد الضغوط عندما تجتمع هذه النفقات في فترة زمنية واحدة، خصوصاً لدى الأسر التي تضم أكثر من طالب وفي مراحل تعليمية مختلفة، إذ تتضاعف الفاتورة فيما لا يرتفع دخل الأسرة بالوتيرة نفسها. ومع ارتفاع أسعار السلع وتأخر صرف الرواتب، تتحول العودة إلى المدارس والجامعات إلى اختبار لقدرة العائلة على توزيع دخلها المحدود بين التعليم والغذاء والسكن والنقل وبقية الاحتياجات الأساسية.
ولا تقف تداعيات هذه الضغوط عند حدود الأسرة. فالتجار يدخلون موسماً كانوا يعولون عليه لتنشيط حركة الأسواق وزيادة المبيعات، لكن ضعف القدرة الشرائية يدفع بعض المستهلكين إلى تقليص مشترياتهم أو تأجيلها أو البحث عن بدائل أقل سعراً، لتصطدم الحاجة الفعلية إلى المستلزمات الدراسية بقدرة محدودة على الإنفاق. وبذلك، يكشف موسم الدراسة جانباً أوسع من الضغوط التي يواجهها الاقتصاد العراقي: أسر تحتاج إلى الإنفاق ولا تملك هامشاً واسعاً لذلك، وتجار ينتظرون موسماً تجارياً نشطاً أمام مستهلك شديد الحساسية للأسعار، فيما تواجه الدولة تحديات في تأمين الرواتب في ظل ارتباط جزء كبير من إيراداتها بالنفط وتطورات أسواق الطاقة والتجارة الإقليمية.
راتب واحد أمام احتياجات خمس بنات
في بغداد، تختصر تجربة أم رند، الموظفة في القطاع الصحي والأم لخمس بنات، جانباً من الضغوط التي تواجهها الأسر مع اقتراب العام الدراسي، إذ تحاول الموازنة بين الاحتياجات الأساسية للعائلة وكلفة الدراسة المتزايدة، فيما أصبح موعد وصول الراتب عاملاً حاسماً في قدرتها على تأمين متطلبات بناتها.
وتقول أم رند لـ«المدى» إن أكثر ما يشغلها خلال هذه الفترة هو توفير المستلزمات الدراسية، من ملابس وقرطاسية وحقائب وأجور نقل وغيرها، خصوصاً أن اثنتين من بناتها تدرسان في الجامعة، ما يعني نفقات إضافية تتجاوز المستلزمات المدرسية المعتادة.
وتوضح أن الراتب الشهري أصبح موزعاً بين الاحتياجات الأساسية للأسرة ومصاريف الدراسة، فيما جعل ارتفاع الأسعار شراء المستلزمات أكثر صعوبة مقارنة بالسنوات السابقة. وبالنسبة إلى عائلة تضم خمس بنات في مراحل تعليمية مختلفة، فإن كل زيادة في أسعار الملابس أو القرطاسية أو النقل تتحول إلى عبء مضاعف على ميزانية تعتمد أساساً على دخل شهري محدود.
ولا يتوقف قلق أم رند عند الأسعار، إذ يمثل انتظام صرف الراتب جزءاً أساسياً من قدرتها على إدارة هذه النفقات. وتقول إن أي تأخير في وصوله يعني تراكم الالتزامات واضطرارها إلى تأجيل شراء بعض احتياجات بناتها، في وقت يجد فيه الموظف الذي يعتمد على راتبه الشهري نفسه أمام خيارات محدودة عندما ترتفع الأسعار ويبقى دخله على حاله.
وتزداد الضغوط مع اختلاف المراحل التعليمية لبناتها؛ فبين متطلبات الجامعة واحتياجات المدرسة، تحاول أم رند توفير ما يحتجنه من دون إشعارهن بحجم الضغوط المالية التي تواجهها الأسرة، ومن دون أن تضطر إلى اقتطاع جزء أكبر من الأموال المخصصة للغذاء وبقية الاحتياجات الأساسية.
وبالنسبة إليها، لا تمثل أسعار المستلزمات الدراسية أرقاماً معروضة في الأسواق فقط، إذ تنعكس كل زيادة مباشرة على طريقة توزيع راتب الأسرة وما يمكن شراؤه وما ينبغي تأجيله. وتختصر أم رند مخاوفها بأمنيتين: أن تبقى الأسعار في متناول الأسر، وأن تصل الرواتب في مواعيدها، حتى تتمكن من تأمين احتياجات بناتها الخمس من دون التضحية باحتياجات أساسية أخرى.
«كلشي غالي».. حساب لكل ألف دينار
ولا تختلف الضغوط كثيراً لدى أبو محمد، البالغ من العمر 55 عاماً، الذي يقول لـ«المدى» إن تأمين احتياجات أسرته أصبح أكثر صعوبة مع ارتفاع أسعار المواد الأساسية ومستلزمات المدارس والجامعات.
ويشير إلى أن المصاريف تتزايد مع اقتراب بدء الدوام، بين شراء الملابس والحقائب والقرطاسية، إلى جانب تكاليف النقل والمستلزمات الجامعية، ما يجعل الراتب ينفد سريعاً قبل نهاية الشهر.
ويقول أبو محمد إن أكثر ما يشغله هذه الأيام هو تدبير المصاريف اليومية، خصوصاً أن تأخر الراتب، حتى لفترة قصيرة، يضع الأسرة أمام ضغوط إضافية، ويجبره أحياناً على تأجيل بعض الاحتياجات أو البحث عن حلول أخرى.
ويختصر حجم الضغط الذي تواجهه أسرته بقوله: «هاي الأيام كلشي غالي، والراتب مهما حاولنا نوزعه ما يكفي كل الاحتياجات. الواحد صار يحسب حساب كل ألف دينار».
وتكشف عبارته أثر تراكم الزيادات على ميزانية الأسرة؛ فالمشكلة لا ترتبط بارتفاع سعر سلعة واحدة، إذ تتجمع زيادات متعددة في النقل والملابس والقرطاسية والغذاء لتتحول في نهاية الشهر إلى عبء كبير على الدخل، وتدفع العائلة إلى إعادة ترتيب أولوياتها وحساب كل نفقة قبل الإقدام عليها.
موسم دراسي يصطدم بضعف القدرة الشرائية
وعادة ما يمثل موسم العودة إلى المدارس والجامعات فرصة مهمة لتنشيط حركة البيع والشراء، مع ارتفاع الطلب على الملابس والحقائب والقرطاسية والأحذية والأجهزة والمستلزمات الجامعية. لكن ارتفاع الأسعار وضع هذا الموسم أمام معادلة مختلفة، إذ تحتاج الأسر إلى شراء مستلزمات لا يمكن الاستغناء عن معظمها، فيما تضيق قدرتها على الإنفاق.
وتظهر هنا إحدى مفارقات السوق في الموسم الدراسي: التاجر ينتظر زيادة المبيعات، والأسرة تدخل السوق مدفوعة بحاجتها إلى تجهيز أبنائها، لكن السعر يحدد في النهاية حجم ما تستطيع شراءه. ومع محدودية الدخل وتعدد الالتزامات، تلجأ بعض العائلات إلى تقليل مشترياتها أو توزيعها على مراحل، ما ينعكس على النشاط التجاري الذي يعول على هذا الموسم.
ومن هذه الزاوية، لا تعني حالة الركود التي تشكو منها بعض الأسواق غياب الحاجة إلى السلع. فالطالب ما زال بحاجة إلى الحقيبة والدفاتر والملابس، وطلبة الجامعات أمام نفقات إضافية تتعلق بالنقل والمستلزمات الجامعية، لكن ضعف القدرة الشرائية يوسع الفجوة بين ما تحتاج إليه الأسرة وما تستطيع دفع ثمنه فعلياً.
وتملك العائلات هامشاً محدوداً للتكيف مع هذه الضغوط؛ إذ يمكنها تأجيل شراء بعض المستلزمات، أو اختيار الأنواع الأقل سعراً، أو إعادة استخدام ما لديها من العام السابق، أو تقسيم المشتريات على دفعات. وتساعد هذه الخيارات الأسرة على ضبط ميزانيتها، لكنها في المقابل تخفض حجم الإنفاق داخل الأسواق في موسم يفترض أن يشهد زيادة في الطلب.
ويكون الضغط أكبر على أصحاب الدخول المحدودة، لأن جزءاً كبيراً من دخلهم يذهب أساساً إلى الغذاء والسكن والنقل والاحتياجات اليومية، فيما لا يتبقى سوى هامش ضيق لتغطية النفقات الموسمية. ومع اجتماع مستلزمات الدراسة في توقيت واحد، تضطر الأسرة إلى ترتيب أولوياتها وفق الضرورة والاستغناء عن بعض المشتريات أو تأجيلها.
اضطرابات المنطقة ترفع كلفة التجارة
ويربط رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة، صبيح الهاشمي، جانباً من ارتفاع الأسعار بالمتغيرات الإقليمية وانعكاساتها على حركة التجارة العراقية، محذراً من أن الاضطرابات الأمنية وتباطؤ حركة الاستيراد، إلى جانب ارتفاع الضرائب والجمارك، أسهمت في زيادة أسعار السلع والمستلزمات التي يحتاج إليها المواطن. ويقول الهاشمي لـ«المدى» إن الأوضاع الأمنية غير المستقرة على المستوى الإقليمي انعكست سلباً على الحركة التجارية، ولا سيما عمليات استيراد البضائع والمواد الاستهلاكية اليومية، موضحاً أن القيود على حركة التجارة وارتفاع الأسعار عالمياً والضرائب المرتفعة تؤدي في النهاية إلى زيادة قيمة السلع التي يتحمل المواطن كلفتها.
وتزداد حساسية هذه الكلف مع اقتراب العام الدراسي، بحسب الهاشمي، لأن العائلات تكون مضطرة إلى شراء مجموعة كبيرة من السلع خلال فترة زمنية محدودة، من الملابس والقرطاسية والحقائب إلى بقية الاحتياجات المرتبطة بالمدارس والجامعات.
ويشير إلى أن استمرار الأزمات الإقليمية، ومنها أزمة مضيق هرمز والحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، قد ينعكس على حركة الاستيراد والأسعار في السوق المحلية، بما يضيف ضغوطاً جديدة على الأسر في توقيت ترتفع فيه حاجتها إلى الإنفاق.
الضرائب والجمارك.. الكلفة تصل إلى المستهلك
ولا يحصر رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة، صبيح الهاشمي، أسباب ارتفاع الأسعار في الاضطرابات الإقليمية، إذ يشير إلى عوامل داخلية ترتبط بكلفة دخول السلع إلى السوق العراقية، وفي مقدمتها الضرائب والجمارك والإجراءات المفروضة على حركة الاستيراد.
ويقول الهاشمي لـ«المدى» إن الضرائب والجمارك وضعت عليها ضوابط وإجراءات وصفها بأنها قد تكون «خارج المألوف»، مؤكداً أن زيادة هذه التكاليف تنعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع التي تصل إلى المستهلك.
وتنتقل هذه الكلفة عبر سلسلة تبدأ من المستورد وتمر بالتاجر قبل أن تظهر في سعر البيع النهائي؛ فعندما ترتفع تكاليف الاستيراد والنقل والرسوم والضرائب، تنتقل نسبة من الزيادة إلى المستهلك، وهو ما يصبح أكثر وضوحاً خلال الموسم الدراسي مع ارتفاع الطلب على مجموعة واسعة من السلع.
وتزداد أهمية هذه الكلف في سوق تعتمد بدرجة كبيرة على السلع المستوردة أو المواد الأولية المستوردة، إذ تظهر آثارها في أسعار القرطاسية والحقائب والملابس والأجهزة وغيرها من الاحتياجات التي تضطر الأسر إلى شرائها مع بدء المدارس والجامعات.
ويدعو الهاشمي إلى إعادة النظر في السياسات المتعلقة بالضرائب والجمارك والاستيراد والتصدير، خصوصاً تلك المرتبطة بالمواد والاحتياجات اليومية للمواطن، معتبراً أن تخفيف هذه الأعباء يمكن أن يسهم في دعم الاقتصاد العراقي والحد من ارتفاع الأسعار.
ويشير إلى أن إعادة النظر في الضرائب والجمارك تعتمد على السياسة الحكومية وتوجهاتها في دعم الاقتصاد، لافتاً إلى أن مطالب تقليل الضرائب وعدم زيادة الرسوم الجمركية طرحت في مناسبات سابقة، إلا أن الظروف الاقتصادية والأزمات الإقليمية والدولية حالت، بحسب قوله، دون تحقيقها بالشكل المطلوب.
تأخر الرواتب يضيف ضغطاً إلى فاتورة الدراسة
وإذا كان ارتفاع الأسعار يقلص ما تستطيع الأسرة شراءه بدخلها الشهري، فإن تأخر صرف الراتب يضعها أمام مشكلة إضافية تتعلق بتوقيت توفر هذا الدخل، خصوصاً أن الاستعداد للعام الدراسي يتزامن مع التزامات شهرية ثابتة تشمل الغذاء والسكن والطاقة والنقل.
ويشرح الخبير الاقتصادي مصطفى فرج لـ«المدى» أن تأخر صرف رواتب الموظفين في العراق يرتبط بعدة عوامل، أبرزها نقص السيولة والإجراءات الفنية والمسائل القانونية، في ظل الأزمة الاقتصادية التي يمر بها العراق نتيجة اضطرابات حركة تصدير النفط عبر مضيق هرمز.
ويوضح فرج أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة كبيرة على الإيرادات النفطية، وأن تراجع الصادرات النفطية انعكس مباشرة على الوضع المالي للدولة وقدرتها على توفير السيولة في مواعيد صرف الرواتب.
ويضيف أن الحكومة العراقية تواصل تأمين الرواتب، لكنها تواجه بعض التأخير بسبب نقص السيولة، إلى جانب إجراءات فنية وقانونية، مشيراً إلى أنها تلجأ في الوقت الحالي إلى الاقتراض الداخلي والخارجي، فضلاً عن الاستفادة من الاحتياطي لدى البنك المركزي لتغطية الاحتياجات المالية.
وتظهر آثار هذه المشكلة بصورة أكثر مباشرة مع اقتراب العام الدراسي؛ فالعائلة التي تنتظر راتبها لا تواجه فقط ارتفاع أسعار المستلزمات، وإنما تضطر أيضاً إلى تأجيل مشترياتها أو إعادة توزيع التزاماتها عندما لا يتوفر الدخل في الموعد الذي تحتاج فيه إلى تجهيز أبنائها.
اقتصاد يعتمد على النفط.. والرواتب تحت ضغط التصدير
تسلط تصريحات الخبير الاقتصادي مصطفى فرج الضوء على مشكلة تتجاوز ضغوط موسم دراسي واحد، وتتمثل في حساسية الاقتصاد العراقي تجاه حركة تصدير النفط، إذ يمكن أن تنتقل الاضطرابات التي تصيب المورد الرئيس للإيرادات من قطاع الطاقة إلى المالية العامة والسيولة، وصولاً إلى رواتب الموظفين وإنفاق الأسر وحركة الأسواق.
ويرجح فرج قدرة الحكومة على تأمين رواتب الموظفين حتى نهاية العام الحالي، لكنه يشير إلى أن وضع الأشهر اللاحقة سيبقى مرتبطاً بتطورات أزمة مضيق هرمز وقدرة العراق على استعادة مستويات تصدير النفط المعتادة.
ويقول إن الاقتصاد العراقي يتأثر بصورة واضحة بالدورة النفطية، إذ تنتعش الحركة الاقتصادية مع بداية الشهر ثم تتراجع في نهايته، نتيجة اعتماد الاقتصاد على مورد النفط بصورة أساسية.
وتظهر انعكاسات هذه الدورة في الأسواق؛ فمع صرف الرواتب يرتفع الإنفاق الاستهلاكي، ثم يتراجع تدريجياً مع استنزاف دخول الأسر. وفي موسم دراسي يفرض على العائلات نفقات إضافية خلال فترة قصيرة، يصبح توقيت صرف الراتب وقوته الشرائية عاملين حاسمين في تحديد حجم ما تستطيع الأسرة شراءه، وينعكس ذلك بدوره على نشاط الأسواق.
مضيق هرمز يضغط على الإيرادات
ويرى فرج أن عودة العمل بصورة طبيعية عبر مضيق هرمز يمكن أن تسهم في احتواء الأزمة الاقتصادية خلال فترة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أشهر، في حال استئناف صادرات النفط بالمستويات السابقة.
وتكشف الأزمة، وفق طرحه، حجم تأثر الإيرادات النفطية باضطراب منافذ التصدير، فيما يطرح البحث عن مسارات بديلة بوصفه أحد الخيارات لتخفيف أثر الصدمات الخارجية على المالية العامة.
وفي هذا السياق، يدعو فرج إلى تقليل النفقات الحكومية غير الضرورية، مشيراً إلى إمكانية بحث مقترحات تتعلق بخفض رواتب الدرجات الخاصة والرئاسات الثلاث بنسبة 50%، بهدف المساهمة في تغطية جزء من العجز المالي.
كما يشير إلى توجه العراق للبحث عن مسارات بديلة لتصدير النفط، من بينها خط جيهان التركي، الذي يمكن أن تصل طاقته، بحسب تقديراته، إلى نحو 750 ألف برميل وصولاً إلى مليون برميل يومياً، فضلاً عن مسارات أخرى بينها ممر بانياس والنقل عبر الصهاريج.
ويؤكد فرج أن تنويع منافذ تصدير النفط يمكن أن يعزز الإيرادات العامة ويوفر دعماً إضافياً للخزينة، بما يساعد الحكومة على مواجهة نقص السيولة وتأمين رواتب الموظفين خلال الفترة المقبلة.
ويضيف أن انفراج أزمة مضيق هرمز والتوصل إلى تفاهمات بين الولايات المتحدة وإيران من شأنهما تخفيف الضغوط الاقتصادية على العراق، نظراً لارتباط جزء كبير من صادراته النفطية بحركة الملاحة عبر المضيق.
من اضطراب النفط إلى ميزانية الأسرة
وتظهر هنا الصلة بين أزمة تبدو بعيدة عن موسم المدارس وبين ما تدفعه الأسرة عند تجهيز أبنائها. فانتظام دخل الموظف يرتبط بقدرة الدولة على توفير السيولة، فيما ترتبط هذه القدرة، وفق فرج، بحجم الإيرادات النفطية واستمرار حركة التصدير.
وفي الوقت نفسه، تتأثر أسعار المستلزمات المستوردة بكلف النقل والتجارة والضرائب والجمارك والاضطرابات الإقليمية. وهكذا تصل الضغوط من أكثر من اتجاه إلى الأسرة: ارتفاع في كلفة السلع من جهة، وقلق بشأن انتظام الدخل من جهة أخرى.
وبذلك يصبح سعر الحقيبة أو الدفتر أو الزي المدرسي الحلقة الأخيرة في سلسلة اقتصادية أطول، تبدأ من حركة النفط والتجارة وتنتهي عند المبلغ الذي تستطيع الأسرة اقتطاعه من راتبها لتجهيز أبنائها للعام الدراسي.
التعليم بين الحق والقدرة على تحمّل الكلفة
مع أن التعليم يمثل أولوية لدى الأسر العراقية، فإن ارتفاع كلفه غير المباشرة يفرض تحدياً متزايداً، خصوصاً على العائلات التي تضم أكثر من طالب. فالنفقات لا تتوقف عند المستلزمات الدراسية، وتمتد إلى النقل والملابس والقرطاسية والأجهزة الإلكترونية، وفي حالة طلبة الجامعات قد تشمل السكن والطباعة والمراجع والمواصلات اليومية. وهنا يعود السؤال الذي يطرحه التحقيق: هل بقي التعليم مجانياً إذا كانت الأسرة تتحمل معظم كلفه غير المباشرة؟
الإجابة، وفق ما تكشفه تجارب الأسر الواردة في التحقيق، ترتبط بحجم ما يتعين على العائلة إنفاقه حتى يتمكن الطالب من الوصول إلى الصف أو الجامعة والاستمرار في الدراسة. فغياب الرسوم الدراسية المباشرة لا يلغي قائمة النفقات التي تتحملها الأسرة طوال العام.
وتكشف تجربتا أم رند وأبو محمد وجهين للمشكلة نفسها؛ فالأولى تحاول تأمين احتياجات خمس بنات، بين المدرسة والجامعة، من راتب يتوزع أصلاً على متطلبات الأسرة، فيما يختصر أبو محمد ضيق الهامش المتاح للإنفاق بقوله إنه أصبح «يحسب حساب كل ألف دينار».
وتزداد الضغوط على أصحاب الدخول المحدودة، إذ تستهلك نفقات الغذاء والسكن والنقل جزءاً كبيراً من دخولهم، ليبقى هامش أضيق أمام المصاريف الموسمية. ومع ارتفاع الأسعار، تبدأ الأسرة بترتيب احتياجاتها وفق الضرورة، فتختار المستلزمات الأرخص أو تؤجل بعضها أو تعيد استخدام ما لديها من العام السابق.
حلول تمتد من السوق إلى الرواتب
وتظهر آراء رئيس اتحاد رجال الأعمال في البصرة صبيح الهاشمي والخبير الاقتصادي مصطفى فرج تعدد العوامل التي تقف خلف الضغوط التي تواجه الأسر والأسواق. فالهاشمي يركز على كلف الاستيراد والضرائب والجمارك واضطرابات التجارة، فيما يربط فرج أزمة السيولة وتأخر الرواتب بالإيرادات النفطية واضطرابات التصدير.
ومن بين المسارات المطروحة في التحقيق مراجعة الرسوم والضرائب المفروضة على السلع الأساسية والمستلزمات الدراسية، وتسهيل إجراءات استيراد السلع الضرورية والحد من تضخم كلفتها عبر حلقات متعددة، إلى جانب تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع الاستغلال والمبالغة في الأسعار خلال مواسم ارتفاع الطلب.
وتشمل المقترحات كذلك دعم المنتج المحلي للمستلزمات المدرسية والجامعية وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إلى جانب ضمان انتظام صرف رواتب الموظفين، خصوصاً خلال المواسم التي ترتفع فيها نفقات الأسر.
وعلى مستوى المالية العامة، تطرح الآراء الواردة في التحقيق تنويع مصادر الإيرادات وتقليل الاعتماد على النفط، وتنويع منافذ تصديره لتقليل أثر الأزمات الإقليمية، فضلاً عن تقليل الإنفاق الحكومي غير الضروري وتوجيه الموارد نحو القطاعات التي تمس حياة المواطنين مباشرة.
وتتقاطع هذه المقترحات عند معالجة سلسلة الكلف التي تنتهي عند المستهلك، بدءاً من الاستيراد والرسوم وحركة التجارة، مروراً بالسيولة وانتظام الدخل، وصولاً إلى قدرة الأسرة على شراء احتياجات أبنائها.
موسم الدراسة يكشف فاتورة أوسع
بين رفوف المحال الممتلئة بالحقائب والدفاتر والملابس، وبين أسر تقارن الأسعار بما تستطيع اقتطاعه من رواتبها، يكشف موسم العودة إلى المدارس والجامعات حجم الضغوط التي تواجه دخل العائلة وحركة السوق في آن واحد.
أم رند تريد تأمين احتياجات بناتها الخمس من دون المساس بالمتطلبات الأساسية للأسرة، فيما يقول أبو محمد إنه أصبح «يحسب حساب كل ألف دينار». وبين التجربتين تتكرر معاناة أسر تضطر إلى إعادة ترتيب أولوياتها كلما ارتفعت الأسعار أو تأخر الراتب.
وفي المقابل، يضع صبيح الهاشمي كلف التجارة والضرائب والجمارك والاضطرابات الإقليمية ضمن أسباب ارتفاع الأسعار، فيما يربط مصطفى فرج أزمة السيولة والرواتب بحساسية الاقتصاد المعتمد على النفط تجاه اضطراب حركة التصدير.
وهكذا يصبح سعر الحقيبة والدفتر والزي المدرسي وجهاً ظاهراً لسلسلة أوسع من الضغوط تمتد من قوة دخل الأسرة وانتظام الرواتب إلى كلفة الاستيراد والسياسة الجمركية والإيرادات النفطية.
ومع بدء كل عام دراسي، تواصل الأسر شراء ما يحتاج إليه أبناؤها، حتى عندما تضطر إلى التقشف أو التأجيل أو اختيار البدائل الأرخص. ومع استمرار ارتفاع الكلف غير المباشرة، يتحول السؤال عن مجانية التعليم من غياب الرسوم الدراسية إلى قدرة الأسرة على تحمل نفقات وصول أبنائها إلى المدرسة والجامعة واستمرارهم فيهما.
وبالنسبة إلى أم رند، تختصر المسألة في أمنية واضحة: أن تصل الرواتب في موعدها وأن تكون الأسعار في متناول الأسرة. أما أبو محمد، فيلخص ضيق القدرة الشرائية بعبارته: «الواحد صار يحسب حساب كل ألف دينار».
"صحيفة المدى"