خصوصية شهر رمضان التربوية في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) تتجلّى في كونه مدرسةً عمليةً لإعادة بناء الإنسان روحياً وأخلاقياً واجتماعياً، لا مجرد موسم عبادي عابر، ويمكن إبراز هذه الخصوصية عبر المحاور الآتية:
أولاً: رمضان شهر التزكية وبناء التقوى، يؤكد القرآن الكريم أن الغاية من الصيام هي التقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) البقرة: 183. والتقوى ليست حالةً وعظية، بل مَلَكة سلوكية تُترجم في ضبط الجوارح، وحراسة القلب، ومحاسبة النفس.
فالصوم ليس إمساكاً عن الطعام فحسب، بل صوم اللسان عن الغيبة، وصوم العين عن الحرام، وصوم القلب عن القسوة، وقد روي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أنه قال: (إذا صمت فليصم سمعك وبصرك وشعرك وجلدك) الكافي للكليني: 4 / 87 / 2. في إشارة إلى البعد الشمولي للتربية الرمضانية.
ثانياً: مدرسة الإرادة وضبط الشهوة، رمضان تمرين عملي على الحرية الداخلية؛ إذ يتحرر الإنسان من سلطان الشهوة ليخضع لله بإرادته، يقول الإمام علي بن أبي طالب: (صوم النفس عن لذات الدنيا أنفع الصيام) عيون الحكم والمواعظ للواسطي - ص ٣٠٢. الامتناع المؤقت يربي الإنسان على الامتناع الدائم عن الحرام، فيتحول الصوم من عبادة وقتية إلى سلوك مستمر بعد رمضان.
ثالثاً: البعد الاجتماعي والتكافل، رمضان شهر إحياء الضمير الاجتماعي، كان الإمام زين العابدين يحمل الطعام ليلاً للفقراء، ولا يُعرَف إلا بعد وفاته، وهذا السلوك يكشف أن التربية الرمضانية ليست انعزالاً، بل اندماجاً في هموم المجتمع، ويؤكد أن الصوم يقترن بالعطاء، وأن الجوع الاختياري يُذكّر بجوع المحتاجين.
رابعاً: القرآن محور البناء التربوي، رمضان هو شهر القرآن، ومن المفترض ان لا يقرأ القرآن تلاوةً فحسب، بل تدبراً واستنباطاً وعملاً، وقد ورد عن الإمام محمد الباقر: (لكل شيء ربيع، وربيع القرآن شهر رمضان) الكافي للكليني ج ٢ ص ٦٣٠. العلاقة هنا بالقرآن تتحول من عادة إلى مشروع هداية، ومن ألفاظ إلى قيم وسلوك.
خامساً: ليلة القدر وبناء الوعي بالمصير، ليلة القدر ليست طقساً عاطفياً، بل محطة وعي بالمصير والسنن الإلهية، كانت فاطمة الزهراء عليها السلام تُحيي وأهل بيتها تلك الليالي بالذكر والدعاء وقراءة القرآن، وتؤكد على الاستعداد الروحي لها، مما يعكس بعداً تربوياً يقوم على إدارة الوقت الروحي واستثمار اللحظات المفصلية.
سادساً: محاسبة النفس والتغيير العملي، رمضان هو شهر المراجعة، يقول الإمام موسى الكاظم عليه السلام: (ليس منّا من لم يحاسب نفسه في كلّ يوم، فإن عمل حسناً استزاد الله، وإن عمل سيّئاً استغفر الله) الوسائل للحر العاملي، 16/95، الحديث 1. فإذا اجتمعت المحاسبة مع أجواء الصيام والذكر، تكوّن مناخا مثاليّا لإعادة صياغة الشخصية.
خصوصية رمضان في مدرسة أهل البيت تقوم على الصوم كبرنامج تزكية شامل، تحويل العبادة إلى سلوك دائم، الدمج بين الروحانية والمسؤولية الاجتماعية، مركزية القرآن في البناء الفكري، واستثمار الزمن في صناعة التحوّل، فهو شهر صناعة الإنسان الرسالي، لا شهر الامتناع الغذائي فقط.
لهذا أكّد ممثل المرجعية الدينية العليا سماحة العلّامة السيد أحمد الصافي، على "خصوصيّة شهر رمضان المبارك التربويّة في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)" جاء ذلك خلال كلمته ضمن فعّاليات افتتاح مهرجان عين الحياة بنسخته الرابعة، الذي تُقيمُه مؤسّسةُ القبس للثقافة والتنمية بالتعاون مع العتبات المقدّسة (العلويّة، الحسينيّة، الكاظميّة، العسكريّة، والعبّاسية)، وعددٍ من المؤسّسات الفكريّة الرصينة، يوم الخميس، 12 فبراير 2026 وذلك على أرض معرض بغداد الدوليّ، تزامنًا مع ذكرى ولادة الإمام المهدي المنتظر(عجّل الله فَرَجه الشريف).
وذكر سماحته، "ان المؤمنين سيجددون العهد مع الإمام (عليه السلام) في شهر رمضان المبارك، من خلال الاهتمام ببعض الأدعية التي أعطت مساحةً مهمّةً وواسعة للإمام عليه السلام".
الجانب الفقهي والأخلاقي في العبادات
ولفَتَ سماحتُه إلى "أن الدين عبارة عن مجموعةٍ من الممارسات العباديّة والمعاملاتية، سواء كان في موضوع الاعتقاد أو موضوع العمل الذي هو الجانب الفقهي، بالإضافة إلى الجانب الأخلاقيّ".
مبيّناً "أن هناك سمات خارجيّة يعرف بها المتديّن وتحرص الشريعة المقدّسة عليها، مثل الحثّ على صلاة الجماعة التي يشجّع الشارعُ المقدّسُ عليها، وفريضة الحجّ الواجبة على كلّ مسلم قادر ومستطيع، بالإضافة إلى القضايا الأُخَر المستحبّة كزيارات العتبات المقدّسة لما فيها من أهمّية في زرع القيم التربوية التي جسّدها مَن ثوى فيها، لمَنْ يزورها".
الجانب الفقهي والأخلاقي في العبادات في مدرسة أهل البيت يقوم على مبدأٍ جوهري وهو وحدة الظاهر والباطن؛ فلا تنفصل صحة العمل عن روحه، ولا يُغني الامتثال الشكلي عن الصدق الأخلاقي.
الفقه يعتني بـبيان الشروط والأركان، تحديد الواجبات والمبطلات، وتنظيم أوقات العبادة وكيفياتها، فالطهارة، والنية، والاستقبال، وأجزاء الصلاة، ومفطرات الصوم… كلها عناصر تحفظ صحة العبادة.
إذن الفقه يضمن أن تكون العبادة مطابقة لأمر الله، منضبطة بالشريعة، وخالية من الخلل الظاهري، لكن هذا ليس تمام المقصود، فالجانب الأخلاقي يعد روحُ العبادة وثمرته، ويهدف الى تهذيب النفس، كسر الأنانية، تربية الضمير، وصناعة التقوى، قال الامام عليّ عليه السلام: (ألا أخبركم بالفقيه حقّاً؟ قالوا: بلى، يا أمير المؤمنين، قال عليه السلام من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤمنهم من عذاب الله، ولم يرخّص لهم في معاصي الله، ولم يترك القرآن رغبة عنه إلى غيره، ألا لا خير في علم ليس فيه تفهّم، ألا لا خير في قراءة ليس فيها تدبّر، ألا لا خير في عبادة ليس فيها تفقّه) بحار الأنوار للمجلسي: ج٢ص٤٨-٤٩. فالعبادة التي لا تغيّر السلوك، تبقى ناقصة الأثر، وإن كانت صحيحة فقهاً، فهي ليست شكلاً بلا روح، ولا روحاً بلا التزام، بل هي التزامٌ فقهيٌّ يولّد أثراً أخلاقياً، وتهذيبٌ أخلاقيٌّ يستند إلى انضباطٍ شرعي.
دور الصيام في بناء الانسان
الصيام يربي الإنسان على المراقبة الذاتية؛ فهو يترك الطعام والشراب في الخلوة قبل الجلوة، لا خوفاً من الناس بل التزاماً بأمر الله، وهنا تتكوّن الرقابة الداخلية التي هي أساس الشخصية المستقيمة.
الإنسان تحكمه رغباته، والصيام تمرين عملي على التحكّم بهذه الرغبات، والصيام لا يدرّب على الجوع فحسب، بل يعلّم الصبر، تأجيل اللذة، كسر سلطان العادة، وهذه عناصر جوهرية في بناء الإرادة القوية، والصيام الحقيقي والواقعي هو الذي يربّي على كفّ الغضب، ترك الغيبة، ضبط اللسان، حسن المعاملة، ومن دون هذا البعد، يبقى الصيام جسداً بلا روح.
إضافة الى انه يعمل على تعميق البعد الاجتماعي، فالجوع الاختياري يجعل الإنسان أكثر إحساساً بآلام الفقراء؛ لذلك كان الصيام مقترناً بالصدقة والإطعام، كما تجلّى في سيرة الإمام زين العابدين الذي كان يطعم المحتاجين سراً، فالصيام يبني روح المواساة، الشعور بالمسؤولية، والتضامن الاجتماعي في أروع معانيه.
إعادة ترتيب الأولويات، حين يمتنع الإنسان عن الضروري (الطعام والشراب) طاعةً لله، يتعلم أن المادة ليست مركز الحياة، ويتعلم ان الروح أولى بالرعاية، ويتعلم ان القيمة في الطاعة لا في الاستهلاك، وهذا يعيد تشكيل رؤيته للحياة كلها.
وان الصيام يقوم بصناعة الإنسان المتوازن وانه يجمع بين الجسد (بالإمساك) والعقل (بالتفكر) والروح (بالذكر والدعاء) والمجتمع (بالتكافل) ومن هنا كان شهر رمضان مدرسةً شاملة لإنتاج الإنسان الرسالي الواعي، فالصيام ليس حرماناً، بل تحريرٌ من الشهوة، تقويةٌ للإرادة، تهذيبٌ للأخلاق، تعميقٌ للمسؤولية، وصناعةٌ للتقوى، فهو عبادة تبني الإنسان من الداخل، ليكون أقوى أمام نفسه، وأرحم بالناس، وأقرب إلى الله تعالى.
وفي هذا المضمار بيّن سماحته أنّ من الخصوصيات التي تميّز مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هي "الاهتمام الخاصّ بشهر رمضان، الواجب صيامه على جميع المسلمين، مع استثناء مَن لا يقدر على الصوم وفق ما بيّنه الفقهاء في الكتب الفقهيّة من شروطٍ لذلك، وأن في أدبيات أهل البيت (عليهم السلام) لا يقتصر الاهتمام على مجرّد أداء فريضة الصيام، بل يُعطى شهرُ رمضان بُعدًا روحيًا مميزًا، من خلال كثرة الأدعية وتنوّعها، لتصبّ في بناء الإنسان".
دعاء الافتتاح... ترسيخ الايمان وثقافة الانتظار
دعاء الافتتاح في ليالي شهر رمضان ليس مجرد نصّ تعبّدي يُتلى، بل هو برنامجٌ عقديٌّ وأخلاقيٌّ يُرسّخ الإيمان ويُعمّق ثقافة الانتظار في الوعي الشيعي كما بيّنته مدرسة أهل البيت، وهو من الأدعية المأثورة في ليالي شهر رمضان، وقد رُوي أنه صادر عن الإمام المهدي، ويُقرأ بوصفه برنامجاً إيمانياً متكاملاً، لا مجرد نص تعبّدي.
دعاء الافتتاح يرسّخ التوحيد عبر الحمد والثناء، يعمّق الولاء عبر الصلاة على النبي وآله، يؤسس لثقافة الانتظار عبر الدعاء للإمام المهدي، ويصنع شخصيةً مؤمنةً واعيةً ومسؤولة، ولهذا كان حضوره في ليالي رمضان مدرسةً عقديةً متكاملة، لا مجرد نصٍّ شعائري، ويمكن النظر إليه من زاويتين أساسيتين: ترسيخ الإيمان وبناء ثقافة الانتظار.
أولاً: دعاء الافتتاح وترسيخ الإيمان، يبدأ الدعاء بحمد الله والثناء عليه، وذكر صفاته: الرحمة، الحلم، القدرة، الحكمة… هذا التدرّج يُنشئ في النفس معرفةً بأسماء الله وصفاته، ثقةً برحمته، توازناً بين الرجاء والخوف، فالإيمان هنا ليس انفعالاً عاطفياً، بل وعيٌ بصفات الربوبية.
عبارات الدعاء تؤكد أن الفضل كله بيد الله، وأن النعم منه، وأن الرجوع إليه، وهذا يعمّق معنى التوحيد العملي؛ أي أن يرى الإنسان الله في تفاصيل حياته، لا في الشعائر فقط، ومن أبرز معالم الدعاء التأكيد على سعة رحمة الله: (الحمد لله الذي يؤمن الخائفين، وينجّي الصالحين، ويرفع المستضعفين) هذا الخطاب يعالج الإحباط، الشعور بالذنب، القنوط من الرحمة، ويزرع بدلاً منه الثقة والإقبال.
ثانياً: دعاء الافتتاح وثقافة الانتظار، الجزء الأخير من الدعاء يتحول إلى خطاب واضح حول الدولة الإلهية المرتقبة، حيث يقول الداعي: (اللهم إنا نرغب إليك في دولةٍ كريمةٍ تُعزّ بها الإسلام وأهله وتذل بها النفاق وأهله) وهنا تتجلى أبعاد ثقافة الانتظار.
الانتظار في مدرسة أهل البيت ليس ترقباً خاملاً، بل تطلعٌ لإقامة العدل، سعيٌ للإصلاح، إعدادٌ للنفس والمجتمع، الدعاء يربط بين الإيمان الشخصي والمشروع الحضاري.
ربط العبادة بالقضية الكبرى في شهر رمضان، حيث الصفاء الروحي، يُعاد توجيه القلب نحو قضية الإمام الغائب، فيترسخ الشعور بالانتماء للمشروع الإلهي، الوعي بواقع الظلم العالمي، والأمل بزوال الطغيان، فالعبادة هنا ذات بعد سياسي ـ أخلاقي واعٍ، لا انعزالاً عن الواقع.
ونلاحظ بالدعاء بناء الهوية الجماعية، وذلك باستخدام صيغة الجمع: (اللهم إنا نرغب، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك) يغرس روح الجماعة، المسؤولية المشتركة، العمل الرسالي، فالمنتظر ليس فرداً منعزلاً، بل عنصر في أمةٍ تتحرك.
البعد التربوي للدعاء، يمكن تلخيص رسالته التربوية في ثلاث دوائر: إصلاح العلاقة مع الله (توحيد، رجاء، توبة). إصلاح الذات (تزكية، ثبات، صبر). إصلاح المجتمع (دولة العدل، نصرة الحق). وهذا التكامل يجعل دعاء الافتتاح مدرسة إيمانية متكاملة خلال شهر رمضان.
دعاء الافتتاح يعمّق المعرفة بالله، يرسّخ الثقة برحمته، يبني روح الرجاء، يربط العبادة بالمشروع المهدوي، ويحوّل الانتظار إلى ثقافة عمل وأمل، فهو ليس مجرد دعاء ليلي، بل برنامج وعيٍ إيماني وحضاري يتجدد كل رمضان.
ولأهمية دعاء الافتتاح في التحول القيمي والانتظار المنهجي تطرّق سماحته إلى "أهمّية دعاء الافتتاح عند الطائفة الإماميّة، وما فيه من أبعادٍ روحيّة واعتقاديّة، وترسيخه للإيمان بالنبوّة والإمامة واستحضار سيرتهم، وتأكيده على موقع الإمام المهديّ (عليه السلام) ضمن سلسلة الأئمّة، مع إفراد مقاطع خاصّة به، تجدّد الارتباط به وترسّخ ثقافة الانتظار".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!