بغداد تلاحق أموالها في الخارج ولبنان المحطة الأبرز
وكان الرئيس العراقي السابق برهم صالح قد قدر في عام 2021 حجم الأموال المهربة إلى الخارج منذ عام 2003 بنحو 150 مليار دولار، إلا أن تحديد مواقع هذه الأموال والتمييز بين الأموال العامة المنهوبة ورؤوس الأموال الخاصة يبقى من أبرز التحديات أمام عملية الاسترداد.
ويقول عضو اللجنة المالية النيابية جمال كوجر، في حديث صحفي، إن السلطات تتعامل هذه المرة بجدية مع ملف الأموال المهربة، مشيراً إلى تشكيل لجنة في مجلس الوزراء للتواصل مع الدول التي يعتقد بوجود أموال عراقية مهربة إليها أو شهدت عمليات غسل أموال.
ويرجح كوجر أن يكون لبنان ضمن وجهات التحركات القضائية المقبلة، على غرار الزيارات التي أجراها رئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان إلى تركيا وسوريا والسعودية.
ولا يعود ارتباط الأموال العراقية بلبنان إلى مرحلة ما بعد 2003 فقط، إذ تشير تحقيقات لوزارة الخزانة الأميركية إلى انتقال جزء من عائدات مرتبطة باتفاقات التجارة النفطية خلال حقبة العقوبات الدولية على العراق إلى حسابات مصرفية في لبنان، بعضها ارتبط بشركات واجهة أو أفراد.
وبعد سقوط النظام السابق، بدأت تحركات دولية لتعقب أصوله الخارجية، فيما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عام 2005 وجود «مبالغ كبيرة» من الأصول العراقية المجمدة في لبنان وسويسرا والعمل مع البلدين لتحديدها وإعادتها إلى العراق.
لكن الملف أخذ أبعاداً أخرى بعد عام 2003 مع ظهور قضايا فساد مرتبطة بعقود وعمولات وغسل أموال، بالتزامن مع توسع حركة الأموال العراقية خارج البلاد.
ولا توجد، حتى الآن، أرقام رسمية تحسم حجم الأموال العراقية الموجودة في لبنان. وبينما تتداول تقديرات تتحدث عن نحو 18 مليار دولار، يحذر كوجر من اعتماد هذا الرقم باعتباره حقيقة ثابتة بسبب تعقيد حركة الأموال والقنوات التي مرت عبرها.
وفي حديث تابعته (المدى)، يرى الباحث الاقتصادي جاسم عجاقة أن الحديث عن مبالغ أكبر قد يكون ممكناً إذا كان المقصود إجمالي الأموال العراقية التي مرت عبر القطاع المصرفي اللبناني، وليس الأموال التي بقيت مودعة فيه.
ويشير عجاقة إلى أن البحث لا ينبغي أن يقتصر على الودائع، إذ تشمل الأموال العراقية في لبنان عقارات واستثمارات ومصانع وفنادق ونشاطات تجارية، مؤكداً في الوقت نفسه أن وجود أموال عراقية هناك لا يعني بالضرورة أنها أموال عامة أو متحصلة من الفساد.
وتشير بيانات أخرى إلى وجود أموال عراقية معلومة المصدر في المصارف اللبنانية، إذ أظهر تقرير أعدته شركة «ديلويت» لحكومة إقليم كردستان بقاء نحو 294 مليون دولار و310 ملايين يورو من إيرادات نفط الإقليم في حسابات مصرفية بلبنان بنهاية الربع الأول من عام 2023، نتيجة القيود على تحويل العملات الأجنبية إلى الخارج.
ويمتلك العراق ولبنان منذ شباط 2024 إطاراً للتعاون في هذا الملف، بعد توقيع هيئة النزاهة الاتحادية والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في لبنان مذكرة تفاهم تتضمن تعزيز التعاون في استرداد الأموال الناتجة عن الفساد.
ويقول أستاذ القانون والسياسات الخارجية محي الدين الشحيمي، في حديث تابعته (المدى)، إن استعادة الأموال تمر أولاً بتحديد الأصول والحسابات والواجهات المستخدمة، ثم تقديم طلبات الإنابة القضائية، وصولاً إلى القضاء اللبناني لطلب تجميد الحسابات والأصول وحجزها احترازياً.
وبعد إثبات مصدر الأموال وصدور الأحكام النهائية، يمكن الانتقال إلى المصادرة والتنسيق لإعادتها، وهي آلية سبق أن حققت نتائج في قضية أمانة بغداد.
وكانت هيئة النزاهة قد أعلنت في كانون الثاني الماضي استرداد أكثر من 3 ملايين دولار من لبنان ضمن قضية اختلاس نحو 17 مليار دينار من أمانة بغداد، بعد استرداد نحو 9.4 مليون دولار سابقاً من القضية ذاتها، إثر تعقب أموال موزعة على خمسة مصارف لبنانية بأسماء مستعارة.
غير أن إثبات ملكية العراق للأموال لا ينهي المشكلة، إذ تواجه عملية الاسترداد عقبة مرتبطة بالأزمة المالية التي يعيشها لبنان منذ عام 2019 والقيود المفروضة على السحب والتحويل.
ويلخص عجاقة هذه المعضلة بالإشارة إلى أن المصارف اللبنانية تعاني أصلاً نقصاً في السيولة، ما يطرح سؤالاً إضافياً بشأن قدرتها على إعادة الأموال حتى في حال نجاح العراق قانونياً في إثبات حقه بها.
المصدر: وكالات