عادة ما أفضل المسير في شوارع باريس على وسائط النقل حيث يمكنني المشي من التمتع بجمال المدينة، فهي ليست فقط مدينة النور التي تشع ليلا بنورها وتتلألأ فيها أهم معالمها، برج إيفيل، شارع الشانزليزيه، متحف اللوفر وغيرها، انما تتميز نهارا بخضرتها وكأنها سجادة فارسية عتيقة حِيكَت بأيدي أمهر حائكي السجاد، سجادة يسودها لون الاشجار الأخضر الذي تتخلله الوان الزهور البراقة والمنسقة بعناية فائقة، تتزاحم في رأسي اسئلة كثيرة، هل يمكن لمدن العراق ان تصبح مثل باريس؟ وهل سوف تعود بلاد الرافدين جنة الشرق وقبلة العالم القديم بعدما انهكها الاهمال وحول جنانها اللاهثون خلف المال الى عشوائيات بعدما جرفوا بساتينها الغناء؟
في هذه الاثناء أخرجتني صفارات الشرطة وأبواق السيارات من ذلك الحلم الذي بات صعب التحقيق، توقفت بدافع الفضول لأعرف ما الذي يحدث، فإذا بمنظر غير مألوف أو متوقع، عشرات الجرارات الزراعية الضخمة تزحف بهدوء كأنها سلاحف تخرج من البحر نحو الشاطيء، انها تسير في قلب العاصمة في الوقت الذي كانت لا ترى فيه شارعا معبداً لانها صنعت للمزارع البعيدة عن المدن!! تحول المشهد الى احتجاج منظم، اصطفت الجرارات قرب مبنى البرلمان وترجل سائقوها وانظموا لزملائهم المزارعين الذين تجمعوا بملابس الزراعة يحملون الفؤوس والمعاول والمناجل واضعين سلالا مملوءة بالبطاطا والقرع والباذنجان ومحاصيل اخرى في مشهدٍ رمزي معبرٍ لمطالبة البرلمان الذي يمثل القانون بحماية اراضيهم وحقوقهم ومستقبل مهنتهم التي توارثوها عن اسلافهم.
في تلك اللحظة، رجعتْ بي الذاكرة الى ثلاثين عامًا مضت، تذكرت ذلك البستان الوارف، الأرض التي ورثتها عائلتي عن اجدادي وحافظت عليها كما يحافظ المقاتل على رايته مرفوعة في ساحات الوغى فالأرض لا تقل قيمة عن العِرض!!
أكثر من مئة وثلاثين نخلة، تضم عشرة أصناف من التمور، إضافة إلى البرتقال والليمون والنارنج والرمان والعنب والتين وشجرتي السدر، وغيرها من الأشجار المثمرة كانت جميعها تزين ذلك البستان العامر الذي كان يشغل أكثر من عشرين دونمًا، فيما كانت الأراضي المحيطة تُزرع بالخضراوات في مختلف المواسم، في لوحة زراعية نابضة بالحياة والعمل والإنتاج.
كانت الخلافات البسيطة تنشأ أحيانًا بين الجيران حول مياه السقي أو حدود الأراضي، لكنها لم تكن يوما تعبيرًا عن النزاع، بقدر ما كانت دليلًا على قيمة الأرض في نفوس أصحابها، وحرصهم على كل شبر فيها أن يكون مثمراً، لم تكن تسقى بالماء فقط بل بالعرق والدم أيضاً.
لم تكن تلك الأيام مجرد ذكريات جميلة، لكنها كانت صورة لبلد يعرف قيمة الأرض، تاريخ يمتد لالاف السنين، حتى الأشجار حين تشيخ وتموت، لا يهون عليها الا ان تموت واقفة لأنها عنوان الشموخ والرفعة وكان العراقي حتى عقود مضت يُدرك أن الزراعة ليست مهنة عادية، بل هي الاستقرار وهي الكرامة والسيادة.
تعلمت من وقوف الفرنسيين أمام برلمانهم دفاعًا عن حقوقهم درسا بليغا، فالاحتجاج هنا سلميا بكل ما تعني الكلمة وليس فوضى او تخريب، ووجدت انه ليس كل من يخرج إلى الشارع غوغائيًا،
فالتظاهر والاحتجاج والمطالبة بالحقوق المشروع والدفاع عن قضية هي أرقى صور المواطنة، لأنها تعبير مشروع عن رفض الظلم والدفاع عن الحقوق قبل أن تُسلب بصمت، وهو مشهد لم نرَهُ في العراق منذ عقود، فقد غاب صوت الفلاح بعد ان اضطر لترك ارضه مرغما بسبب سوء ادارة الدولة والاهمال الذي طال هذا القطاع الفعال، وغابت معه الاصوات المطالبة بالدفاع عن الأرض والمنتج الزراعي حين غاب دور الجمعيات والنقابات الفلاحية بعد أن تحولت الى مؤسسات شكلية لا تقدم ولا تؤخر.
في العراق، لم تكن الزراعة قطاعًا اقتصاديًا فحسب، بل كانت إحدى ركائز الأمن الغذائي القومي، فلا أمن غذائي بلا فلاح، ولا اقتصاد متين بلا أرض منتجة، ولا دولة قوية إذا كان غذاء شعبها مرهونًا بالاستيراد.
لقد وجد الفلاح نفسه وحيدًا في مواجهة الخسائر وانعدام حماية المنتج المحلي بغياب تطبيق القانون الذي يحميه والسياسة الحكومية التي تضمن شراء محصوله بسعر عادل، وانعدام الادارة الرشيدة للمياه والسكوت الحكومي المطبق عن تجاوزات دول الجوار على حصصه المائية المقررة بالمواثيق الدولية، واختفاء الرؤى الاستراتيجية التي تجعل من الزراعة قضية سيادية وليست مجرد قضية ثانوية تكاد لاتذكر.
ليس هينا على الفلاح ان يهجر ارضه التي عاش فيها واكل منها وسهر على رعايتها وعاش فيها اسلافه وفيها زرعوا ذكرياتهم مثلما زرعوا الاشجار،
وحين يفرغ الريف من سكانه، لا تتراجع الزراعة وحدها، بل يختل التوازن الاجتماعي والاقتصادي برمته، والاخطر من كل هذا وذاك هو الصمت، فالأرض التي لا يدافع عنها أصحابها تُغتصب بهدوء، وتُدفن تحت مشاريع عشوائية لا تخدم إلا مصالح ضيقة، ولاقيمة للارقام المالية مهما زادت الاصفار على يمينها، فالاموال لا تعيد نخلة نادرة عمرها عقود ولا تساهم في توازن بيئي حققته الاشجار ولا تمنع التلوث ولا تحافظ على نظام اجتماعي مستقر ومن أخطر مظاهر هذا الواقع هو تجريف البساتين، وقطع أشجار النخيل، ودفن التربة الخصبة تحت الإسمنت لتحويل الأراضي الزراعية إلى أحياء سكنية بدون تخطيط عمراني مسبق في ظل غياب تشريعات رادعة، وخطط وطنية جادة، وإرادة سياسية حقيقية تحمي ما تبقى من الرقعة الزراعية.
إن الدفاع عن الزراعة ليس ترفًا، بل واجبا وطنيا، ومن يتنازل عن حقه في أرضه يتنازل تدريجيًا عن وطنه، فالحقوق لا تُحمى بالنوايا الحسنة، ولا بالشعارات الرنانة، ولا بالصمت إنما تُحمى بالوعي والضغط المشروع والمطالبة العادلة وإلزام الدولة بوضع سياسات تحمي الأرض والفلاح وتضمن استدامة الإنتاج الزراعي، فالزراعة ليست شأنًا يخص الفلاح وحده، بل هي مسؤولية شعب بأكمله، ومن يفرط بها، إنما يفرط بأمن العراق، وسيادته، ومستقبل أجياله.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!