RSS
2026-03-18 10:53:43

ابحث في الموقع

الحرب فى الشرق وإعادة الحسابات

الحرب فى الشرق وإعادة الحسابات
د. خالد قنديل

كيف ومتى تنتهى الحرب؟ سؤال يبدو سهلا فى منطوقه، غير أن الإجابة عنه تحتاج إلى إجابات سابقة، عن لماذا اشتعلت الحرب؟ ومن أشعل فتيل الحرب؟ وما الأطراف الخفية المقصودة من وراء الحرب؟، دفع الصراع القائم والحرب الدائرة لليوم الرابع عشر على التوالى بين واشنطن وتل أبيب من جهة وطهران على الجهة الأخرى، المتابعين فى أنحاء العالم وخصوصا فى منطقة الشرق الأوسط، إلى توقع دخول المنطقة وربما العالم كله إلى مرحلة جديدة من المواءمات وإعادة التفكير فى فلسفة العلاقات والمصالح، فضلًا عن فكرة إعادة رسم الخريطة الجغرافية بما يوافق هوى بلطجى الكيان المحتل وصبيه الأرعن فى البيت الأبيض. وقد ازدادت المخاوف من الاقتراب من استخدام الخيار النووى، وربما من جانب ترامب نفسه، الذى اتخذ من القضاء على القدرات النووية الإيرانية إحدى ذرائعه. وعليه، فإن السؤال عن نهاية الحرب لم يعد مجرد سؤال عن توقيت توقف إطلاق النار، بل صار سؤالًا أكبر عن شكل العالم والمنطقة بعد هذه الحرب، وعن الثمن الذى سيدفعه الجميع إذا استمرت آلة التصعيد فى الدوران دون ضابط أو أفق واضح.


الجميع فى الولايات المتحدة الأمريكية يتساءل: لماذا تورطنا فى هذه الحرب؟ يتساءلون ويجيبون أن ذلك كان من أجل عيون «بيبي»، وآخرون يربطونها بضغوط ورقة ملفات جيفرى إيبستن، ويذهب خبراء ومحللون إلى أن الأمر متعلق بالتوجس من التوحش الاقتصادى للنمر الآسيوى فى بكين، وقطع الطريق عليه بقطع إمدادات طاقته التى تدير مصانعه. جميعها أطروحات ودوافع لا تخفى حقيقة وواقعا صار مفروضا على مجتمع الشرق، الذى يبدأ رحلة قد تطول أو تقصر من المعاناة، بعد تنفيذ طهران تهديدها بغلق مضيق هرمز والتحول تجاه كارثة اقتصادية عالمية، بعد القفزة التاريخية فى أسعار النفط، وتوقف أكثر من 20% من إمدادات الطاقة العالمية، وتوقف نسبة كبيرة من صادرات الخليج النفطية، وما يترتب على ذلك من ارتباك الأسواق فى أوروبا وآسيا، بما يمهد الأرض نحو اتساع رقعة المواجهات العسكرية بين أطراف أخرى والوصول إلى نقطة الحرب العالمية الثالثة، خصوصا إذا تدخل الأسطول الخامس الدولى للعمل على ضمان حرية الملاحة.

هذا السيناريو المتصور والأقرب للواقع القريب، فى ظل ضلوع تل أبيب فى استمرار الحرب، فى الوقت الذى تواصل فيه طهران إطلاق موجاتها الصاروخية والتى بلغت نحو أربعين موجة، فى إطار عملية الوعد الصادق، وتأكيد الحرس الثورى الإيرانى والقائد الجديد مجتبى خامنئى، بعد اغتيال القادة المعتدلين نسبيا، أن مواصلة الحرب على الجبهات المختلفة صار الخيار الأوحد. وأمام هذا المشهد يعانى ترامب التخبط فى التصريحات، ما بين محاولة إرضاء الداخل الرافض للحرب، وإرضاء نيتانياهو الذى يريد الاستمرار، حتى خرجت أصوات رسمية أمريكية تطالب دول المنطقة ودولا عربية بالمشاركة وتوجيه الضربات إلى إيران التى فاجأت واشنطن وتل أبيب بتماسكها، بعد مظنة انهيارها.

فى خضم هذا التصعيد المتسارع، لم تعد القضية مجرد حرب عابرة يمكن احتواؤها ببيانات التنديد أو بحسابات الربح والخسارة الضيقة، بل باتت لحظة فارقة تفرض على المنطقة كلها مراجعة مواقفها وإعادة ترتيب أولوياتها. وما لم ينتصر صوت العقل، وتقدم مصالح الشعوب واستقرار الشرق على نزعات الهيمنة والتخريب، فإن الجميع سيكون أمام مرحلة أشد قسوة واتساعًا فى آثارها ونتائجها.

ومن هنا، لا بد من قراءة المشهد جيدًا بروح من العقل والاتزان، ليس فقط لتجنب التورط فى صراع يعيد الشرق بأكمله إلى القرون الأولى، بل أيضًا لإعادة الحسابات، وإعادة تقييم العلاقات، وترجيح كفة مصالح العرب والمنطقة على حساب مصلحة الكيان المحتل وواشنطن، التى يهمها أن يظل الصراع مشتعلًا فى الشرق الأوسط.


المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!