RSS
2026-05-02 15:55:02

ابحث في الموقع

الكذب رأس الخطايا

الكذب رأس الخطايا
بقلم:حيدر عاشور

هل صحيحٌ أن الكذب هو ملح السياسة والصحافة والإعلام.. وهل أُحيل المثقف مبكراً إلى التقاعد؟

حيدر عاشور

سؤالٌ بريء: هل صحيحٌ أن الكذب بات ملح السياسة والإعلام، وهل أُحيل المثقف إلى التقاعد؟ أكرر السؤال رغم أنه عنوان الحديث؛ ففي ظل تحوّل الكذب إلى ممارسة شائعة في أروقة السياسة والإعلام، وفي الوقت الذي تسعى فيه نخبة من المثقفين والأدباء للنهوض بالواقع الثقافي العراقي، تبرز هذه التساؤلات.. نُدرك جميعاً أن الكذب رأس الخطايا، وفي جوهره خطيئة كبرى ورذيلة يجب نبذها اجتماعياً وإنسانياً، غير أن القادة والسياسيين كثيراً ما يتذرعون بالضرورة الاستراتيجية لتبرير اللجوء إليه، بدعوى تحقيق التفوق أو حماية الدولة في عالم مضطرب، حتى أضحى الكذب في نظر البعض واجباً ضرورياً في ظروف معينة.

وهنا يُطرح تساؤل: هل تعاني بعض وسائل الإعلام من انحرافات بنيوية وعقائدية ومذهبية وحزبية تجعلها تابعة للتحالفات السياسية النفعية ومنطق الهيمنة على مقدرات المناطق الغنية، بدلاً من التزام الحقيقة؟ ويرتبط هذا الواقع السياسي والإعلامي، بشكل مباشر أو غير مباشر، بمواقف المثقف العراقي الذي يسعى لبناء جيل واعٍ في ظل دولة معاصرة متنوعة الأطياف.

فمنهم مَن يركز على قضايا المجتمع ومشكلاته الراهنة، ومنهم مَن يسعى للشهرة والظهور بادعاء الدفاع عن الموضوعية والقيم، بينما يختار آخرون الهروب من الواقع تجنباً للمواجهة، فيلجأون إلى الهجرة أو النفي الداخلي. وهناك مَن انخرط في ركاب السلطة أياً كانت، في حين التزم البعض الآخر بالثقافة وقيمها، مضحين في سبيل ذلك بالمال والشهرة والمكانة، بل وحتى بالعمر والأهل.

من واقع تجربتي في العراق، أرى أن العلاقة بين المثقف والسياسي تعاني من خللٍ واضحٍ وافتقارٍ إلى التوازن الفكري؛ فالمثقف يسعى إلى ترسيخ بنيةٍ ثقافيةٍ رصينةٍ تستكمل مسيرة الرواد، متحدياً بذلك محاولات الهيمنة على وعي المجتمع. إن تصحيح هذه العلاقة لتصبح تفاعلية وإيجابية سيُسهم بلا شك في تحقيق التغيير المنشود، والنهوض بالمجتمع، وصياغة تاريخ ثقافي معاصر، انطلاقاً من كون المثقف ضميراً للأمة، ومدافعاً عن استقلالية الثقافة بعيداً عن التجاذبات الحزبية.

يحتاج مجتمعنا اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى ترسيخ مفاهيم ثقافية جوهرية قادرة على تغيير الواقع؛ كالإنسانية، والتسامح، واحترام التعددية، والعقلانية، والعدالة، والديمقراطية، وحقوق الإنسان. إن هذه المبادئ التي تستند إليها الثقافة تعد ركيزة أساسية لأي تطور حضاري، مما يبرز الدور المحوري للمثقف في توجيه صانع القرار لترسيخ هذه القيم في المجتمع. فالمثقف، بارتباطه الوثيق بقضايا الوعي والنقد، هو المسؤول عن تعزيز المبادئ السامية التي تسمو بالفرد والمجتمع. ومن خلال هذا الوعي، تتشكل لدى المواطن رؤية وطنية تحصنه من الانتماءات الهدامة التي تظهر نتيجة الجهل أو ضعف الانتماء، حيث استغل أصحاب النفوس الضعيفة غياب الوعي والاضطرابات الأمنية ليتحولوا إلى أدوات للفساد والإرهاب ضد وطنهم.

في جوهر التوعية والثقافة يكمن بناء علاقة حقيقية وتكاملية بين السياسي والمثقف؛ ومن هذا المنطلق، ندعو الحكومات العراقية المقبلة إلى تفعيل دور المثقف بدلاً من تهميشه، وإشراكه في العملية السياسية بدلاً من إقصائه، ومنحه دوراً ريادياً في مفاصل الدولة؛ فالمثقف هو من يكشف عبر نقده البنّاء انحرافات أصحاب المصالح الذين يتخذون من العمل السياسي وسيلة للثراء السريع، ويحولونه إلى تجارة للكسب الشخصي، متجاهلين مسؤولياتهم الوطنية تجاه الوطن والمواطن.

يتمتع المثقف بتأثير مباشر على السلطة الحاكمة حتى وإن عجز عن الوصول إليها. غير أن أصحاب النفوذ السياسي عمدوا إلى صناعة مثقفين على مقاسهم يتماشون مع أهدافهم، سواء أكانت في صالح المجتمع أم ضده، بينما جرى تهميش المثقف الحقيقي وإقصاؤه؛ فباتت السلطة هي من تفرض وضعية المثقف وتتحكم فيها، لا المثقف نفسه. أما المهرجانات التي يقيمها البعض، فليست إلا محاولة شكلية لإثبات وجود ثقافة رمزية تستحضر ذكرى البناة، وهي محاولات ستتلاشى تدريجياً طالما بقي المثقف خاضعاً لضغوط تهدف إلى نفيه أو إنهاء دوره، تماشياً مع سياسات الحكومات العراقية الحديثة.




المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!