RSS
2026-05-06 14:04:11

ابحث في الموقع

عقدة الرئيس القائد !

عقدة الرئيس القائد !
بقلم: د. فراس مصطفى

معظم المجتمعات التي عاشت لفترات طويلة تحت حكم الديكتاتور، لا يمكن لها أن تستوعب انتهاء الديكتاتورية بسقوط الحاكم، بل تبقى تلك الفكرة كامنة في الوعي الجمعي، وفي طريقة التفكير، وفي صورة الدولة المثالية التي يسكنها خيال الناس، فالمشكلة الحقيقية لا تكون في رحيل الرئيس المستبد، بل في بقاء (عقدة الرئيس القائد) داخل عقول الناس، تلك العقدة التي تجعلهم يعتقدون أن الوطن لا يستقيم إلا بوجود رجل واحد، قوي، صارم، حاضر في كل شيء، يقرر كل شيء، يُختزل الوطن كله في شخصه.

هذه العقدة ليست مجرد حنين سياسي، بل هي حالة نفسية واجتماعية عميقة تتشكل عبر عقود طويلة من الحكم الفردي والشمولي، حيث تعتاد الشعوب أن ترى الدولة من خلال صورة الرئيس، لا من خلال المؤسسات، وأن تربط الأمن باسمه، والاستقرار بوجوده، والخوف من المستقبل بغيابه ومع مرور الزمن، يصبح مفهوم الدولة نفسه مشوّهًا، فتتحول الجمهورية إلى مزرعة ذهنية يديرها (الأب القائد)، ويصبح المواطن غير قادر على تخيل وطن يُدار بالمؤسسات والقانون بل بالأوامر الفردية والقرارات المطلقة.

حين تسقط الأنظمة الديكتاتورية وتدخل البلاد مرحلة جديدة عنوانها الديمقراطية والتعددية السياسية، تبدأ الصدمة الكبرى فالشعوب التي لم تتربَّ على المشاركة السياسية، ولم تعش تجربة تداول السلطة، تجد نفسها أمام مشهد معقد، أحزاب متعددة، أصوات متناقضة، برلمان، معارضة، انتخابات، صفقات سياسية، نزاعات مصالح، وتأخر في الإنجاز ومن هنا تبدأ المقارنة الظالمة بين الفوضى الديمقراطية والانضباط الديكتاتوري.

في هذه اللحظة تحديدًا، يولد الحنين إلى الرئيس القائد، وهنا يبدأ المواطن بمقارنة الماضي بالحاضر (كنا نعيش أفضل، كان للدولة هيبة، كان القرار واحدًا، لم تكن هناك كل هذه الفوضى، كان هناك نظام…الخ) متناسين أن ذلك الاستقرار الظاهري كان مبنيًا على الخوف، وأن الصمت لم يكن رضا، بل قمعًا، وأن غياب الفساد المعلن لم يكن يعني النزاهة، بل يعني فقط أن أحدًا لم يكن يجرؤ على الكلام والاعتراض.

الدول التي تُضرب بها الأمثال اليوم في الديمقراطية لم تصل إلى ما هي عليه خلال سنة أو عدة سنوات، بل عبر قرون من الصراع والتجربة والتصحيح والفشل والنجاح، أما المجتمعات الخارجة من رحم الديكتاتورية، فإنها تريد أن تقفز من الاستبداد الكامل إلى مستوى الكمال برمشة عين، وعندما لا يحدث ذلك، تبدأ بالبحث عن المنقذ الفرد وتتمسك بشكل عاطفي بأي شخصية نظيفة ونزيهة تظهر فجأة في ظل الفوضى العارمة لتشكل لها ملامح شخصية (الرئيس القائد) الكامنة في مخيلتها فتبدأ بتعظيمها وتصبح محوراً حديثها وجوهر نقاشاتها عبر وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي وتكون في نظرها المنقذ الوحيد والأمل الأخير لحل أزماتها وكأن معاناتها المتراكمة يمكن أن تُحلّ بشخص واحد فقط وهذا ما يجري في عراق اليوم!!

حيث يتناسى الناس بأن أكثر الأشخاص نزاهةً ونظافةً وخبرةً ومهنية، لا يستطيع لوحده أن يغيّر حال بلد منهك، مثقل بالفساد، وممزق بالمصالح والصراعات، بلد خرج للتو من عقود من الظلم والاستبداد والتعسف والدكتاتورية ليدخل الى عالم الحرية والديمقراطية فجأة، فالحكم ليس بطولة فردية، ولا مشروعًا فرديا يُختزل بشخصية واحدة، بل منظومة كاملة تحتاج إلى عمل متناغم، وإلى مؤسسات رصينة، وإلى إرادة جماعية، ومجتمع مستعد لحماية الإصلاح لا مجرد التصفيق له.

تلك الشخصية، مهما كانت عظيمة ونزيهة ونظيفة، لا تستطيع أن تراقب موظفًا مرتشيًا، ولا يمكنها أن تتابع كل عقد الفساد، ولا أن تُصلح لوحدها ثقافة اجتماعية اعتادت التحايل على القانون ولايمكن ان تجسد شخصية الرئيس القائد التقليدية لأنها محكومة بارادات أقوى منها ويمكن أن تبتلعها بسهولة!! فالنزاهة الشخصية مهمة، لكنها لا تكفي والخبرة ضرورية، لكنها لا تصنع المعجزات وحتى الصدق الوطني لا يكون كافيًا إذا كان محاطًا بشبكات من المنتفعين والانتهازيين الذين يلتهمون الدولة وينخروها من الداخل.

المشكلة إذن ليست في غياب (الرئيس المثالي)، بل في استمرار وَهْم الحاجة إليه، هذا الوهم هو الامتداد الحقيقي للديكتاتورية،

فالديكتاتور لا يحكم فقط عبر أجهزته الأمنية، بل عبر ترسيخ فكرة مفادها أن الناس عاجزون عن إدارة أنفسهم، وأن الدولة لا تعيش إلا تحت قبضة رجل واحد وعندما يؤمن الشعب بهذه الفكرة، فإن الديكتاتور يكون قد انتصر حتى بعد رحيله!

في بلد مثل العراق، خرج للتو من حكم ديكتاتوري دام أكثر من ثلاثين عامًا ودخل فجأة في تجربة ديمقراطية مضطربة، مليئة بالأخطاء والفساد والانقسامات، تجربة لم يألفها الشعب العراقي ولم يعتد عليها، فكانت النتيجة أن كثيرًا من العراقيين لم يحمّلوا المسؤولية للطبقة السياسية وحدها، بل بدأوا يشككون في فكرة الديمقراطية نفسها، ويتمنون العودة إلى نموذج (الحاكم القوي الواحد الأوحد)، حتى لو كان ذلك على حساب الحريات والحقوق.

الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الديمقراطية لا تفشل لأن فيها تعددية، بل لأنها تُمارس داخل بيئة لم تتخلص بعد من إرث الاستبداد، والفساد لا يولد من الديمقراطية، بل من غياب المؤسسات الحقيقية، ومن استمرار العقلية القديمة نفسها بوجوه جديدة.

إن الانتقال من حكم الفرد إلى حكم الدولة ليس قرارًا سياسيًا فقط، بل هو تحول حضاري كامل بحاجة إلى إعادة بناء الإنسان قبل إعادة بناء الجدران، وإلى ثورة وعي قبل ان تكون قائمة خدمات وتعزيز المواطنة والولاء للوطن لا تعدد الولاءات الفرعية، وأن الدولة ليست شخصًا إنما مجموعة مؤسسات تعمل لرعاية مصالح الدولة وخدمة المواطن، وأن الحل لا يأتي من بطل خارق، بل من مجتمع يعرف حقوقه وواجباته، ويؤمن بأن الإصلاح مسؤولية جماعية لا معجزة فردية.

 إن أخطر ما يمكن أن يصيب شعبًا خرج من الديكتاتورية، هو أن يستمر بخلق صنم جديد وأن يبقى حبيساً في نطاق شخصية السيد الرئيس ليس حبًا للرئيس، بل خوفا من الحرية والمسؤولية والمشاركة وخوفا من الفوضى المؤقتة التي تسبق الاستقرار الحقيقي ومن الطريق الطويل الذي تتطلبه الديمقراطية ويستمر الوهم القائم على أن الأوطان لا تُبنى الا بالأفراد لكن الأصح هو بالمؤسسات مهما بدت بطيئة.

 وحين يدرك الناس أن الدولة لا تحتاج إلى منقذ، بل إلى نظام عادل، عندها فقط تبدأ رحلة الخلاص الحقيقية والخروج من عقدة الرئيس القائد.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!