{رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ}.
يتذرَّعُ البعضُ بالزَّمانِ والمَكانِ والسِّنِ والجِنسِ لتبريرِ انخراطهِ في عمليَّةِ الخِداعِ التي يتعرَّضُ ويُصابُ بِها المُجتمع.
فكُلَّما تسوقُ لهُ نموذجاً للمواقفِ الصَّائبةِ والسَّليمةِ يردُّ عليكَ بالقَولِ [ظرُوفي غَير شِكِل].
إِلَّا أَنَّ التَّجاربَ الإِنسانيَّةِ عبرَ التَّاريخ وإِلى الآن تُثبتُ خطأ هذه الذَّرائع، وهذهِ الطَّريقة البائسة من التَّفكيرُ، ولذلك ردَّ القُرآن الكريم عليها بالقَولِ {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} والمقصودُ بالهجرةِ أَعمُّ من هِجرةِ الجسَدِ.
فالإِنخراطُ والإِندماجُ بالواقعِ المُنحرفِ من عدمهِ لا علاقةَ لهُ بكُلِّ ذلكَ وإِنَّما يتعلَّقُ المَوقفُ بالعقلِ والتَّدبيرِ والخبرةِ والتَّجربةِ التي يكتسِبها المرءُ في حياتهِ والتي تساهمُ في إِنضاج الرَّأي والقَرار والمَوقف شريطةَ أَن يستحضرَها ويوظِّفها صاحبَها عندما يحتاجَها في اللَّحظةِ الخطيرةِ.
فالذينَ يتذرَّعونَ بموقعهِم لتبريرِ عدمِ قدرتهِم على [الصَّلاحِ] فضلاً عن [الإِصلاحِ] تفنِّدُ ذرائعهُم مَوقفَ إِمرأَةِ الطَّاغيةِ فرعَون التي يحدِّثنا عنها القرآن الكريم بكُلِّ فخرٍ واعتزازٍ بقولهِ {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}.
وعلى النَّقيضِ من هذا المَوقفِ المُشرِّفِ يُحدِّثُنا القُرآن الكريم عن موقفَينِ مُخزِيَينِ لإِمرأَتَينِ كانتا تعيشانِ في بيتَي إِيمانٍ ووحيٍ {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ ۖ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ}.
فالزَّمانُ والمكانُ والجِنسُ والظُّروفُ المعيشيَّةِ والحياتيَّةِ لا علاقةَ لها بالمَوقفِ والقرارِ إِذا صمَّمَ المرءُ وثبتَ وصبرَ على الإِستقامةِ وعدمِ الإِنخراطِ في عمليَّةِ الخِداعِ والتَّضليلِ!.
وهذا يعني أَنَّ المرءَ هو الذي يختارُ بنفسهِ مَوقفهُ ومَوقعهُ من عمليَّة الصَّلاحِ والإِصلاحِ، شريطةَ أَن يتسلَّحَ بالإِرادةِ الفولاذيَّةِ وعندَها فليسَ بإِمكانِ أَحدٍ وليسَ بإِمكانِ المكانِ والمكينِ والظُّروفِ أَن يفرضَ عليهِ رأياً أَو يجبرهُ على اتِّخاذِ مَوقفٍ غَير مُقتنعٍ بهِ أَو لا يراهُ سليماً.
والعكسُ هو الصَّحيح فإِذا لم يشأ المرءُ أَن يتَّخذَ القرار الصَّحيح وقرَّرَ الإِنخراطُ في عمليَّةِ التَّجهيلِ والخِداعِ وشعارهُ [حشرٌ مع النَّاسِ عيدٌ] فإِنَّهُ سيتَّخذ قرارهُ هذا حتَّى لو كانَ في أَأمنِ مكانٍ يتمتَّعُ فيهِ بالحريَّةِ الكامِلةِ فلا أَحدَ يُصادرُ إِرادتهِ مثلاً أَو يضغطَ عليهِ أَو يجبرهُ على اتِّخاذِ مَوقفٍ مُحدَّدٍ لم يقتنِع بهِ هوَ.
أَمَّا الذينَ يتذرَّعونَ بكونهِم واحدٌ وأَنَّ اليدَ الواحدةَ لا تصفِّق ولذلكَ تراهُم ينخرطُونَ في موجةِ الخداعِ إِذا اجتاحَت المُجتمع، فهؤُلاء كذلكَ حجَّتهُم باطِلة، فكَونُ المرءِ لوحدهِ رُبَّما يُسقِط ذلكَ عنهُ واجبَ الإِصلاحِ ولكنَّهُ لا يُسقِط عنهُ واجب الصَّلاح أَبداً، فقد يكونُ الإِصلاحُ واجبُ الجماعةِ {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} إِلَّا أَنَّ الصَّلاحَ واجبُ الفردِ حتَّى إِذا كانَ وحيداً في أَجواءِ التخلُّفِ والظُّلمِ والفسادِ والفشلِ {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ}.
فمِن كلامٍ لأَميرِ المُومنِينَ (ع) لأَبي ذرٍّ الغِفاريٍّ رحمهُ الله لمَّا أُخرِجَ إِلى الرَّبذةِ بسببِ قرارهِ الرِّسالي الشُّجاع الذي اتَّخذهُ لوحدهِ وبمُفردهِ والقاضي بمُواجهةِ الفاسدينَ مهما كانَ الثَّمنُ الذي سيدفعهُ؛
يَا أَبَا ذَرٍّ؛ إِنَّكَ غَضِبْتَ لِلَّه فَارْجُ مَنْ غَضِبْتَ لَه، إِنَّ الْقَوْمَ خَافُوكَ عَلَى دُنْيَاهُمْ وخِفْتَهُمْ عَلَى دِينِكَ فَاتْرُكْ فِي أَيْدِيهِمْ مَا خَافُوكَ عَلَيْه واهْرُبْ مِنْهُمْ بِمَا خِفْتَهُمْ عَلَيْه فَمَا أَحْوَجَهُمْ إِلَى مَا مَنَعْتَهُمْ ومَا أَغْنَاكَ عَمَّا مَنَعُوكَ! وسَتَعْلَمُ مَنِ الرَّابِحُ غَداً والأَكْثَرُ حُسَّداً، ولَوْ أَنَّ السَّمَاوَاتِ والأَرَضِينَ كَانَتَا عَلَى عَبْدٍ رَتْقاً ثُمَّ اتَّقَى اللَّه لَجَعَلَ اللَّه لَه مِنْهُمَا مَخْرَجاً! لَا يُؤْنِسَنَّكَ إِلَّا الْحَقُّ ولَا يُوحِشَنَّكَ إِلَّا الْبَاطِلُ فَلَوْ قَبِلْتَ دُنْيَاهُمْ لأَحَبُّوكَ ولَوْ قَرَضْتَ مِنْهَا لأَمَّنُوكَ}.
وأَبا ذرٍّ الصَّحابي هوَ من حواريِّ رسولِ الله (ص) والذي أثنى عليهِ الرَّسولُ (ص) بصدقِ إِيمانهِ وزُهدهِ، فمِن أَبرزِ أَحاديثهِ (ص) عنهُ قَولهُ {يَرْحَمُ اللهُ أَبَا ذَرٍّ، يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ} وقولهُ (ص) {ما أَقلَّت الغَبراء ولا أَظلَّت الخَضراء أَصدقُ لهجةٍ من أَبي ذرٍّ}.
أَبا ذرٍّ نموذجٌ لموقفِ الفردِ الصَّالحِ في وسطِ الجماعةِ الفاسدةِ، فكيفَ تتحجَّج بالإِنخراطِ في تيَّارِ الفسادِ بذريعةِ [حفظِ المصالحِ الشَّخصيَّة]؟! أَو أَنَّك تنتمي لحزبٍ يفرُض عليكَ الإِلتزامَ يقوانينهِ وقواعدهِ؟! مَن الذي أَجبركَ على أَن تكونَ جُزءاً من جماعةٍ فاسدةٍ؟! هل هوَ المنصَب؟! أَم المال؟! أَم الجاه والحِماية؟! أَم ماذا؟! وإِذا أَجزتَ لنفسِكَ كُلَّ هذهِ الذَّرائع فلماذا لا تُجيزُها لغَيرِكَ؟! أَم أَنَّكَ ترى أَنَّك تنغمِسُ في فسادٍ معقولٍ وغيرُكَ منغمِسٌ في فسادٍ غَير معقُولٍ؟!.
هذهِ كلُّها حِججٌ باطِلةٌ لا تُبرِّر الإِنخراط بالفسادِ، وهي سببُها الحقيقي ضَعف النفسيَّة واهتزازِ مصدرِ القرارِ [العَقل] وانعِدامِ البصيرةِ وعدمِ الثِّقةِ بالله تعالى.
ولقد عالجَ القرآن الكريم أَهم جوانبِ هذهِ المُشكلةِ المُزمنةِ في قولهِ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَالْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَـٰذَا ۚ وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ إِن شَاءَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
فعندما نزلَت سورة التَّوبة بالبراءةِ من المُشركينَ ورسمَت حدودَ العلاقةِ بينهُم وبينَ المُسلمينَ تذرَّعُ بعضُ [الصَّحابة] بأَنَّ مُقاطعتهِم وعدمِ التَّعامُلِ معهُم سيضرُّ بتجارةِ المُسلمينَ وأَموالهِم واستثماراتهِم، في مسعىً منهُم للهربِ من الإِلتزامِ وتنفيذِ الحدودِ الجديدةِ، فكانَ الجوابُ من السَّماءِ بالردِّ على هذهِ الإِشكاليَّة بنفسِ عقليَّتهِم [التجاريَّة].
وللأَسفِ الشَّديدِ فإِنَّ الأَعمِّ الأَغلبِ من الذينَ ينخرطُونَ في تيَّاراتِ الفسادِ والفشلِ في المُجتمعِ يتذرَّعونَ بهذا العُذرِ، ناسينَ أَو مُتناسينَ بأَنَّ ذلكَ بمثابةِ مُشاركةٍ فعَّالةٍ في عمليَّةِ الفسادِ نفسَها! فـ {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!