RSS
2026-01-14 11:00:03

ابحث في الموقع

كاظم الغيظ بصلابة الإيمان

كاظم الغيظ بصلابة الإيمان
بقلم:حسن كاظم الفتال

لقد خلق الله سبحانه وتعالى الانسان وصوره أحسن تصوير وجعله في أحسن تقويم وكرمه : (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ ـ الإسراء/70 واتخذه خليفة في الارض: ( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) ـ البقرة / 30 وآل أن لا يترك خلقه ووجوده سدى (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ) ـ القيامة /36 فمَنَّ عليه بنعمة العقل ومنحه الحواس التي تظهر عظمة آدميته. سمعًا وبصرًا وأحاسيس ومشاعر (إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا ) ـ الإسراء /36 وسخر له كل ما في الأرض وأخضع ويسر كل ما يرغب به طوع بنانه. 

وحين أَرْخَت مفاهيم وتعاليم وتقاليد وعادات الجاهلية سدولها استوطن في النفوس الضلال والتخلف والعمى واستحكم الغي والزيغ والبلاهة. 

وكاد الإنسان ان يتحول بكيانه وبمعنويته إلى بهيمة بل ربما تحول بعض البشر إلى مثل ذلك : ( لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ) ـ الأعراف /179

ورأفة ورحمة من الله بعباده ورغبة في نجاتهم من سوء العذاب وانقاذهم من شر الهلاك والوقوع في جرفٍ هارٍ من الخطيئات وتجنبًا لكل سوء من الواقع المنحرف المر :( وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ) ـ آل عمران / 103


 ( نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ ) ـ النور/35

الإنسان يبدو أنه كائن ضعيف وقد وصفه الله سبحانه وتعالى بالضعيف مرة وبالظلوم مرة غيرها: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا)ـ النساء/28. وهذا الضعف يتطلب وجود دافع يمده بالقوة وحين يكون ظلوما: ( إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا ) ـ الأحزاب/72

أي كثير الظلم وحين يتسم بهذه الصفة لعله يكون بأمس الحاجة لمن يسلبه هذه الخصلة ويبدلها بميزة تليق بأنسنته. 

وحين يكون جهولا يستلزم محق جهالته بشيء من العلم والمعرفة والإدراك والتقوى.

ويتحقق هذا المَحْقُ بالتعليم والتهذيب وبواسطة معلم يعلمه الحكمة ويعزز لديه الفطنة ويرشده إلى الصواب والاتزان والعيش بتدبر تام. ومن أجل ذلك بعث الله سبحانه وتعالى الأنبياء والرسل معلمين مرشدين مبشرين يرشدون الناس للهدى والحق والخير: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ ـ آل عمران/ ١٦٤

المبلغون رسالات ربهم 

الانبياء هم الصوت الالهي الذي ينبعث من أقطار السموات ليدوي في آفاق الأرض ويملأ الكون دويا تنبعث منه الرحمة والرأفة ليرسم لهم طريق الهداية والسداد والاستقامة والصواب. أنبياء ورسل هداة مرشدون يلقنهم الوحي آياتٍ بينات حين يهبط ليملي عليهم رسالات يقتضي عليهم تبليغها للملأ فهم يمثلون الرحمة الإلهية للعباد يرشدون الناس باسم الله وبأمره ويوجهونهم نحو مسارات الهدى والحق لنيل السلامة والأمان والاطمئنان. يدعون الناس للإصلاح والصلاح وضمان الفلاح ويكونون للناس ( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)ـ النساء/ 165 يذكرون الناس بفضل الله ونعمه عليهم وبذلك يلقون الحجة على بني البشر: ( لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ) ـ النساء /165

وظيفة الأنبياء بعد تلقي الوحي حث الناس على التوحيد واعتناق العقيدة الحقة الصحيحة والإيمان وحسن العبادة وبتدبر تام ومهمتهم كذلك هي إنقاذ الناس من الجهل وتخليصهم من الظلم والضلالة وإرشادهم إلى سبيل الهداية والرحمة وترسيخ الوعي في أعماقهم وسوقهم نحو كل ما يقدم النفع والخير والصلاح للإنسان. فضلا عن نشر مكارم الأخلاق والسعي لإعلاء كلمة الحق من أجل دوام العيش بصلاح وفلاح.

ويشدد الأنبياء والرسل والأوصياء والأولياء على ان يكون الإنسان عبدًا خالصًا لله منعتقًا من كل عبودية إلا العبودية لله جل جلاله وحده .

وبذلك يكون الإنسان متحررًا لا قيد يقيده في عيشه بعمق إيمانه وبفكره النير بعقيدته الصحيحة الحقة 

وكلما إزداد صلابة بتدرعه بالإيمان ازداد معرفة ووعيًا وإدراكًا ويقظة وتوسعًا بالفهم والإحساس.

وهذا ما يجعله ذا بصيرة حادة استطاع أن يفرق ويميز بين الحق والباطل وبين ما هو خير وما هو شر ولا يروق له أن تُسلَب حريته أو تنتهك ليكون عبدًا لأحد غير الله جل وعلا .

ويتمرن على نبذ الظلم والجور ويقاوم كل ما ينتمي لهما. ومن الطبيعي أن ذلك لا يروق لأهل الباطل وسلاطين الجور والطغاة العتاة. 

لذا فهم يبتكرون لأهل الحق والداعين له وأهل الهداية والمرشدين لها يبتكرون لهم شتى الوسائل والأساليب لإبعادهم عن الناس خشية تأليب الناس عليهم . ويستخدمون كل ما بوسعهم من وسائل وأساليب للقمع ولمنع الأولياء المرشدين للصلاح والفلاح ولعل من بين هذه الأساليب السجن وهذا الاسلوب لعله يقترب من المعني في منطوق ظاهر الآية الكريمة: (وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ) ـ سورة يوسف /32

وبهذه الطريقة يتسنى حجب من يتطلب حجبه عن عامة الناس وإبعادهم وإبقاء الجهل والعمى ليتسنى للسلاطين تسيير ما يبتغون تسييره بكل حرية وأمان 

وهذا ما فعله الحاكم العباسي بالإمام موسى بن جعفر عليهما السلام عسى أن يتخلص منه ولو لحين ومكث صلوات الله عليه في السجن. ( ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ ) ـ سورة يوسف /35

لا يحجب الغربالُ نورَ الشمس

السجن موقع يَحُول بين الإنسان وبين أي ضوء ينتشر في الآفاق الرحبة حيث غياب الشمس وكل ما يرتبط بها من أنوار واشعاعات ويحجب النزيل عن استنشاق الهواء الطلق النقي لذا يتحول السجن إلى ظلمة تبعث في النفس الكدر والكآبة والكرب والكمد وتؤجج لظى الشجن وتوقظ في الصدر الحسرة والغم والهم والتعاسة وكذلك تولد الضغينة بل تتضاعف نسبة الضغينة خصوصا على من تسبب بأن يُلقى السجين في السجن. كل ذلك يحسه ويتوجسه السجين. وذلك للسجن العادي والذي يكون موقعه فوق الأرض فكيف حين يكون السجن طامورة بباطن الأرض في ظلمة تنعدم فيه الرؤية وينعدم فيه التمييز والفصل بين الليل والنهار وعدم معرفة تغيير المواقيت ومنها مواقيت الصلاة .  

والسجن ما هو إلا عقوبة والعقوبة لا يستحقها الإنسان البريء إنما تختص بمن يستحق العقاب فيصبح مصيره السجن . ولعل المجرم أو المذنب حين يقر بذنبه وجرمه ويعترف يُسجَن ويُسلِم للأمر الواقع ويتوطن للعيش فيه ولعله ينتظر الفرج بإطلاق سراحه إما بنهاية مدة محكوميته أو بالعفو عنه يوما ما فيخرج طليقا ربما تغير تلك المدة سلوكه إذ يعتبر ويتعظ ويغادر كل ما يتعلق بالماضي السحيق الذي أدى به إلى الوقوع في ظلمة السجن.

إذن السجن ظلمة وغالبا ما نسمع كم من مظلوم احتواه السجن دون وجه حق أو بسبب خلل في تطبيق العدالة أو وقوع أي خطأ.

لذا نلاحظ أن الولاة والسلاطين أو المتنفذين وفي مقدمتهم فاقدو الإمتثال للعدل والتعاطي بإنصاف والمتلذذون بظلم وتعذيب خصومهم وقهرهم وإذلالهم أو ما يلجؤون به لعقوبة خصومهم هو السجن ويتخذون منه أحيانا نقطة الشروع للقضاء على الخصوم مهما كانت مواقع أو مستويات أو منزلة أو مراتب أولئك الخصوم .

وما ديدن الحاكم الظالم إلا البطش

وهذا ما دعا الحاكم العباسي لأن يزج بخير الناس ابن خير من مشى على الأرض سليل الدوحة المحمدية ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وآله الإمام موسى بن جعفر صلوات الله عليه لا لشيء إلا للخلاص من إمام معصوم ورث العلم والمعرفة المجد والولاية التشريعية والتكوينية من آبائه وأجداده الميامين صلوات الله عليهم أجمعين وما هو إلا داعية للحق ولنصرة العدالة وما يتطلب تطبيقها ولحفظ كرامة الإنسان وصون قيمه ولنصرة مكارم الأخلاق .

استجابة الدعاء للتفرغ للعبادة 

لقد كثرت مناجاة الإمام الكاظم عليه السلام وهو يناجي ويدعو ربه لأن يفرغه لعبادة الواحد الأحد فيقول بدعائه صلوات الله عليه: ( اللهمّ إنّك تعلم أنّي كنت أسألك أن تفرغني لعبادتك ، اللهمّ وقد فعلت ، فلك الحمد).  

 ألقي الإمام موسى بن جعفر عليه السلام بأمر الحاكم الظالم في السجن لا لشيء إلا لإسكات صوت الحق وإبعاده عن ساحة بيان الحقيقة ومعرفة الصواب واتباع اليقين وبيان سلامة الفطرة لبني آدم والتسويق لإنارة الفكر وسلوك الصراط المستقيم وبلوغ مراتب النجاة .

ودخل الإمام الكاظم صلوات الله عليه وعلى آبائه السجن ليُحرمَ اتباعه ومريدوه ومشايعوه عن الإستنارة بفكره وعلمه ومعارفه وحرمانهم من الانتفاع من دروسه ومواعظه وإرشاداته وتوجيهاته والإمتثال لها والإكتساب منها

 وعاش صلوات الله عليه في السجن لا لذنب إلا لرفضه بكل قوة وعزيمة وإيمان الانصياع لعبودية الظالم الجائر ومخالفة أوامره ونواهيه ذلك الحاكم الذي يشترك بأوامره ونواهيه مع ما يوسوس به الشيطان الرجيم. وصار الإمام الكاظم صلوات الله عليه يعاني من ظلمته وظلمه إنما ذلك لم يقوض عزيمته وإصراره سواءٌ عن العبادة أو عن مواصلة ما يريد مواصلته ونشرِ العلوم ولم تحجبه ظلمةُ السجن إنبعاث توهج نور العلم ليستنير به كل من يتاح له الإستنارة وسعى لإيصال هذا التوهج إلى كل من يتأتى له إيصاله من الخواص ومن المؤمنين الموالين.

كانت تقيده السلاسل والأغلال إنما لم تقيد توهج فكره بل ظل أشبه بشلال نور يبعث إشاعاته. 

قيدت السلاسلُ حريتَه وحركتَه إنما لم تقيد فكره وعقله المستنير الوارث من توهج علوم آبائه وأجداده .

وقد أدى دوره الرسالي في نشر الوعي العقائدي حتى وهو في تلك الطامورة المظلمة الظالمة لم يتوقف عن نشر الوعي والفكر العقائدي وترسيخه في الأذهان وصفاء العقول وتنقيتها وجعلها مستعدة وبجهوزية تامة لإستيعاب كل ما يبعث على الخير والإحسان والبر والفضيلة ولعل أبرز ما عُرِف عنه وهو في السجن هداية السجانين وإرشادهم وجذبهم للهداية وسبيل الرشاد وإبعادهم عن الإنحراف الذي كانوا يتيهون في غياهبه  

كان يتنامى في روحه الصبر والثبات حتى سجل أكبر انتصار لمضمون ومفهوم انتصار المظلوم على الظالم. 

وكأنه يحث المؤمنين على التفاؤل والإحساس بالفوز والظفر وإسكات صوت الباطل وسوقه إلى الفناء. 

وتعبيرًا عن التأمل التفاؤل وقراءة ما سيحدث فيما بعد عبرت بذلك رسالتُه الى الحاكم العباسي الذي أمر بسجنه ينذره ويذكره بخسرانه في الدنيا والآخرة فيقول صلوات الله عليه فيها :

(أنه لن ينقضي عني يومٌ من البلاء إلا انقضى عنك معه يوم من الرخاء حتى نقضي جميعا إلى يومٍ ليس له انقضاء يخسر فيه المبطلون) 

صدق صلوات الله عليه وهو الفائز والماضي إلى آبائه وأجداده الكرام ليلحق بهم في الجنان الباهرات ( وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) ـ الأحزاب/71

ويمضي خصومه إلى بئس المصير :( فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ )ـ غافر / 78





المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!