RSS
2026-01-13 15:01:30

ابحث في الموقع

صورةٌ غير شخصيَّة لرئيس الوزراء المقبل

صورةٌ غير شخصيَّة لرئيس الوزراء المقبل
بقلم: عبد الأمير المجر

في ذروة الارهاب والقتل اليومي الذي عاشه العراق، وتحديدا العاصمة بغداد، قبل نحو عشرين عاما، كتبت مقالا تحت عنوان (نزار قباني يرشح رئيس العراق القادم!)، استوحيت فكرته من مقال كتبه الشاعر قباني نهاية سبعينيات القرن الماضي، حيث كانت له مادة اسبوعية في مجلة (الوطن العربي) إلى جانب مادة اخرى للأديبة غادة السمان، وكنت أحرص على قراءة المادتين باستمرار. فكرة مادة قباني أو مقاله، تتلخص في أن لبنان الذي كان يعيش حربا أهلية جعلت رئيسه وقتذاك (الياس سركيس) محاصرا في قصر بعبدا، وسلطته لا تتجاوز الحرس الرئاسي وموظفي القصر، كان بحاجة إلى رئيس يرسم له قباني صورة فنتازية ومعبّرة حيث يقول؛ إن لبنان بحاجة إلى رئيس له شارب هتلر ولحية فيديل كاسترو وقبضة محمد علي كلاي!.

خلال سني الارهاب الذي حوّل حياتنا إلى جحيم، تمنى أغلب العراقيين حينذاك لو أن لدينا رئيسا بهذه المواصفات. لا شك أن صورة الزعيم التي يرسمها قباني، تقول ضمنا، إن البلاد اذا ما مرّت بظرف استثنائي فإن حكومتها يجب أن تتجاوز النمط التقليدي في الادارة لحين عودة الامور لطبيعتها، ولعل إعلان حالات الطوارئ أو الاحكام العرفية يأتي في سياق معالجة المشكلات والكوارث، بطريقة تضمن عودة الامور إلى نصابها بسرعة وبأقل الخسائر، كون الاسلوب التقليدي في المعالجة يبطئ حسمها وربما يفاقمها.

لا شك أن منصب رئيس وزراء العراق، الذي تنشغل بعض القوى السياسية للبحث عن شخصية مناسبة له، يمتلك الصلاحيات الدستورية والقانونية لمعالجة جميع المشكلات، لكن تعارض المصالح بين القوى السياسية النافذة والمواقع المؤثرة لكل منها في مفاصل الدولة، يجعل أي حكومة تأتي غير قادرة على انفاذ كل ما تريده للواقع، ومن ثم تراها الناس ضعيفة، ومع استمرار هذا الواقع فقدت الناس الثقة بالواقع السياسي، لكن هذه الصورة تغيرت بشكل نسبي في الاعوام القليلة الماضية، بعد أن لمست الناس اجراءات تبعث على الأمل وبعض الخدمات التي تلامس حياتها اليومية، ما أعطى صورة مختلفة نسبيا لرئيس الوزراء عن الصورة التقليدية، الّا أن هذا ليس كافيا، فهناك الكثير من الأمور المهمة والحساسة عالقة إلى اليوم بسبب عدم قدرة الحكومات المتعاقبة على اتخاذ قرارات حاسمة بشأنها. 

 وعليه فإن جعل الحكومة مطلقة اليد يحتاج فعلا إلى تغيير حقيقي في عقلية القوى السياسية، التي تفرز الحكومات والمسؤولين، للشروع الفعلي بتغيير الواقع السياسي نفسه، لأن بقاءه على حاله سينتهي إلى خسارة الجميع، فالعالم يتغير من حولنا بسرعة، وان التغيير المطلوب عراقيا، إن حصل فعلا، سيجعل بالضرورة رئيس الوزراء يمتلك القوة الكافية لممارسة صلاحياته، دون الحاجة لشارب هتلر ولحية فيديل كاسترو وقبضة محمد علي كلاي!.

عالم اليوم لم تعد به حاجة إلى زعماء اقوياء على الطريقة القديمة، بل إلى القوانين الجيدة التي تبني الدول، التي يجب أن يحترمها الجميع وفي مقدمتهم الساسة والمسؤولين، وأن تنفّذ بجد من قبل الحكومات، مثلما يحتاج إلى مؤسسات قوية تواكب التطورات ومحمية بالقوانين، وبخلاف ذلك فان الكلام بشأن البحث عن رئيس وزراء قوي لا قيمة له، فقوة الشخصية والكفاءة الادارية من البديهيات، التي يجب أن يتحلى بها المسؤول وفي أي موقع قبل أن يشغله.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!