RSS
2026-02-24 12:41:50

ابحث في الموقع

مآرب اللصوص في تزييف النصوص

مآرب اللصوص في تزييف النصوص
بقلم:د. خالد قنديل

هل يسعى صناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية إلى ضرب عرض الحائط بفلسفة المرجعيات الدولية وبالقانون الدولي، بحيث تُستبدل تدريجيًا لغة رجعية تأويلية مختلقة، لتحكم العلاقات بين الدول، وتقوض لغة القانون والتاريخ والسياسة لحساب "البلطجة"؟!

وهل يتجه اللوبي الصهيوني في أمريكا والغرب إلى كشف الستار عن وجهه الحقيقي تمامًا؛ ليقر -دون تحسب لأي ردود أفعال- بأنه المتحكم في مجريات السياسة الدولية، وبسط النفوذ دون الالتفات إلى أي مرجعيات أو اتفاقيات قديمة كانت أو جديدة؟! 

تساؤلات تطرح نفسها بقوة على المشهد السياسي العالمي، بعد موجات من التخبط في إدارة الملفات السياسية الدولية من قبل الإدارة الأمريكية ومؤسساتها، ففي الوقت الذي اقترح فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إنشاء مجلس السلام في سبتمبر الماضي، معلنًا خطته لإنهاء حرب الكيان المحتل على غزة. 

بعد صولات وجولات عديدة في هذا الاتجاه، كُللت بمؤتمر شرم الشيخ للسلام، خرج علينا منذ أيام، مايك هاكابي السفير الأمريكي لدى الكيان المحتل بتصريحات غريبة؛ قال فيها إنه لا يرى مانعًا في استيلاء الاحتلال على منطقة الشرق الأوسط بأكملها، مرجعًا ذلك إلى أحقية "توراتية" لمن أسماهم شعب إسرائيل في الأرض من النيل إلى الفرات، كوعد من الله لهذه الذرية بهذا الوطن الذي يضم الضفة الغربية والأردن ولبنان وسوريا ومناطق من العراق والسعودية، بل وزاد من حديث العبث بأنه واثق من أن هذا ينطبق على مساحات كبيرة من الأراضي، ومتمنيًا أن يسيطر الكيان على كل هذه الأراضي "بكل السبل الممكنة". 

ولعلنا نبدأ من آخر الخيط بتأمل عبارة "بكل السبل الممكنة"، التي تشير بوضوح إلى الالتزام التام من جانب واشنطن - من واقع أن مصدر التصريح مسئول سياسي في المقام الأول ـ بدعم أحلام وطموحات حليفها وذراعها وامتدادها بالشرق متجسدًا في الكيان المحتل، سواء بتغذية الحرب التي بلغت حد الإبادة، وشاهدها العالم كله صوتًا وصورة، أو بتبرير المشروع الاستعماري الذي اطلعت الشعوب على جذوره التاريخية منذ وعد بلفور، بتأويل وخطاب ديني مختلق، يتنافى مع أبسط مبادئ السياسة الدولية، وفي تعارض صريح وفج مع ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، بل ويتعارض مع جوهر الدين.

وكان طبيعيًا أن تواجه هذه التصريحات بغضب عربي وإسلامي عارم وبيانات منددة بها، لكن ما ليس طبيعيًا في هذا التوقيت ويحتاج إلى قراءة وفهم، أن مصدر التصريحات مسئول أمريكي يعبر عن صوت بلاده، التي أقر رئيسها منذ حضوره قمة السلام، وإنشائه مؤخرًا مجلس السلام، بضرورة وقف الحرب في غزة والبدء في خطط إدارتها وإعادة إعمارها. 

غير أن هذه التصريحات الرسمية تشير إلى توافق في التوجهات التوسعية للاحتلال، باعتباره ذراعًا للولايات المتحدة في أمريكا، أو باعتباره متحكمًا في السياسة الأمريكية عبر اللوبي الصهيوني، والذي قِيل إنه وراء الكشف الأخير والإفراج عن ملفات جيفري إبستين كورقة تهديد قد تطال الرئيس الأمريكي، الذي بدا في شيء من المرونة فيما يتعلق بالحرب على غزة، أو بتأجيل ضربة لإيران كان معدًا لها سلفًا.

أيا كانت القراءات والإشارات وراء هذه التصريحات التي أطلقها سفير أمريكا لدى الكيان، فإنها قبل ذلك ليست المرة الأولى التي يبث فيها أقوالًا من هذا النوع، وقد قال سابقًا في مواقف مختلفة إنه "لا يوجد شيء اسمه فلسطيني"، كما اقترح بشكل علني أن تقام الدولة الفلسطينية في أي مكان آخر، مثل أجزاء من سيناء أو الأردن، في انحياز إلى ما أسماه إسرائيل التي يراها صغيرة قياسًا إلى أراضٍ عربيةٍ وإسلاميةٍ.

ولعلنا نذكر تصريحات رئيس وزراء الكيان نتنياهو منذ أشهر، والتي قال فيها إنه يشعر بأنه في "مهمة تاريخية وروحية"، ويتمسك بما أسماه "رؤية إسرائيل الكبرى"، الشاملة للأراضي الفلسطينية، "وربما مناطق من الأردن ومصر أيضًا.

فإذا ما رصدنا مثل هذه التصريحات التي تخرج من وقت لآخر، ورصدنا منبعها أو مصادرها، فإنها تشير في البداية إلى اتفاق الرواية الأمريكية-الإسرائيلية والموقف الواحد من المنطقة باعتبارها مكافأة أو حقًا مكتسبًا بمقدراتها وثرواتها ومنافذها البحرية والبرية بصورة أو بأخرى لأمريكا. 

كما تشير مثل هذه التصريحات من عدم الاعتداد بما يجري على الأرض من اتفاقيات لوقف النزاع والحرب، وإعلاء قيمة المصالح المشتركة بين دول المنطقة والولايات المتحدة، واعتبار جميع الخطوات والمباحثات أشبه بتحصيل حاصل إزاء أهداف توسعية أشمل. يتم الترويج لها بعيدًا عن ملعب السياسة، فيما يشير إلى التمسك بهذه الأهداف، ولتكن بالحروب أو التأويلات والتزييف عبر خطابٍ ديني لا يستند إلى أي حقائق أو مرجعيات.

أمر آخر يتعلق بالتزامن، إذ تتزامن تصريحات السفير الأمريكي لدى الكيان مع مشاهد قائمة، أبرزها استمرار الانتهاكات في قطاع غزة، وأن نزيف الدماء والموت لم يتوقف بعد، في ظل عدم إحراز مساعي الإعمار تقدمًا يُعتد به، فضلا عن إحكام السيطرة على الضفة الغربية والاستمرار في بناء المستوطنات وفصل مدن الضفة، حتى إن وكيلة الأمين العام للأمم المتحدة روزماري ديكارلو، قالت خلال اجتماع لمجلس الأمن الدولي حول القضية الفلسطينية، إن ما يحدث هو ضم تدريجي بحكم الأمر الواقع للضفة الغربية، خصوصًا بعد إجراءات تسهيل شراء الأراضي، ومنح تراخيص البناء لمواطني الاحتلال، كما تأتي التصريحات متزامنة مع ما نراه من حشد عسكري غير طبيعي في المنطقة، والجدل القائم حول احتمالات وضرورة توجيه ضربة أو ضربات متلاحقة لإيران.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه أيضًا: هل توظيف النصوص الدينية لتبرير مواقف استعمارية يغير من الحقائق على الأرض؟! والإجابة الواضحة بالطبع لا، فالحقائق قد ترسخت وخصوصًا في الفترة الأخيرة، بعدما اطلع الجميع على التسلسل التاريخي للاحتلال ومنبعه وروافده، الأمر الذي شكل ضغطًا موازيًا مع التحركات الدولية من أطراف فاعلة ومؤثرة في انتزاع الحقوق الأصيلة للقضية الفلسطينية، وفي مقدمتها مصر، عبر المنهج السياسي المتزن، الذي تحققت معه نتائج عدة وصولًا إلى اتفاق دولي حول انسحاب جيش الاحتلال من غزة، وإعادة إعمار القطاع، مع التمسك في كل محفل وكل مناسبة بالثوابت المصرية والعربية في أحقية الفلسطينيين في أرضهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو لعام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. 

الأمر الذي حدا بأصحاب هذه الأطروحات إلى محاولة فرض تصورات أحادية، تحاول تجاهل الطبيعة القانونية للصراع، والعمل على إعادة تشكيل الواقع السياسي، بعيدًا عن أي مرجعيات تحظى بالتوافق كآلية لإرساء حقوق لأصحابها.

ربما من المفيد هنا تذكر سياسة النفس الطويل، مع اكتساب مزيد من الفرص لبسط الرؤى من منظور التوافق الدولي على مرجعيات معترف بها، ولنتذكر أمام هذه الأطروحات الأحادية، رأي محكمة العدل الدولية سابقًا بأن وجود الاحتلال بالأراضي الفلسطينية غير قانوني، ويجب أن ينتهي، مع تسليط ضوء المتابعة على الدولة المصرية والريادة النابهة في تحركها السياسي المُلزم بخطابه الذي يحظى بالتوافق، ومساعيها التي تقطع الطريق دائمًا على الاحتلال وروافده وداعميه، أن يلتف على الحقائق والخطوات المنجزة، بإقرار الحقائق المتسقة مع المؤسسات الدولية، بألا سيادة للكيان المحتل على الأرض الفلسطينية، أو غيرها من الأراضي العربية، مع الرفض القاطع لأي محاولات لضم الضفة الغربية أو فصلها عن غزة، ورفض توسع الأنشطة الاستيطانية في الأراضي الفلسطينية. 

وأن هذه البنود هي فقط التي تحقق تسوية عادلة ومستدامة، أي أن لعبة التأويلات الدينية الانتقائية لن تنطلي، ليس فقط على الشعوب العربية والإسلامية، بل إن شعوب العالم صارت مدركة وعلى وعي بحقوق الفلسطينيين في وطنهم، وأن مصير فلسطين سوف يتحدد وفق القوانين وقرارات الشرعية الدولية.



المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!