لم يعد التحول الرقمي مسارًا تقنيًا فحسب، بل أصبح مشروعًا وطنيًا متكاملًا تتقاطع فيه الإدارة، والخدمة العامة، وحقوق المستخدم، ومعايير الجودة. ومع تسارع إطلاق التطبيقات الحكومية في العراق، تبرز الحاجة إلى مقاربة مختلفة، أكثر هدوءًا واحترافية، تُغادر منطق اللوم وتؤسس لمنهج التعاون البنّاء.
إن ما ظهر مؤخرًا من ملاحظات على أحد التطبيقات التقاعدية -من أخطاء وظيفية وتجريبية- لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه إخفاقًا مؤسسيًا أو تقصيرًا من فرق البرمجة، بل باعتباره فرصة تطوير طبيعية في أي مسار رقمي ناشئ.
فجميع الدول التي سبقتنا في الرقمنة مرّت بمراحل مشابهة، وتجاوزتها عبر فتح قنوات مراجعة مهنية، وتكامل الخبرات، وتراكم التحسينات.
من هنا، تأتي هذه الدعوة الصادقة إلى تعاون مؤسسي منظّم بين الجهات الحكومية المعنية والتحالف الطبيعي لأهل الاختصاص، وفي مقدمتهم نقابة المبرمجين العراقيين، بوصفها مظلة مهنية قادرة على جمع الخبرات، وتنظيم الجهود، وتحويل النقد التقني إلى حلول عملية قابلة للتنفيذ.
لسنا أمام دعوة للمحاسبة، ولا لتقويم علني يسيء إلى سمعة المؤسسات أو يقلل من شأن المبرمجين العاملين فيها. على العكس تمامًا، نحن أمام تنازل مهني إيجابي من أهل الاختصاص، عنوانه:
نراجع معًا، ونُحسّن معًا، وننجح معًا.
هذا التعاون يمكن أن يتجسد عبر:
1.لجان مراجعة تقنية مشتركة تُعنى بتجربة المستخدم، ومنطق التدفق، وأمن البيانات.
2.جلسات مقارنة معيارية مع تطبيقات حكومية مماثلة في الدول المتقدمة رقميًا، لا بهدف التقليد، بل لاستخلاص أفضل الممارسات.
3.اختبارات استخدام حقيقية قبل الإطلاق وبعده، بمشاركة مستخدمين فعليين.
4.تقارير تحسين مهنية تُرفع بهدوء إلى الجهات المعنية، دون تشهير أو تصعيد إعلامي.
كما أن هذا التعاون يمكن أن يتطور إلى اعتماد نقابة المبرمجين العراقيين كجهة استشارية مهنية في مجالات البرمجة والأنظمة الرقمية الحكومية، تُسهم في مراجعة التصاميم التقنية، وتقييم جاهزية الإطلاق، وتحسين الأداء، وتعزيز الاستدامة الرقمية.
وبما تمتلكه النقابة من خبرات وطنية متنوعة، فإن إشراكها لا يقتصر على الجانب التنفيذي، بل يمتد ليجعلها شريكًا فاعلًا في صياغة سياسات التحول الرقمي، ووضع المعايير المهنية، وبناء إطار وطني متكامل يضمن جودة الخدمات الرقمية ويحفظ ثقة المستخدم. إضافة إلى ذلك، يمكن لهذا الدور أن يسهم في تقليص الفجوة بين مخرجات الجامعات ومتطلبات سوق العمل، عبر مواءمة المهارات الأكاديمية مع الاحتياجات الفعلية للقطاعين العام والخاص.
في التجارب الدولية الرصينة، لا يُنظر إلى التطبيق الحكومي كمنتج مكتمل عند الإطلاق، بل ككائن حيّ يتطور بالتغذية الراجعة، وتراكم الخبرة، واحترام عقل المستخدم. والعراق ليس استثناءً من هذه القاعدة، بل يمتلك كفاءات برمجية عالية، تحتاج فقط إلى إطار تعاون واضح وثقة متبادلة.
إن إشراك نقابة المبرمجين العراقيين في هذا المسار لا يُضعف هيبة المؤسسة الحكومية، ولا ينتقص من جهود موظفيها، بل يعززها، ويمنحها سندًا مهنيًا مستقلًا، ويُرسل رسالة إيجابية للمواطن مفادها أن الدولة تستمع، وتُصحّح، وتتحسّن.
الرقمنة الناجحة ليست سباق إطلاق، بل مسار نضج.
وحين نختار التعاون بدل التصادم، نكون قد وضعنا أول لبنة صحيحة في بناء ثقة رقمية حقيقية بين المواطن، والمؤسسة، وأهل الاختصاص.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!