RSS
2026-08-01 20:29:36

ابحث في الموقع

النفط والكهرباء تتصدران لائحة الفساد في العراق.. لماذا؟

النفط والكهرباء تتصدران لائحة الفساد في العراق.. لماذا؟
بقلم: سعد جاسم الكعبي

ليست مصادفة أن تتصدر وزارتا النفط والكهرباء كل تقارير هيئة النزاهة والقضاء منذ عام 2003 حتى اليوم. فالوزارتان ليستا مجرد وزارتين خدميتين، بل هما قلب الدولة الريعية. فالنفط يمثل المصدر الرئيس لإيرادات الدولة ويسهم بأكثر من 90% من موارد الموازنة، وخلال عام 2025 وحده تجاوزت الصادرات 1.2 مليار برميل، أما الكهرباء فهي الوجه الآخر للنفط، تستهلك معظم الغاز والوقود الذي تنتجه الأولى، ومن يسيطر على هاتين الحلقتين يسيطر على تدفق المال في البلد.

الضغوط السياسية والحزبية، التي لم تتفق فيما بينها يوماً لخدمة البلد، جعلت من وزارة الكهرباء كمثال ساحةً للصراعات والتسقيطات السياسية، ولكي لا يُسجل النجاح لصالح هذه الكتلة أو تلك، والأهم من ذلك هو ما تكشفه خبايا العقود التي أبرمتها وزارة الكهرباء، والتي أوصلت القطاع إلى الفشل التام.

وما تم إنفاقه من ميزانية الدولة العراقية هو عشرات المليارات من الدولارات، كانت تكفي لبناء شبكات كهربائية حديثة بمواصفات تضاهي الشبكات في الدول المتقدمة، إلا أن الفساد والهدر المالي وسوء الإدارة حال دون معالجة الأزمة، لتستمر أزمة الطاقة الكهربائية في العراق، وتستمر معها معاناة المواطنين التي تتفاقم في أشهر الصيف، وليزداد الفاسدون فساداً وعبثاً بمقدرات الدولة والحجم الهائل للمال يجعل الرقابة مستحيلة.

في النفط، كل عقد واحد يساوي ميزانية وزارات كاملة: عقود الأرصفة النفطية في البصرة، وعقود التراخيص، والمصافي، وبيع زيت الوقود، وتهريب المشتقات. وقد اعترفت الحكومة نفسها بوجود شبهات فساد في إحالة وتنفيذ عقود المشاركة والاستثمار والتشغيل المشترك للأرصفة النفطية وضعف جدواها والغبن الواضح في حصة الدولة.

وفي الكهرباء، العقود ليست للإنتاج فقط، بل لشراء محطات وصيانتها واستيراد وقود وشراء طاقة من شركات خاصة واستيراد كهرباء من الخارج، وكل صفقة تمر عبر وسطاء.

المحاصصة الحزبية حولت الوزارتين إلى غنيمة، فمنذ 2003، النفط لجهة والكهرباء لجهة أخرى. الوزير يتغير لكن الوكلاء والمدراء العامين ومسؤولي العقود يبقون لأنهم ممثلو الأحزاب. ولهذا عندما تُكشف قضية تُكشف شبكة كاملة، كما حصل في قضية وكيل وزارة النفط التي قادت لاعتقال عشرات المسؤولين والنواب ورجال الأعمال، وقد أعلن المتحدث باسم حكومة علي الزيدي في 11 حزيران 2026 إحالة ملفات فساد في النفط والنقل والكهرباء إلى النزاهة، وقال: “الفساد يرتبط بعلاقة نفعية بين فاسد وغطاء يحمي حركته”.

سرقة لا تحتاج لاختراق، بل لتوقيع. هو فساد قانوني الشكل:

• تضخيم الكلفة: محطة تكلف 200 مليون دولار تُسجل بـ 400 مليون.

• عقود وهمية للصيانة: محطة معطلة منذ سنوات ولها عقد صيانة سنوي.

• الوقود الأسود: تزويد المصافي بنحو مليون برميل يومياً وتحويله وبيعه بفارق هائل في السوق السوداء.

• الغاز المحروق: حرق نحو 700 مليون قدم مكعبة من الغاز المصاحب يومياً ثم شراء غاز ووقود بمليارات الدولارات لنفس المحطات.

ضعف الردع وخروج الأموال من النظام

حتى عند الاكتشاف يكون المال قد خرج، ففي قضايا 2024-2025 صودر أكثر من 85 مليون دولار في قضية وكيل وزارة النفط، وعُثر على نحو 20 مليار دينار مدفونة في مخازن التبن بمزرعة تابعة للمسؤول في أربيل. الأموال تُهرب عقاراً في دبي وتركيا وعمان فلا يمكن استردادها.

الحلقة المفرغة بين النفط والكهرباء

الكهرباء تقول لا يوجد غاز، والنفط يقول لا يوجد استثمار و النتيجة أننا نحرق غازنا ونشتري غازاً ووقوداً وكهرباء جاهزة والمواطن بلا كهرباء. والمنظومة تربح من الفشل، فالانقطاع يبرر عقود المولدات واستيراد الطاقة، وغياب العدادات يبرر الجباية الجزافية.

والحل ليس بتغيير وزير، بل بأربع خطوات:

• علنية العقود ونشرها كاملة بسعرها ووسطائها.

• فصل السياسة عن المناصب الفنية وتحويل الشركات إلى شركات ربحية مهنية.

• ربط النفط بالكهرباء بعقد واحد لا يوقع إلا بميغاواط منتجة فعلياً مقاسة بالعداد.

• الدفع الإلكتروني والجباية الذكية بعداد لا يمكن التلاعب به.

ما لم تُقطع الصلة بين التوقيع والحماية الحزبية، ستبقى الوزارتان بمثابة البنك المركزي غير الرسمي للفساد في العراق.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!