RSS
2026-04-04 13:29:08

ابحث في الموقع

الرياضة كمساحة مشتركة: استثمار الفعل الرياضي ببناء الوعي الوطني

الرياضة كمساحة مشتركة: استثمار الفعل الرياضي ببناء الوعي الوطني
بقلم: د. نور خالد

ثمة لحظات في المجتمع لا يظهر فيها الوعي بشكل مباشر، لكنها تملك قدرة واضحة على التأثير فيه بشكل غير مباشر، بحيث تتحول لاحقًا إلى نقطة انطلاق لتغيرات فردية وجماعية. وغالبًا ما تأتي هذه اللحظات في مواقف تبدو بسيطة أو عابرة، لكنها تحمل في داخلها طاقة معنوية قادرة على جمع الناس وتوحيد مشاعرهم.

صباح الأول من نيسان، لم يكن يومًا عاديًا، بل كان مختلفًا، مليئًا بإحساس جماعي مميز. كان صباح التأهل إلى نهائيات كأس العالم، حيث امتلأت الشوارع بوجوه فرِحة، وأصوات عالية بالهتاف، وأطفال يلوّحون بالأعلام. لم يكن المشهد مجرد احتفال رياضي، بل كان تعبيرًا عن حالة جماعية نادرة، اجتمعت فيها مشاعر الانتماء في صورة واحدة عفوية وصادقة.

هذه الحالة تعكس طبيعة وجدانية حادة لدى المجتمع، حيث تصل المشاعر إلى أقصى تجلياتها؛ فالفرح يبلغ ذروته كما يبلغ الحزن مداه، وهذا ما يفسر قوة التفاعل مع الأحداث، خاصة في المجال الرياضي/ بالتحديد كرة القدم.

فالرياضة لم تعد مجرد نشاط ترفيهي أو بدني، بل أصبحت مساحة مشتركة تجمع مختلف فئات المجتمع، بغض النظر عن اختلافاتهم. وهي تمثل مجالًا واسعًا للتفاعل، تُترجم فيه مشاعر الانتماء على أرض الواقع، مما يمنحها أهمية خاصة في المجتمع.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى الرياضة بمعزل عن الواقع الاجتماعي، فهي تعكس تطلعات الأفراد وتسهم في تشكيل وعيهم. ويتجلى ذلك في أنماط التشجيع والمتابعة، التي لا تقتصر على دعم الفرق، بل تعبّر عن رغبة في إيجاد نقاط مشتركة بين الناس. لذلك يبرز عالم كرة القدم بوصفه أحد أهم المجالات التي تعزز الشعور بالهوية والانتماء الوطني.

كما أن للرياضة دورًا في تعزيز التماسك الاجتماعي وبناء السلام، إذ تسهم في تقليل التوتر وخلق مساحات للتقارب. فالوعي الاجتماعي لا يتشكل بشكل منفصل، بل هو نتيجة تفاعل عوامل متعددة، مما يجعل الحدث الرياضي فرصة لإعادة تشكيل هذا الوعي.

وفي العراق، يظهر هذا الدور بشكل واضح، خاصة في ظل الأزمات التي مر بها المجتمع. فقد كانت بطولة كأس آسيا 2007 لحظة مفصلية أعادت الشعور بالفخر والانتماء. وكذلك بطولة خليجي 25 التي أُقيمت في محافظة البصرة، التي شكلت حدثًا جامعًا جمع مختلف فئات المجتمع، وخلقت حالة من التفاعل الإيجابي. ولم يقتصر تأثيرها على الجانب الرياضي، بل امتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية، حيث خففت من الضغوط وأعادت مشاعر الفرح.

كما أن التأهل إلى نهائيات كأس العالم 2026 مثّل حدثًا استثنائيًا أعاد إنتاج لحظة الفرح الجماعي، وعزز الشعور بالهوية الوطنية من خلال التفاعل الواسع الذي أحدثه.

وفي هذا الإطار، تبرز مفارقة واضحة، إذ على الرغم من وجود أيام وطنية وعطل رسمية لها، إلا أن المجتمع لا يمتلك فعليًا يومًا وطنيًا جامعًا تتجسد فيه مظاهر الفرح الجماعي والسلوكيات التي تعزز الإحساس بالهوية والانتماء. إذ تظل هذه المناسبات في كثير من الأحيان محصورة في إطارها الرسمي، دون أن تنعكس بشكل واضح في الممارسات الاجتماعية أو في التعبير الجماعي عن الفخر الوطني، وهو ما يشير إلى وجود فجوة بين الطابع الرمزي لهذه المناسبات وحضورها الفعلي في الوعي والسلوك المجتمعي.

وأظهرت هذه التجارب أن المشاركة المجتمعية، سواء في التشجيع أو التنظيم، تسهم في بناء وعي أكثر تماسكًا، حيث يشعر الفرد بأنه جزء من مجتمع أكبر. وقد انعكس ذلك في السلوك الإيجابي للجمهور العراقي، مما ساهم في تقديم صورة تعكس قيم التعايش والسلم المجتمعي.

ولا يقتصر تأثير هذه الأحداث على بعدها المباشر، بل يمتد إلى أبعاد أعمق، إذ تمثل الرياضة مدخلًا مهمًا في تعزيز الانتماء الوطني. ففي لحظات التفاعل الجماعي، يستعيد الفرد شعوره بالانتماء، خاصة بعد ما تعرض له من اهتزاز نتيجة الأزمات.

كما تلعب الرموز البصرية، مثل الأعلام، دورًا مهمًا في ترسيخ هذا الشعور، حيث تترسخ في وعي الأفراد، خصوصًا الأطفال، وتساعد في غرس معاني الهوية الوطنية.

ومن جهة أخرى، تفتح هذه الأحداث آفاقًا مهمة على مختلف المستويات، خاصة في ظل الحاجة إلى إعادة بناء المجتمع بعد ما مر به من حروب وتحديات.

وانطلاقًا من ذلك، يمكن القول إن الوعي ليس ثابتًا، بل يتشكل باستمرار من خلال التفاعل اليومي، وتعد الرياضة أحد المجالات التي تسهم في بنائه. فهي لا توحد الناس مؤقتًا فقط، بل تترك أثرًا مستمرًا يساعد في بناء مجتمع أكثر تماسكًا.

ومع ذلك، ورغم هذا الدور الإيجابي، لا يمكن الاعتماد على الرياضة وحدها كحل كافٍ، لأن تأثيرها يبقى مؤقتًا إذا لم يتم استثماره بشكل منظم. فالمشكلة ليست في خلق لحظة الفرح، بل في تحويلها إلى وعي دائم ينعكس على السلوك اليومي.

لذلك، من الضروري دعم هذه اللحظات بسياسات وبرامج تربوية وثقافية، حتى لا يختفي أثرها مع الوقت. فبدون هذا الدعم، قد يعود المجتمع إلى حالة التشتت.

ومن هنا، تبرز أهمية التعامل مع الرياضة كجزء من مشروع مجتمعي أكبر، ليس فقط للترفيه، بل كأداة لبناء الإنسان. فالاستثمار الحقيقي لا يكون فقط في الإنجازات، بل في توظيفها لبناء وعي يعزز الانتماء.

وفي النهاية، يمكن القول إن الرياضة تمتلك قدرة كبيرة على التأثير، لكنها تعتمد على كيفية استثمارها. فإما أن تبقى لحظة عابرة، أو تتحول إلى مسار طويل يسهم في بناء مجتمع أكثر وعيًا واستقرارًا.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!