منذ ظهور الذهب الاسود كسلعة استراتيجية مطلوبة بشدة لتحريك عجلات العالم الصناعي مطلع القرن الماضي، حتى أخذ بالتحول إلى مصدر رئيس واساسي للدخل والثروة وكان العراق واحدا من بين أهم الدول في المنطقة والعالم، والمعروف بكونه يمتلك اغنى الحقول وأكثرها غزارة بالنفط، فضلا عن احتياطي ضخم تحت باطن الأرض، الذي تبنى اقتصادا ريعيا معتمدا على مداخيل البترول كمصدر للدخل، ومنذ ذلك الحين بات يشكل مصدرا رئيسا للاقتصاديات والاموال وايضا موردا للموازنات وعمليات الانفاق، بل حتى وقودا للحروب والمغامرات الفاشلة، التي ضيعت الكثير من أموال النفط وكانت مصدرا لعذابات شعبنا.
هذا النفط كما علمتنا التجارب لم يحافظ على استقراره يوما ما، فهو تارة في القمة وتارة في أسفل السلم وما بين الحالتين لم تكن عملية ضبط الموازنات أو التنبؤ بها، بناء على سعر البرميل أمرا سهلا أو ممكنا.
كان تقليل الاعتماد على البترول وتجنب مفاجآت السوق النفطية واحدا من بين الحلول، التي كانت مطروحة على اجندات الحكومات السابقة، التي لم تتوفر لديها الظروف والمناخات، للسعي في تبني هذا الخيار والعمل به مبكرا، حين أخذت بها تحديات الإرهاب وضبط الأمن عن ذلك، لكنه ظل خيارا مطروحا حتى تبنته الحكومة مؤخرا بواقعية ووجدت فيه حلا مستداما لأزمة مالية، بدأت تلوح مقدماتها في الافق وبات التحرك لمواجهتها أمرا حتميا وضروريا للنجاة من تداعياتها ومخاطرها، والتحسب لها مستقبلا، خصوصا مع تزايد معدلات الانفاق والتمويل الحكومي وحاجة الموازنة إلى المزيد من الايرادات لتغطيتها.
العراق كغيره من دول المنطقة النفطية، التي تعتمد على البترول كمصدر للدخل وجد نفسه متأثرا بهذا الانخفاض في السوق النفطية وتراجع الاسعار بالرغم من زيادة معدلات الإنتاج، حيث أدرك بأن الوقت قد حان للتحرك وتبني سياسات مالية تقوم على تنويع الايرادات النفطية، التي ارتفعت كثيرا خلال السنة الماضية، لتصل إلى حوالي 12 بالمئة من الموازنة العامة، بعد أن كانت سابقا تصل إلى 7 بالمئة، وهناك خطط حكومية متواصلة لرفع هذه النسبة إلى 20 بالمئة من تلك الايرادات في ظل نجاحاتها تلك.
رفع نسبة المساهمة في الموازنة من الايرادات غير النفطية له أهدافٌ اقتصادية وتنموية أخرى ستظهر لاحقا، أهمها أنه سيعطي المنتوج الوطني الفرصة لتعزيز الحضور في السوق المحلية كمنافس واضح للسلع المستوردة، فضلا عن تعزيز التوجهات نحو دعم القطاعات الانتاجية المحلية كالسياحة والزراعة والصناعة، التي تعتبر من اهم قطاعات الاقتصاد والتي يمكن أن تشكل رافدا اقتصاديا إلى جانب النفط في تنويع الموارد.
تحقيق هذا الهدف في رفع نسبة الموارد غير النفطية يجب أن لا يكون مقتصرا على الجمارك والرسوم فقط، بل يجب أن يكون مرتبطا برؤية اقتصادية شاملة ترفع من مستوى الخدمات مقابل الرسوم والضرائب وايضا تعمل على حماية المنتوج المحلي وتعزيز حضوره في الاسواق مع العمل على تطويره، مع امكانية الانتقال لاحقا إلى مراحل التصدير إلى الاسواق العالمية، فضلا عن تشجيع الاستثمار في القطاعات المنتجة والمضمونة الربح وعدم التركيز على الجانب الاستهلاكي.
إن اسعار البترول أصبحت تقترب اليوم من حافة 59 دولارا، وهناك مخاوف من أن يقوم الرئيس الامريكي دونالد ترامب، بعد سيطرته على النفط الفنزويلي تماما من إغراق السوق العالمية بهذا النفط وخفض سعر البرميل إلى 50 دولارا كما صرح بذلك من قبل ضمن خططه لمواجهة منتجي أوبك وارغامهم على خفض الأسعار، بينما نحتاج إلى ان يكون سعر البرميل 90 دولارا لتغطية الانفاق الحكومي وسداد الديون، مع تحقيق فائض ملحوظ ومن دون ذلك فإنه لا خيار دون الذهاب صوب تنويع الايرادات، بدءا من الرسوم الحكومية والضرائب الانتقائية، اضافة إلى الرسوم المستحصلة من قطاعات أخرى مع القيام بإصلاحات في النظام الضريبي، مثل فرض ضريبة القيمة المضافة والرسوم الانتقائية، فضلا عن الحد من عمليات التهرب الضريبي والاعتماد المستدام على أنظمة الدفع الالكتروني في استحصال العوائد والجبايات لمنع عمليات التلاعب والحد من الفساد.
هناك تجارب ناجحة قامت بها عدة دول منتجة للنفط في المنطقة كالسعودية التي نجحت في خفض نسبة الايرادات النفطية في الموازنة إلى حوالي 50 بالمئة، من خلال تبنيها لخطوات اقتصادية مهمة متنوعة، تمثلت في الرسوم التي فرضتها على مختلف الانشطة الاقتصادية والجمارك مع الاهتمام بالقطاع السياحي، خصوصا الجانب الديني منه ما أدى إلى رفع الايرادات إلى نسبة مرتفعة، وكذلك دولة الامارات، التي بلغت فيها نسبة الايرادات غير النفطية في الموازنة إلى حوالي 77 بالمئة من مجموع ايرادات الموازنة العامة، جاء ربعها من مساهمة قطاع السياحة والفنادق، الذي وصلت إيراداته إلى حوالي 10 مليارات دولار لعام 2025.
إن مراجعة السياسة الاقتصادية وتنويع الايرادات يجب أن يكونا هدفين استراتيجيين شاملين، من أجل النهوض والتطور في ظل تحديات اقتصادية صعبة يمكن أن نواجهها، ولكي نتجنب أن تتأثر حياة المواطنين ومستوى معيشتهم بها، إذ يجب أن نتطلع إلى رسم مسار اقتصادي آخر للبلاد لا يبدأ ببرميل البترول، بل بعوائد المصانع والمزارع والفنادق، وفي تحريك نشط وفاعل لعجلة الاقتصاد.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!