RSS
2026-05-12 12:05:58

ابحث في الموقع

صدمة العودة

صدمة العودة
بقلم: د. حسين مراد كاظم

هناك لحظة صامتة يعرفها جيدًا كل من غادر إلى أوروبا ثم اضطر للعودة إلى العراق: لحظة ينهار فيها السور الوهمي بين “هنا” و”هناك”. تتذكر كيف كنت تمشي في شوارع لا تُسمع فيها إلا خطواتك، كيف كانت السيارات تقف احترامًا لضوء أحمر لا يراه أحد، كيف كان النظام كا الاوكسجين لا تشعر به إلا حين يختفي. ثم تهبط فجأة في أرض تصبح فيها إشارات المرور مجرد أعمدة من حديد تبتسم في وجه الفوضى، والقمامة قد تصبح فكرة معقدة لأن بعض البشر يعجزون حتى عن وضعها في مكانها. في تلك اللحظة، لا تشعر بالغربة فقط، بل بالصدمة الوجودية نفسها: هل كنت أحلم طوال تلك السنوات؟ أم أنني عدت إلى كوكب آخر؟

على هذه الأرصفة المكسرة أمشي وقلبي يكاد ينفجر، أشعر أن الهواء نفسه هنا مختلف، وهو بالفعل مختلف. هناك كنت أتنفس القانون كأنه شهيقاً وزفيراً، وهنا أختنق بالفوضى، ثم أسال نفسي: هل يكفيني أن أكون وحدي ملتزماً بقوانين لا يحترمها أحد؟ الجواب لا، لأن الفرد في مجتمع فوضوي ليس ناجياً، بل شهيداً صامتاً. هنا نحن لا نحتاج إلى أبطال ذو أخلاق عالية لكي يحترموا ويطبّقوا القوانين ، بل إلى ثورة تعليمية أو تجنيد إجباري يُخلخل العقول الجامدة، إلى يد قوية تُجبر المجتمع على القراءة، لأن من لا يقرأ لا يفهم القانون، ومن لا يفهمه لا يحترمه، ومن لا يحترمه يظن أن كهفه هو الحقيقة والبقية وهم..

المفارقة المروعة أن هذا الشعب الذي يعاني من أمية تتراوح بين 74.1% و85.6% حسب بيانات البنك المركزي العراقي 2026، ليس جاهلاً فقط، بل يعاني من الجهل المركب: أن تكون جاهلاً ولا تعرف أنك جاهل، وأن تدير ظهرك لأي اختلاف كأنه جريمة.

الطبقة السياسية الحاكمة لا تريد حل هذه المعضلة، بل تغذيها بدهاء، لأن الجموع المؤدلجة أسهل في القيادة من العقول النيرة. إلى أين نسير إذن بهذه الجماهير التي لا تتقبل القوانين والانظمة ولا تتحمل الاختلاف؟ هل هناك من حل لانتشالها من سجنها الأكبر، سجن العقول البشرية الذي لا ترى قضبانه لكنها تشعر بثقلها.

الحياة الاجتماعية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالحياة السياسية، فمن المستحيل أن تجعل حواجز بينهما، لأن الارتباط بينهما عاطفي وجودي، فوضى الشارع ما هي إلا مرآة فوضى الضمير. العائد من أوروبا يظن أنه وقع في غابة من الوحوش، يتخيل كيف ممكن إقناع هولاء الناس بتطبيق القانون واحترام النظام وهل التصرف الفردي وحده هو الحل، قطعاً لا، فالتعلم والشعور بالخوف من العقاب هما الخطوة الأولى نحو الحرية الحقيقية..

الحل لا يبدأ بالتساهل، بل حيث ينتهي الصبر. قوانين حازمة تطبق بلا استثناء، وخبراء يكتبون دستورًا للتفاصيل الصغيرة: كيف تعبر الطريق، كيف تنتظر دورك، كيف تختلف بلا عنف. ثم يأتي السحر الخفي: التكرار. خمس سنوات فقط من العقاب العادل كافية أن تحول الخوف إلى عادة، والعادة إلى أخلاق لا شعورية.

حينها فقط، يصبح العراق في مصاف الدول الرصينة. وعندها ننسى أوروبا كأنها ذكرى بعيدة، لا حنين فيها ولا مقارنات. ننظر إلى سنواتنا هناك كأنها حلم طويل، جميل لكنه انتهى. ونصحو أخيرًا في وطننا، كأننا لم نغادره يومًا.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!