RSS
2026-07-21 16:22:09

ابحث في الموقع

النفايات الإلكترونية.. خطرٌ يهدّد صحة العراقيين وبيئتهم

النفايات الإلكترونية.. خطرٌ يهدّد صحة العراقيين وبيئتهم
تنذر النفايات الإلكترونية في العراق بأزمة بيئية وصحية متصاعدة، إذ تُحرق أو تُفكّك عشوائياً من دون أي رقابة، مطلقةً انبعاثاتٍ سامّةً تتسرّب في الهواء والتربة والمياه، وتسبِّب أمراضاً تنفسية وسرطانية خطيرة.

بينما تتسارع وتيرة استخدام الهواتف الذكية والحواسيب والأجهزة الكهربائية، تتراكم في العراق مشكلة بيئية لا تحظى بالاهتمام الكافي؛ إذ تتحوّل الأجهزة القديمة والمعطلة إلى نفاياتٍ إلكترونية تحمل في مكوّناتها موادَّ شديدة الخطورة على الإنسان والبيئة.

ويُقدّر "مرصد العراق الأخضر" في بيان نشره أخيراً، حجم النفايات الإلكترونية التي ينتجها العراق بنحو 150 ألف طن سنوياً، محذّراً من تحوّلها إلى أزمة بيئية وصحية متصاعدة في ظلّ غياب منظومة وطنية متخصّصة لجمع هذه المخلّفات ومعالجتها وإعادة تدويرها. وتشير تقديرات المرصد، المستندة إلى عدد السكان ومتوسط معدلات إنتاج النفايات الإلكترونية وفق المؤشرات الدولية، إلى أنّ بغداد تتصدر المحافظات العراقية من حيث حجم هذه المخلّفات بما يراوح بين 60 و90 ألف طن سنوياً، فيما تأتي البصرة في المرتبة الثانية بنحو 25 إلى 40 ألف طن.

لكن الخطر لا يكمن فقط في كمية النفايات المتراكمة، بل في طريقة التعامل معها؛ إذ ينتهي جزء كبير منها في المكبّات البلدية أو يخضع للحرق والتفكيك العشوائي في مناطق السكراب (الخردة)، وهي ممارسات قد تؤدي إلى إطلاق مركّبات سامّة مثل الرصاص والزئبق والكادميوم والديوكسينات في الهواء والتربة والمياه.

يقول خبراء بيئيون إنّ النفايات الإلكترونية تختلف عن النفايات المنزلية التقليدية، لأنّها تحتوي على خليط معقّد من المعادن والبلاستيك والمواد الكيميائية، بعضها يمكن أن يبقى في البيئة لفتراتٍ طويلة ويؤثر في النّظم البيئية والكائنات الحيّة.

ويكشف الخبير البيئي أحمد حسن، أنّ "النفايات الإلكترونية تبدو للوهلة الأولى مجرد أجهزة قديمة فقدت قيمتها، لكنّها في الحقيقة مخازن لمواد كيميائية ومعادن يمكن أن تتحوّل إلى ملوّثات خطيرة إذا لم تتمّ إدارتها بطريقة علمية".

ويشير إلى أنّ "حرق الأسلاك والأجزاء البلاستيكية الموجودة في الأجهزة الإلكترونية، بهدف استخراج النحاس أو المعادن الأخرى، يمثّل أحد أكثر الأساليب خطورة، لأنّ درجات الحرارة غير المناسبة قد تؤدّي إلى انبعاث مركّبات سامّة تنتقل مع الهواء لمسافاتٍ بعيدة".

"هذه المواد الكيميائية والمركّبات المختلفة الموجودة في المخلّفات الإلكترونية، لا تختفي عند رميها أو معالجتها بطرق غير صحيحة، فقد تستقر في التربة أو تنتقل إلى مصادر المياه، ومن ثم تدخل في السلسلة الغذائية"، بحسب الخبير البيئي أسعد كاظم.

ويوضح أنّ "النباتات قد تمتص بعض العناصر الثقيلة من التربة الملوّثة، فضلاً عن أنّ الحيوانات التي تتغذى على هذه النباتات يمكن أن تصبح بدورها جزءاً من دائرة التلوّث". ويرى كاظم أنّ "التأثير لا يقتصر على المناطق التي تُفكّك فيها الأجهزة، إذ إنّ الملوّثات الناتجة عن الحرق يمكن أن تنتقل بفعل الرياح، ما يجعل المناطق الزراعية القريبة عرضةً لتراكم بعض العناصر السامّة".

ويلفت إلى أنّ "التربة التي تتعرّض للتلوث بالمعادن الثقيلة قد تفقد جزءاً من قدرتها على دعم نمو النباتات بشكل طبيعي، ويمكن أن تتأثر الكائنات الدقيقة الموجودة فيها، وهي عناصر أساسية للحفاظ على خصوبة الأرض ودورتها الطبيعية".

وبينما يركّز الخبراء البيئيون على أثر هذه المخلّفات في الطبيعة، يرى أطباء متخصّصون أنّ الجانب الصحي يمثّل الوجه الآخر للأزمة، خصوصاً بالنسبة للأشخاص الذين يتعاملون يومياً مع النفايات الإلكترونية من دون وسائل حماية.

ويقول الطبيب المتخصّص بأمراض الصدر، أحمد الجبوري، إنّ "التعرّض المستمر للأبخرة الناتجة عن حرق النفايات، ومنها النفايات الإلكترونية، يُعدّ أحد أسباب المشكلات الصحية المتعددة التي يعاني منها العراقيون، والتي ارتفعت نسبتها في الأعوام الأخيرة، خصوصاً عندما يحدث ذلك في أماكن مفتوحة أو داخل تجمّعات سكنية".

ويشرح الجبوري أنّ "المعادن الموجودة في بعض مكوّنات الأجهزة الإلكترونية، يمكن أن تؤثّر في أجهزة مختلفة من جسم الإنسان عند التعرّض لها لفتراتٍ طويلة، وتؤدّي بالتالي إلى أمراضٍ في الجهاز التنفسي، وإلى أمراضٍ أخطر منها، مثل أمراض السرطان التي تشهد ارتفاعاً بين العراقيين".

ويشير إلى أنّ "العاملين في جمع وفرز وتفكيك النفايات الإلكترونية هم الأكثر عرضة للخطر، لأنّهم غالباً ما يتعاملون مع الأجهزة المكسورة أو يحرقون مكوّناتها لاستخراج المعادن منها، من دون ارتداء معدّات وقاية مناسبة".

في المناطق القريبة من مواقع حرق النفايات، لا يحتاج السكان إلى دراسات مخبرية لإدراك حجم المشكلة، إذ يقولون إنّ "الروائح والأدخنة صارت جزءاً من حياتهم اليومية". تسكن سعاد مهدي على مسافة نحو كيلومتر واحد من موقع تجميع النفايات، وتقول: "في بعض الأوقات نشمّ رائحة قوية تشبه احتراق البلاستيك، فندرك أنّ بعض ما يُحرق ليس فقط نفايات عادية". وتضيف: "نشعر بالقلق، خصوصاً على الأطفال، لأنّهم يلعبون في المنطقة ذاتها، ولا نعرف ما الذي تحمله هذه الأدخنة".

وتتكرّر المخاوف نفسها لدى سكان آخرين يعيشون بالقرب من مواقع الحرق، إذ يقول علي حسن: "أحياناً يبدأ الحرق مساءً، وعندما تهبّ الرياح يصل الدخان إلى المنازل. الرائحة خانقة وتسبّب الصداع لدى بعض الأشخاص".

ويتابع: "نرى أشخاصاً يبحثون عن المعادن داخل أكوام النفايات، وبعضهم يحرق أجزاءً من الأجهزة للحصول على ما يمكن بيعه، لكن ما من رقابة واضحة تضبط هذه العمليات".




المصدر: العربي الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!