RSS
2026-04-09 20:48:51

ابحث في الموقع

مجتبى الخامنئي: انتصرنا في الحرب

مجتبى الخامنئي: انتصرنا في الحرب
وجه المرشد الإيراني السيد مجتبى خامنئي، اليوم الخميس، رسالة إلى الشعب الإيراني لمناسبة مرور 40 يوما على اغتيال والده، مؤكدا أن إيران انتصرت في الحرب. وأدناه نص رسالة الخامنئي بأربعينية والده المرشد الراحل علي خامنئي:

بسم الله الرحمن الرحيم

"إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا..."

لقد مضى أربعون يومًا على واحدة من أكبر جرائم أعداء الإسلام وإيران، وعلى واحد من أثقل الأحزان العامة في تاريخ هذا الشعب؛ حزن استشهاد القائد العظيم للثورة الإسلامية، وأب الشعب الإيراني، وزعيم الأمة الإسلامية، ورائد طالبي الحق في هذا العصر، وسيد شهداء إيران وجبهة المقاومة، خامنئي الكبير.

ومنذ أربعين يومًا، تحلّ روح قائدنا الشهيد في جوار القرب الإلهي، ضيفًا على موائد الأولياء والصديقين والشهداء، وفي الوقت نفسه أو بعده نال جمع كثير من الرفاق والقادة والمجاهدين وأبناء الوطن المظلومين، من حديثي الولادة إلى كبار السن، هذا الفيض العظيم.

ومنذ أربعين يومًا وليلة، دعا الله تعالى قائد هذه الأمة إلى ميقاته، لكن هذه المرة، وعلى خلاف ما جرى في عصر كليم الله، فإن أصحاب القائد الشهيد وأمته نهضوا لإقامة الحق ومواجهة الباطل، ووقفوا كالجبل الشامخ في وجه السامري وعجله، وانهمروا على المعتدين والطغاة كحمم النار.

ومنذ أربعين يومًا وليلة، كشفت قوى الاستكبار العالمية أقنعتها المخادعة والكاذبة، وأظهرت وجهها القبيح والشيطاني المتمثل في القتل والظلم والعدوان والكذب والتكبر وقتل الأطفال والاستبداد والفساد.

وفي المقابل، ومنذ أربعين يومًا وليلة، فإن أبناء الخميني الكبير وخامنئي العزيز الشهيد، وأتباع الإسلام المحمدي الأصيل، أظهروا حضورًا مثاليًا في الميادين والشوارع وخنادق القتال، وبرغم خسائر الهجوم الوحشي للعدو، حوّلوا الحرب المفروضة الثالثة إلى ساحة لملحمة الدفاع المقدس الثالثة. وقد أثبت الشعب الإيراني الواعي واليقظ أنه، رغم حزنه الكبير على فراق قائده الشهيد، استلهم تراث عاشوراء الحسين، فحوّل الحزن إلى ملحمة، والرثاء إلى رجز، وأصاب العدو المسلح حتى الأسنان بالحيرة والعجز، ودفع أحرار العالم إلى الإعجاب. وهذه المرة، تسببت جهالة المستكبرين وحماقتهم في أن يصبح شهر إسفند 1404 بداية فصل جديد من صعود اسم إيران والثورة الإسلامية، ورفع راية إيران الإسلامية ليس فقط على جغرافيا الوطن، بل في أعماق قلوب طالبي الحق في العالم.

خصائص وفنون القائد الشهيد

هذه المناسبة فرصة طيبة للتعريف، ولو باختصار، بالقائد العظيم الشأن. نحن نتحدث عن رجل، رغم شهرته الكبيرة، لم يُعرف على حقيقته كما ينبغي. الجميع يعلم أنه كان فقيهًا بصيرًا، مدركًا لزمانه، مجاهدًا لا يعرف التعب، ثابتًا كالجبل، عالمًا ربانيًا عاملًا، من أهل الذكر والتهجد والتضرع إلى الله، والمتوسل بالمعصومين، والموقن بوعد الله من أعماق قلبه. ومن خصاله أيضًا حبه لإيران، وسعيه الدائم إلى مزيد من استقلالها، مع تأكيده في الوقت نفسه على وحدة الكلمة والانسجام الوطني، واعتباره أن الجمهورية الإسلامية بلا شعب لا معنى لها. وبرغم صلابته واقتداره، كان يملك دقة نظر ورقة ملاحظة في التعامل مع الأمور، ويولي اهتمامًا خاصًا بقدرات البلاد، ولا سيما الشباب، ويعطي أهمية كبيرة للعلم والتكنولوجيا والتقدم في ظلهما. وكان يكنّ تقديرًا خاصًا لعائلات الشهداء والجرحى والمضحين. كما امتلك خبرات متراكمة وثمينة في مجالات متعددة تمتد أحيانًا لعقود.

وفي هذه الأيام، يكثر الحديث عن فنه وذائقته الفنية ورعايته للفن. غير أن هذا الجانب، على أهميته، يبدو صغيرًا إذا قورن ببقية عناصر شخصيته ومزاياه. ومن الفنون التي عرفتها فيه بنفسي:

أولًا، فنّ تربية المجتمع وبناء أفكار الناس وأرواحهم وعواطفهم.

ثانيًا، فنّ بناء المؤسسات الهادفة، خصوصًا في السنوات الأولى من قيادته، برؤية بعيدة المدى.

ثالثًا، فنّ تمكين البنية العسكرية للبلاد، وهو ما اطّلع الشعب الإيراني على ثماره في الحربين المفروضتين الأخيرتين.

ورابعًا، قدرته على الابتكار والإبداع في الأبعاد العلمية والاستراتيجية وصناعة السياسات، وهي مواهب انعكست في السياسات العامة للنظام.

كما امتلك قدرة مميزة على صياغة المعاني عبر ابتكار ألفاظ وتراكيب بديعة في الوقت المناسب، كانت كل واحدة منها تحمل معاني كثيرة وتصنع خطابًا عامًا. ومن فنه أيضًا ما صقلته الشدائد والامتحانات، وهو فن استشراف الحوادث البعيدة. وهذه الفنون والمزايا كلها لا منشأ لها إلا العناية الإلهية الخاصة والالتفاتات المعنوية. ولعل ما جذب هذه العنايات إليه هو إخلاصه ومجاهدته المتواصلة في سبيل إعلاء كلمة الحق. ومن خصوصيات سيرته أيضًا أنه، في شبابه، ترك آفاق التقدم العلمي الظاهرة في قم، متفرغًا لخدمة والده عندما أصيب بمحنة بصرية، فكان جزاء هذا الإيثار أن ظهر مبكرًا كـ"خميني خراسان"، وصار بسرعة من أركان الفكر والنضال، مع مواصلة تقدمه العلمي. ومن المناسب اليوم أن نتعلم من سيرته روح الخير المتجرد للآخرين والمواساة، لأن هذا الخلق مع التطلع إلى رحمة الله يميّز بوضوح بين من يقف تحت راية الحق ومن يلتفون حول راية الباطل.

وفي هذه الأيام، يسمع كثيرًا أن فئات مختلفة من شعبنا تستذكر ذلك الرجل الفريد بحق وحسرة، وتتكشف شيئًا فشيئًا وجوه أخرى من جوهر شخصيته المتألقة، كما تتسع دائرة الاقتداء بأفعاله. ومن ذلك أن شعبنا العزيز تعلّم من قبضته المرفوعة لحظة استشهاده دروسًا، وصارت هذه القبضة المرفوعة لدى بعض الناس رمزًا مشتركًا للعقيدة. وهكذا يثبت مرة أخرى أن تأثير الشهيد أعظم من تأثير الحاضر، وأن صوته في الدعوة إلى التوحيد وطلب الحق ومقاومة الظلم والفساد أشد وقعًا بعد استشهاده، وأن أمنيته القلبية الكبرى، وهي سعادة هذا الشعب وسائر الشعوب المسلمة، أصبحت أقرب إلى التحقق.

انتصار الأمة الإيرانية البطلة في الحرب المفروضة الثالثة

أيها الإخوة والأخوات أبناء الوطن، حتى هذه اللحظة من ملحمة الدفاع المقدس الثالث، يمكن القول بثقة إنكم، أيها الشعب الإيراني البطل، كنتم المنتصر الحاسم في هذا الميدان. واليوم، أصبحت بشائر صعود الجمهورية الإسلامية كقوة كبرى، وانحدار الاستكبار نحو الضعف، ظاهرة أمام الجميع. ولا شك أن هذا نعمة إلهية تحققت ببركة دماء القائد الشهيد وسائر الشهداء، وبفضل توسلات الشعب إلى الله، وحضورهم المجاهد في الميادين والأحياء والمساجد، وبفضل تضحيات المقاتلين الأوفياء في الحرس والجيش وقوى الأمن وحرس الحدود. وهذه النعمة، ككل نعمة، ينبغي شكرها حتى تبقى وتنمو، وشكرها العملي هو العمل المتواصل من أجل الوصول إلى "إيران القوية".

أهمية استمرار حضور الشعب في الساحة

في هذه المرحلة، فإن ما يعد ضروريًا لبلوغ هذا الشعار والهدف الاستراتيجي للقائد الشهيد هو استمرار حضور شعبنا العزيز كما كان طوال الأربعين يومًا الماضية. فهذا الحضور ركن مهم من المكانة التي استقرت فيها إيران المقتدرة الآن. ولذلك، لا ينبغي أن يُتصور أن إعلان بدء المفاوضات مع العدو يعني أن الحضور في الشوارع لم يعد لازمًا. بل حتى لو اقتضت الضرورة دخول مرحلة من هدوء جبهة القتال العسكري، فإن مسؤولية الجماهير القادرة على الحضور في الميادين والأحياء والمساجد تصبح أشد من قبل. فهتافاتكم في الساحات تؤثر في نتائج المفاوضات، وكذلك العدد المدهش والمتزايد للمشاركين في حملة "جان‌فدا لإيران" من العوامل المؤثرة في هذه الساحة. وبإذن الله، ومن خلال هذا الحضور والاستمرار، فإن الأفق الذي ينتظر الأمة الإيرانية هو ظهور مرحلة زاهرة مشرقة مليئة بالعزة والرفعة والثراء. لقد تسلم قائدنا الشهيد قيادة النظام الجمهوري الإسلامي وهو كالغرسة التي تلقت جراحًا كثيرة من أعداء الإسلام وإيران، لكنه بعد ما يقرب من 37 عامًا ترك شجرة طيبة راسخة الجذور، ممتدة الظلال على مساحات واسعة من المنطقة والعالم. والطريق إلى "إيران أشد قوة" يمر عبر وحدة فئات المجتمع المختلفة، وهو ما كان يؤكد عليه مرارًا. وقد تحقق قدر مهم من هذه الوحدة خلال الأربعين يومًا: تقاربت القلوب، وبدأت الجليدات بين الفئات المختلفة بالذوبان، واجتمع الجميع تحت راية الوطن، ويزداد هذا الجمع يومًا بعد يوم عددًا ونوعية، حتى ممن لم يشاركوا ميدانيًا لكنهم يوافقون ذلك الحضور بقلبهم.

ملاحظات بشأن الجيران الجنوبيين والتعويضات ودماء الشهداء

وفي هذا المقام أقول لجيران إيران في الجنوب: إنكم تشاهدون معجزة، فانظروا جيدًا وافهموا جيدًا وقفوا في الموقع الصحيح، وكونوا سيئي الظن بوعود الشياطين الكاذبة. وما زلنا ننتظر منكم موقفًا مناسبًا حتى نظهر لكم أخوتنا وحسن نيتنا، ولن يتحقق ذلك إلا بإعراضكم عن المستكبرين الذين لا يفوّتون فرصة لإهانتكم واستغلالكم. وليعلم الجميع أننا، بإذن الله، لن نترك المعتدين الأشرار الذين هاجموا بلادنا، وسنطالب حتمًا بتعويض كل الأضرار، وبثأر دماء الشهداء، وبدية الجرحى في هذه الحرب، كما سندخل إدارة مضيق هرمز مرحلة جديدة. نحن لم نكن نطلب الحرب ولسنا نطلبها، لكننا لن نتخلى بأي حال عن حقوقنا المشروعة، وننظر في هذا المسار إلى جبهة المقاومة كلها على نحو متكامل.

توصيات إلى أبناء الشعب

أولًا، حتى بلوغ ما هو حق لنا، ينبغي لكل أبناء الشعب أن يراعوا بعضهم بعضًا، حتى يخفّ الضغط الناتج عن النواقص الطبيعية التي ترافق كل حرب على الفئات المختلفة. وهذه النواقص، التي توجد بنسب أكبر بكثير لدى الطرف المقابل، قد جرى احتواؤها إلى حد ملحوظ بفضل جهود الإخوة والأخوات في الحكومة ومؤسسات أخرى.

ثانيًا، إن الحذر على أسماعنا، وهي نوافذ العقل والقلب، من وسائل الإعلام المدعومة من العدو أو المنسجمة معه، أمر لازم. فهذه الوسائل ليست خيرًا لإيران ولا لشعبها، وقد ثبت ذلك مرارًا. لذا إما أن نترك أصلًا التعامل معها، أو على الأقل نتلقى ما تبثه بقدر كبير من الشك.

ثالثًا، إن الأمة الإيرانية، حتى لو خلعت لباس الحداد الرسمي بعد انتهاء مدة العزاء على استشهاد القائد العظيم، فإنها ستبقي في روحها وقلبها عزمًا حاسمًا على الثأر لدمه الطاهر ودماء جميع شهداء الحربين الثانية والثالثة، وستظل مترقبة لتحقيق ذلك.

الخاتمة

وفي الختام، أخاطب مولانا صاحب العصر عجل الله تعالى فرجه الشريف، فأقول: إننا، بإيماننا بالله تعالى وتوسلنا بالأئمة المعصومين، وبتأسينا بقائدنا الشهيد، قد وقفنا تحت رايتكم في مواجهة جبهة الكفر والاستكبار، وقدمنا شهداء أعزاء من مختلف الطبقات في سبيل عزّة البلاد واستقلالها ورفعة الإسلام والثورة الإسلامية، كما تكبدنا خسائر أخرى. ونحن الآن، بكل وجودنا، نتطلع إلى دعائكم الخاصة من أجل غلبة حاسمة على العدو، سواء في ساحة المفاوضات أو في ميدان الحرب، ونأمل أن نشهد نحن وأعداؤنا أثر تلك المعجزة في أقرب وقت، إن شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

سيد مجتبى حسيني خامنئي".

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!