RSS
2026-02-07 20:07:44

ابحث في الموقع

قضية إبستن.. نهاية أم بداية؟

قضية إبستن.. نهاية أم بداية؟
بقلم: عماد رجب

عادت قضية جيفري إبستن وجزيرته المشؤومة إلى واجهة المشهد العالمي بعد نشر هذا الكم الهائل من الملفات، ليس بوصفها ملفا جنائيا، بل كرمز للشر المطلق المتشعب، وكأزمة أكبر تتعلق بالسلطة والنفوذ وحدود العدالة. 

ومع انتشار الاهتمام الشعبي والإعلامي لم تعد القضية مجرد سرد لجرائم مروعة، بل تحولت إلى علامة استفهام كبرى حول ما يدار في كواليس الصفوة.ومع كل تسريب جديد أو معلومة متداولة عن القضية الأشهر حاليا، يتجدد السؤال الجوهري: هل ما نشهده اليوم هو الفصل الأخير في هذه القضية، أم أنه مجرد بداية لكشف أوسع وأكثر عمقا؟ أم أن الأمر برمته لا يعدو كونه إلهاء للعالم عن ملفات أخطر يجري الإعداد لها في الخفاء؟

القضية، في جوهرها، لم تعد مرتبطة بشخص واحد، بقدر ما أصبحت مرآة تعكس خللا هيكليا في منظومة المحاسبة الدولية. فالغضب الشعبي الذي يتصاعد مع كل تطور جديد يعبر عن شعور واسع بأن هناك شبكات مصالح محصنة عن أى مساءلة، قادرة على الإفلات من العقاب مهما بلغت جسامة الاتهامات. وهذا الشعور، سواء استند إلى وقائع مؤكدة أو شبهات قيد التحقيق، يعكس تآكلا خطيرا في الثقة بين المجتمعات ومراكز صنع القرار.

ومع كل هذا الكم من النقاشات أرى أن من حقنا أن نطرح سؤالا واضحا ومشروعا: لماذا يعاد ضخ القضية إعلاميا في هذا التوقيت تحديدا؟ ولماذا يتم التركيز على الصدمة والرعب أكثر من التركيز على نتائج قانونية حاسمة؟ وهذا سؤال مشروع، وهل إثارة هذا الملف على نطاق واسع وبهذا الشكل أداة للإرهاب المعنوي لشخصيات مسؤولة حول العالم أم هي أداة لصرف الانتباه وخلق حالة انشغال جماعي، بينما تمرر قرارات مصيرية أو ترتب تحولات سياسية واقتصادية كبرى بعيدا عن الأضواء.

ومن وجهة نظر خاصة جدا أخشي أنه قد يراد لهذه القضية أن تبقى مفتوحة إعلاميا، لتؤدي دورا وظيفيا في إشغال الرأي العام أو الضغط على حكومات وشخصيات حول العالم خاصة مع عدم وضع حدود للسيطرة عليها عبر مواقع التواصل الأمريكية كما حدث في حروب غزة رغم بشاعة المتداول وهو ما يطرح عدة علامات استفهام، فهل هذا ما يريدونه في الخفاء؟.

وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بتناولها المكثف للملفات، لعبت دورا محوريا في الضغط، لكن حتى الآن تتلاشى أي آمال حقيقية لمحاسبة المزيد من المتورطين إن وجدوا أو تبرئة من طلبتهم الوثائق. وفي الوقت نفسه ساهم هذا الانتشار في خلق حالة من التشويش. فبين معلومات موثقة وتسريبات غير مكتملة وادعاءات يصعب التحقق منها تجد شعوب العالم نفسها أمام سيل من الأخبار المتضاربة، ما يضعف القدرة على التركيز على الأسئلة الأهم: متى يحاسب المتهمون؟ ومن يستفيد من بقاء القضية بلا نهاية واضحة؟

وفي الحقيقة فإن جوهر النقاشات لا يجب أن يتمحو حول تفاصيل الجرائم، بقدر ما يتركز على مسألة المحاسبة القانونية والحذر من الانتقائية. فالسؤال الذي يفرض نفسه بقوة الان حول العالم هو: هل سيتم التعامل مع جميع المتورطين المحتملين بالمعيار نفسه وتبرئة من شملتهم الوثائق دون جريرة، أم ستظل بعض الأسماء بمنأى عن المساءلة؟ 

قضية إبستن عزيزي القارئ قد تكون نهاية مرحلة من الصمت والتجاهل، لكنها في الوقت ذاته قد تمثل بداية لمرحلة أخرى فالمجرمون إن أفلتوا لن يتوقفوا، وسوف تتحول العدالة إلى أداة انتقائية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!