RSS
2026-05-30 14:13:45

ابحث في الموقع

العراق بين أوهام السوق والدولة الريعية

العراق بين أوهام السوق والدولة الريعية
بقلم: د. هشام داود

لا يعيش العراق اليوم مجرد أزمة مالية عابرة، ولا حتى مجرد اختلال نفطي مرتبط بالحرب الأخيرة في الخليج أو بإغلاق مضيق هرمز، بل يعيش لحظة انكشاف تاريخية لنموذج دولة تشكل تدريجياً منذ عقود، ثم أُعيد إنتاجه بصورة أكثر تشظياً وتعقيداً وتعددًا في مراكز القوة والهويات بعد عام 2003. فالمشكلة العراقية لم تعد تتعلق فقط بتراجع الإيرادات أو تعثر التصدير أو تقلص الاحتياطي النقدي، بل بطبيعة النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي الذي شُيّد حول النفط نفسه، وتحول مع الوقت إلى بنية شاملة لإدارة السلطة والثروة والمجتمع معاً دون تحكمه تماما وفعليا بأدوات العنف الشرعية.

حكومة جديدة أمام أزمة قديمة

مضت أسابيع قليلة فقط على تشكيل حكومة السيد علي فالح الزيدي، وهي حتى الآن حكومة غير مكتملة، تفتقر إلى عدد من أهم وزرائها، وإلى رؤية اقتصادية ومجتمعية واضحة المعالم في لحظة شديدة الحساسية. ومن هنا فإن النقاش لا يتعلق بمحاكمة متسرعة لرجل جديد نسبياً على العمل السياسي التنفيذي، بل بمحاولة فهم طبيعة الاقتصاد السياسي العراقي الذي وجد الزيدي نفسه على رأسه.

فرئيس مجلس الوزراء الجديد جاء إلى السلطة من فضاء المال والأعمال الذي تشكّل بعد 2003 بفضل الدولة الريعية نفسها، أي من عالم تتراكم فيه الثروة غالباً عبر العقود الحكومية، وشبكات النفوذ. فصورة الرجل السياسية في المخيال الشعبي العراقي مرتبط بعالم “السلة الغذائية”، وعقود “القصعة العسكرية”، وبمصرف الجنوب. اسمه لم يتكرس عبر الصناعة أو الإنتاج أو المنافسة الاقتصادية الكلاسيكية، بل داخل اقتصاد ريعي تتحكم فيه الدولة وشبكاتها السياسية أكثر مما تتحكم به السوق بمعناها الحديث. بكلمة أخرى، فإن اسم السيد علي فالح الزيدي، وثروته، وموقعه داخل المشهد العراقي، تكرست جميعها على الضد تقريباً من الوصفة التي قدمها هو نفسه قبل أيام عن “الحالة الطبيعية” للاقتصاد وعلاقته بالدولة. فالرجل نفسه هو احدى نتاجات الدولة الريعية التي ينتقدها اليوم، وابن الاقتصاد الذي تتشكل فيه الثروة عبر العقود، والإنفاق الحكومي، لا عبر السوق التنافسية الكلاسيكية أو التراكم الصناعي والإنتاجي المعروف في التجارب الرأسمالية التقليدية.

وهنا تكمن المفارقة العراقية بكل وضوح : الزيدي لا يقف خارج النموذج الذي ينتقده، بل هو أحد أبرز نتاجاته. ولهذا يبدو أحياناً وكأن الرجل يصف أزمة هو نفسه جزء من بنيتها التاريخية والاقتصادية، لا مجرد مراقب لها من الخارج.

كما أن الزيدي وصل إلى رئاسة الحكومة بقدرات سياسية وبرلمانية ومؤسساتية محدودة نسبياً، وفي لحظة تتجاوز فيها الأزمة العراقية حدود المناورة التقليدية أو الخطاب السياسي العام. ولهذا كان متوقعاً، منذ الأيام الأولى، أن تبدأ حكومته بخطوة شديدة الرمزية والأهمية: إجراء تدقيق مالي وإداري واسع لحالة الدولة الفعلية، شبيه بما تقوم به الحكومات التي تواجه أزمات بنيوية كبرى؛ أي مراجعة حجم الالتزامات الحقيقية، وقدرة الدولة على دفع الرواتب، ووضع الاحتياطي النقدي، وهشاشة النظام المصرفي، ومستقبل قطاع الطاقة، ومستوى الانكشاف الاقتصادي أمام أي صدمة إقليمية جديدة.

لكن ما ظهر حتى الآن بقي أقرب إلى إدارة يومية واستعجالية للأزمة، مع استمرار هيمنة الطاقم القديم على مفاصل أساسية في إدارة الدولة، وفي مقدمتها وزارة النفط التي تبقى المصدر الوحيد لتمويل النظام برمته. وهذا ما أبقى المقاربة الحكومية، حتى اللحظة، أقرب إلى إدارة مالية قصيرة الأمد للأزمة، أكثر من كونها بداية لرؤية اقتصادية ومجتمعية استراتيجية تعيد التفكير بطبيعة الدولة الريعية نفسها وحدود قدرتها على الاستمرار (يكفي النظر الى المنهاج الحكومي).

ليست أزمة “اشتراكية” فنتازماغورية بل أزمة دولة ريعية

ضمن هذا السياق جاءت تصريحات السيد الزيدي حول “الخروج من الاقتصاد الاشتراكي” والدخول في “اقتصاد السوق”. المشكلة هنا لا تكمن فقط في العبارة نفسها، بل فيما تكشفه من التباس في فهم طبيعة الاقتصاد العراقي.

فالعراق لا يعيش أزمة ناجمة عن فائض اشتراكية أو عن هيمنة دولة تنموية قوية تخنق السوق والمبادرة الفردية، بل يعيش العكس تقريباً: دولة ريعية، زبائنية، كليبتوقراطية، تداخلت فيها السياسة بالأعمال، والحزب والفصيل المسلح بالعقود والكومشنات، والنفوذ بالسوق، وشبكات القرابة بالقرار السياسي إلى درجة بات معها الاقتصاد نفسه امتداداً للعلاقات السياسية والقرابية لا فضاءً مستقلاً عنها.

وهناك فرق جوهري بين “الدولتية” بوصفها حضوراً قوياً للدولة في الاقتصاد والتنمية والبنية التحتية والخدمات العامة، وبين الاشتراكية بوصفها منظومة أيديولوجية واقتصادية متكاملة انهارت تقريبا حيثما وجدت (الا الصين التي لها نموذجها الخاص منذ دينغ سياو بنغ عام 1979 : نظام سياسي واحد باقتصادين). فالدولة الفرنسية، على سبيل المثال، ما تزال حتى اليوم لاعباً مركزياً في النقل والطاقة والتعليم والبحث العلمي والتخطيط والصحة، وهي ربة عمل اكثر من 5 مليون موظف، كما لعبت الدولة في اليابان وكوريا الجنوبية أدواراً محورية في بناء الصناعة والتكنولوجيا. ولم يجعل ذلك من هذه الاقتصادات “اشتراكية”.

بل إن الرأسمالية الحديثة نفسها لم تُبنَ على غياب الدولة، بل على وجود دول قوية قادرة على تنظيم السوق، وحماية الصناعة، وتمويل البنى التحتية، والمستثمر والاستثمار طويل الأمد، وحماية الفرد والحريات العامة. حتى أكثر الاقتصادات ليبرالية لا تتعامل مع الدولة بوصفها مجرد عبء مالي يجب التخلص منه عند أول أزمة.

ولهذا تبدو بعض الطروحات المتداولة اليوم عند نفر من الطبقة السياسية في العراق (بمن فيهم رؤساء ميليشيات ملاحقة دوليا) شديدة التبسيط، خصوصاً حين يجري التعامل مع المؤسسات الاقتصادية العامة الخاسرة وكأن الحل الطبيعي هو تصفيتها أو بيعها بأبخس الاثمان فقط لأنها تعاني العجز. فالدولة الحديثة لا تُقاس فقط بمنطق الربح والخسارة التجارية المباشرة، لأن هناك قطاعات تقوم بوظائف سيادية واجتماعية وتاريخية خارج منطق السوق : التعليم، والصحة، والطاقة، والنقل، والبحث العلمي، والأمن الغذائي، المياه، وحماية الحدود، الخ.

النفط بوصفه بديلاً عن الاقتصاد

في الأدبيات الكلاسيكية للاقتصاد السياسي، تشير الدولة الريعية إلى الدولة التي تأتي مواردها الأساسية من ريع خارجي — غالباً من النفط والغاز — أكثر مما تأتي من النشاط الإنتاجي الداخلي أو من الضرائب. وهذا يغيّر بصورة عميقة العلاقة بين الدولة والمجتمع. فالدولة لا تحتاج إلى قاعدة إنتاجية قوية لتمويل نفسها؛ بل تعيد توزيع ثروة تأتي من خارج الدورة الاقتصادية الوطنية.

وفي مثل هذا النظام، يصبح المواطن أقل ارتباطاً بالإنتاج وأكثر ارتباطاً بالحصول على نصيب من إعادة التوزيع: وظيفة عامة، راتب تقاعدي، إعانة، عقد، امتياز إداري، أو وصول غير مباشر إلى الريع. وهنا يتحول الاقتصاد تدريجياً من اقتصاد إنتاج إلى اقتصاد انتظار، فيما تتحول الدولة نفسها إلى جهاز ضخم لإدارة التوزيع أكثر من كونها أداة لبناء الثروة.

لكن النفط لا يتحول تلقائياً إلى “لعنة”، كما تفترض بعض القراءات التبسيطية لنظرية “لعنة النفط”. وهنا تبرز أهمية أعمال الباحث الفرنسي مارك – أنطوان بيروز دي مونكلو، الذي بيّن أن الخطر لا يكمن في النفط بحد ذاته، بل في طبيعة الدولة والمؤسسات التي تدير هذا الريع، وفي قدرة النخب السياسية على تحويل الثروة الناضبة إلى قاعدة إنتاج وتنمية طويلة الأمد.

ولهذا يمكن فهم الفارق بين حالات انهارت فيها الدولة الريعية تحت وطأة الفساد والعنف وضعف المؤسسات، كما في فنزويلا أو نيجيريا أو ليبيا، وبين حالات أخرى نجحت، بدرجات متفاوتة، في تحويل جزء من الريع إلى استثمارات استراتيجية وبنى تحتية وصناديق سيادية، كما في النرويج وبعض دول الخليج.

العراق، للأسف، اتجه بصورة متزايدة نحو المسار الأول. فبدلاً من استخدام النفط لبناء قاعدة صناعية وزراعية وتكنولوجية حديثة، تحول النفط تدريجياً إلى بديل عن الاقتصاد نفسه. النفط صار يمول الرواتب، والاستيراد، والعقود، والمحاصصة السياسية، وحتى إعادة إنتاج النخب الحاكمة، إلى درجة بات معها الريع لا يغذي الاقتصاد فقط، بل يغذي النظام السياسي نفسه ويضمن استمراره.

كيف استُهلكت الوفرة النفطية؟

لقد استفادت حكومة محمد شياع السوداني من واحدة من أعلى الفترات النفطية ربحاً منذ سنوات طويلة، بعد ارتفاع أسعار الطاقة عالمياً إثر الحرب الأوكرانية. وكان العراق يمتلك فرصة تاريخية نادرة لإعادة التفكير بأسس اقتصاده الريعي.

كان يمكن لتلك الوفرة وما ورثته من ميزانية اضافية (الامن الغذائي) واحتياطي مريح من العملة الصعبة ومن الذهب والفضة أن تتحول إلى نقطة انعطاف:

إنشاء صندوق سيادي.

بناء منافذ وانابيب تصدير بديلة للنفط.

تطوير البنى التحتية.

الاستثمار في الصناعة والزراعة والطاقة.

وإصلاح النظام المصرفي.

لكن ما حدث كان العكس تقريباً. فالوفرة لم تُستخدم لإعادة بناء الاقتصاد، بل لإعادة إنتاج النظام الريعي نفسه بصورة أكثر توسعاً وشراهة. جرى توسيع الإنفاق الجاري بشكل هائل، وتضخم الجهاز الإداري أكثر (أضاف السوداني لجيش الموظفين والمتعاقدين قرابة المليون)، وتحولت الوفرة النفطية إلى أداة لتوسيع شبكات الولاء السياسي والاجتماعي عبر التوظيف والعقود والإنفاق الريعي.

وهنا تظهر إحدى أخطر مفارقات الدولة الريعية: كلما ارتفعت الإيرادات النفطية، تقلصت الحاجة السياسية إلى الإصلاح الحقيقي. فالريع النفطي يسمح للدولة بشراء الوقت باستمرار، عبر التوظيف، وتوسيع الإنفاق، وتمويل العجز، وامتصاص الغضب الاجتماعي، دون أن تضطر فعلياً إلى إعادة بناء الاقتصاد أو إصلاح مؤسساتها.

ولهذا خرج العراق من سنوات الوفرة أكثر هشاشة لا أكثر قوة. فما تزال الصناعة ضعيفة، والزراعة متراجعة، والقطاع الخاص هشاً، والنظام المصرفي محدود الفاعلية، فيما يبتلع الاستيراد الجزء الأكبر من السوق المحلية.

والأخطر أن العراق، رغم كونه واحداً من أكبر منتجي النفط في العالم، لم ينجح حتى اليوم في بناء منافذ تصدير بديلة كافية، أو خزانات استراتيجية، أو أسطول بحري لنقل النفط، أو اقتصاد قادر على امتصاص الصدمات الجيوسياسية.

من الاقتصاد الريعي إلى الكليبتوقراطية

لكن الحالة العراقية تتجاوز حتى النموذج الريعي التقليدي. فالعراق لا يعاني فقط من التبعية المطلقة للنفط، بل من تحول الدولة نفسها إلى فضاء واسع لتقاسم الثروة العامة وإعادة توزيعها داخل شبكات السلطة والنفوذ.

الكليبتوقراطية (سلطة النهب) لا تعني فقط الفساد الإداري، بل تصف نظاماً يصبح فيه الوصول إلى الدولة الطريق الأساسي للتراكم الاقتصادي. فالسياسة تتحول تدريجياً إلى وسيلة للوصول إلى الموارد والثروة والامتيازات. وفي العراق، أصبحت هذه المنظومة بنيوية. فجزء كبير من الاقتصاد يدور حول العقود والصفقات الحكومية، والمنافذ الحدودية، والمصارف، وشبكات الاستيراد، والقدرة على الاقتراب من الأحزاب والفصائل ومراكز القرار، واللجان الاقتصادية، ولجان التفاوض والمصادقة على العقود، الخ. 

وهنا تكمن المفارقة العراقية الكبرى : 

الطبقة التي تتحدث اليوم عن “اقتصاد السوق” هي نفسها الطبقة التي تشكلت ثرواتها الأساسية من الدولة، ومن العقود الحكومية، ومن قربها من السلطة السياسية، لا من المنافسة الحرة أو التراكم الصناعي الحقيقي.

ففي الاقتصادات الرأسمالية الحديثة، يتراكم رأس المال عبر الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا والمنافسة. أما في العراق بعد 2003، فإن جزءاً مهماً من الثروة الجديدة لم يتولد من الصناعة أو الابتكار، بل من العلاقة بالدولة نفسها. والدولة هنا ليست فقط منظماً للسوق، بل السوق الأكبر، ورب العمل الأكبر، والممول الأكبر، والبوابة الأساسية للوصول إلى الثروة.

ما الذي تستطيع حكومة الزيدي فعله؟

هامش الحركة أمام الحكومة الحالية محدود جداً. فالعراق يواجه تضخماً هائلاً في الالتزامات الاجتماعية والمالية، فيما يعتمد اقتصاده بصورة شبه مطلقة على استمرار تدفق النفط.

أي إصلاح حقيقي اليوم سيصطدم مباشرة بالبنية السياسية والاجتماعية التي تعيش على الريع. تقليص الإنفاق، أو إعادة هيكلة القطاع العام، أو إصلاح سلم الرواتب، أو محاصرة الاقتصاد الطفيلي، كلها خطوات تحمل كلفة سياسية واجتماعية هائلة. في المقابل، فإن استمرار الوضع الحالي لم يعد ممكناً أيضاً.

ولهذا ربما تكون الخطوة الأولى المطلوبة ليست إطلاق شعارات كبرى حول “اقتصاد السوق”، بل بناء رؤية واقعية لطبيعة الأزمة العراقية نفسها. فالعراق لا يحتاج إلى تدمير الدولة، بل إلى إعادة تعريف وظيفتها التاريخية:

من دولة توزع الريع إلى دولة تنتج التنمية.

وهذا يتطلب إعادة بناء المؤسسات، وحماية السوق بالقانون لا تقاسمه بالسلاح، والاستثمار في التعليم والبنية التحتية والطاقة والزراعة والصناعة، وتطوير نظام مصرفي فعّال، ومحاصرة الاقتصاد الطفيلي الذي تشكّل خلال العقدين الأخيرين.

لكن العقبة الكبرى تبقى في أن النخب التي يُفترض أن تقود الإصلاح هي نفسها المستفيدة من الاقتصاد الريعي القائم.

ولهذا فإن الأزمة العراقية اليوم ليست فقط أزمة مالية أو نفطية، بل أزمة نموذج دولة عاش طويلاً على وهم أن النفط قادر دائماً على شراء الوقت وتأجيل الانفجار.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!