ليس من المقبول عقلاً أن يقف بلدٌ يُعد من بين أغنى دول العالم بالنفط، عاجزاً أمام مشهد متكرر ومذلٍّ لاصطفاف المواطنين في طوابير طويلة أمام محطات الوقود، للحصول على كميات محدودة من البنزين. هذه الصورة وحدها تطرح تساؤلاً قاسياً: أين تذهب ثروة العراق؟ ولماذا يدفع المواطن دائماً ضريبة سوء الإدارة؟.
تحاول الجهات الرسمية في كثير من الأحيان تبرير هذه الأزمات بأعذار موسمية، كارتفاع درجات الحرارة، أو زيادة استهلاك الكهرباء، وآخر التبريرات استعمال تبريد السيارات بصورة مفرطة. لكن الحقيقة التي يدركها الجميع هي أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب الرؤية الاستراتيجية، وتتجلى في عدة مظاهر للفساد الإداري. القصور في الإشراف على شبكات التوزيع ينتج عنه عدم إنصاف وفاعلية في توزيع المنتجات النفطية على المحافظات، وضعف الرقابة على المنافذ يسرب حصص الوقود المخصصة للمواطنين نحو السوق السوداء التي تنشط بشكل لافت في أوقات الأزمات، مما يدل على وجود شبكات فساد مستفيدة من معاناة الناس. ويظهر الخلل اللوجستي التقصير في تحديث البنى التحتية للمصافي وتطوير آليات النقل، مما يخلق اختناقات مستمرة.
تتجاوز أزمة البنزين حدود الانتظار الطويل لتلقي بظلالها الثقيلة على حياة المواطنين اليومية، مما تزيد العبء المادي؛ بسبب لجوء الكثيرين لشراء الوقود بأسعار مضاعفة من السوق السوداء لتجنب تعطيل أعمالهم، أما الفقراء من الموظفين والعاملين يتم استنزف دخولهم الشهرية. الأضرار الفنية رداءة المنتج المعروض وشيوع ظاهرة البنزين المغشوش يتسببان في أضرار جسيمة لمحركات السيارات، مما يكلف السائقين مبالغ طائلة للصيانة وهذا كله يسبب شلل الحركة المباشر على قطاع النقل الخاص، الذي يؤدي بدوره إلى ارتفاع أجور النقل وتضخم أسعار السلع والخدمات.
من أجل إنهاء هذه الأزمة يتطلب قرارات شجاعة وحلولاً جذرية تتجاوز المعالجات الترقيعية، ومن أبرزها تفعيل المحاسبة والمراقبة وفتح تحقيقات شفافة في هدر الأموال المخصصة لتطوير قطاع التصفية، ومحاسبة المسؤولين عن سوء الإدارة. اضافة الى إصلاح منظومة التوزيع والاعتماد على الحوكمة الإلكترونية في محطات الوقود وإدارة الحصص لضمان وصولها إلى مستحقيها ومنع عمليات التهريب. الاستثمار الحقيقي والإسراع في إنجاز مشاريع المصافي الحديثة لزيادة الإنتاج المحلي والتوقف عن الاعتماد شبه الكلي على الاستيراد الخارجي. واخيرا كي تنتهي الأزمة نحو اصلاح أزمة البنزين هي في جوهرها انعكاس لأزمة إدارية وأخلاقية في إدارة الدولة. التوفر المؤقت للوقود لا ينهي المشكلة، بل إن الحل المستدام يكمن في بناء مؤسسات نزيهة قادرة على تحويل الثروة الطبيعية إلى خدمات حقيقية ترفع المعاناة عن كاهل المواطن.
نقطة ضوء: شهدت مدينة كربلاء، والشارع العراقي عمومًا، بوادر انفراج في أزمة المشتقات النفطية بظهور الباعة المتجولين للبنزين في مختلف مناطق المدينة المقدسة، حيث انخفض سعر اللتر من ثلاثة آلاف دينار ليرجع لسعره الأصلي ألف دينار.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!