RSS
2026-08-15 16:37:34

ابحث في الموقع

حين تتأخر الرواتب.. تدفع النساء كلفة أكبر للأزمة المالية في العراق

حين تتأخر الرواتب.. تدفع النساء كلفة أكبر للأزمة المالية في العراق
بقلم: لمى سلمان

"وآني أفتح ثلاجتي.. تذكرت أني من الأوائل وحائزة على جائزة الطلبة المتفوقين، وتذكرت أني مخلصة بكالوريوس وماجستير وحالياً أستاذة في جامعة بغداد، وحالي حال كل اللي ينتظرون الرواتب.. إلى متى؟".

بهذه الكلمات اختصرت موظفة حكومية عراقية، في منشور على مواقع التواصل الاجتماعي، مفارقة قاسية، سنوات من التعليم والعمل والترقي المهني لا تكفي لحماية صاحبها حين تعجز الدولة عن دفع الراتب في موعده.

لكن خلف أزمة الراتب تختبىء قصة تتعدى الموظف الذي ينتظر مستحقاته. ففي مجتمع تتحمل فيه النساء جزءاً كبيراً من مسؤوليات الرعاية الأسرية، يمكن أن تتحول الأزمة المالية من مشكلة في حسابات الدولة إلى أزمة داخل المنزل، طعام محدود، علاج مؤجل، مصاريف مدرسية يصعب تأمينها، وعمل رعاية إضافي يقع في الغالب على عاتق النساء، هذه الكلفة لا تظهر عادة في جداول الموازنة.

اقتصاد يتعكز على النفط

تكشف الأزمة الحالية هشاشة نموذج اقتصادي ظل العراق يعتمد عليه لعقود. فالاقتصاد العراقي يعتمد بشكل أساسي على النفط، الذي يوفر الغالبية العظمى من إيرادات الدولة، ما يجعل الموازنة العامة شديدة التأثر بتراجع أسعار النفط الخام أو تعطل طرق تصديره.

ويضاف إلى ذلك تضخم الإنفاق العام، ولا سيما الإنفاق التشغيلي، والنمو السكاني السريع، وترهل الجهاز الحكومي، وضعف قدرة القطاع الخاص على توليد فرص عمل تكفي لاستيعاب الأيدي العاملة. وفي مثل هذا الاقتصاد، يمكن لأي انخفاض حاد في الإيرادات النفطية أن ينتقل سريعاً من خزينة الدولة إلى جيوب المواطنين، غير أن هذه الصدمة لا تصيب الجميع بالطريقة نفسها، فالنساء يتلقين الأزمة من موقع اقتصادي هش أساساً. 

لا تتجاوز مشاركة النساء العراقيات في القوى العاملة نسبة 13%، كما يتركز جزء كبير من النساء العاملات في القطاع العام؛ إذ تشير البيانات إلى أن نحو 74% من النساء العاملات بأجر يعملن في هذا القطاع، ولسن بالضرورة في مأمن لمجرد أنهن موظفات حكوميات.

فعندما تتراجع إيرادات الدولة وتزداد الضغوط على الموازنة، قد تتمثل الاستجابة في تأخير الرواتب، أو تجميد التوظيف والترقيات، أو تقليص بعض المخصصات، أو ترك الأجور الاسمية ثابتة بينما تلتهم زيادة الأسعار جزءاً من قيمتها الحقيقية.

وهنا لا تفقد المرأة وظيفتها شكلياً، لكنها قد تفقد جزءاً من الأمان الذي يفترض أن توفره هذه الوظيفة، فالراتب الذي يصل متأخراً أو الذي تتراجع قوته الشرائية لا يؤدي الوظيفة الاقتصادية والاجتماعية نفسها التي كان يؤديها قبل الأزمة، وقد تكون النتيجة تآكلاً بطيئاً لمكاسب اقتصادية اجتهدت النساء سنوات لتحقيقها.

القطاع الخاص يصاب بالعدوى سريعاً

قد يبدو للوهلة الأولى أن المشكلة تخص الموظفين الحكوميين، لكن اقتصاداً يعتمد فيه الاستهلاك المحلي بدرجة كبيرة على الرواتب الحكومية يجعل حدود التأثير أوسع بكثير.

في منشور يناقش تداعيات الأزمة، كتبت موظفة في شركة أهلية: "آني بسبب الأزمة طلعوني وطلعوا نص الموظفين ودمجوا وظائف".

أما صاحبة صفحة إلكترونية لبيع الملابس، فلخصت الترابط بين القطاعين بصورة واضحة "شغلي تأثر كلش، الأرباح قليلة واللي يحجزون ميستلمون طلباتهم إلا تنزل الرواتب. احنه بلد ريعي، حتى القطاع الخاص معتمد على الرواتب".

هاتان الشهادتان تكشفان سلسلة اقتصادية بسيطة لكنها مؤثرة فعندما يتأخر راتب الموظف الحكومي، يؤجل شراء الملابس أو الطعام غير الأساسي أو الخدمات ويتراجع الطلب على المحال والمطاعم والمشاريع الصغيرة، فتتراجع مبيعاتها، ثم تبدأ بدورها بتقليل النفقات أو ساعات العمل أو عدد العاملين. وهكذا تنتقل أزمة الخزينة العامة إلى القطاع الخاص.

بالنسبة إلى النساء، يمكن أن تكون الضربة أشد، خصوصاً للعاملات في الوظائف الهشة وغير الرسمية فالعمل غير الرسمي يعني، في أبسط تعريفاته، عملاً لا يتمتع العامل فيه بالحماية القانونية والاجتماعية الكاملة؛ فقد لا يكون هناك عقد واضح، أو اشتراك في الضمان الاجتماعي، أو إجازة مرضية مدفوعة، أو حماية كافية عند الفصل، وعندما تدخل الشركات في مرحلة تقليص النفقات، تكون الفئات الأقل حماية أسهل استبعاداً من سوق العمل.

الخطر هنا لا يتمثل فقط في خسارة دخل شهر أو شهرين، وإنما في دفع بعض النساء خارج سوق العمل الرسمي أو شبه الرسمي نحو أعمال أقل أجراً وأكثر هشاشة، أو إخراجهن من النشاط الاقتصادي كلياً.

الأزمة ليست محايدة بين الجنسين

نادراً ما تكون الصدمات الاقتصادية الكبرى، والسياسات التقشفية التي تليها محايدة، فالأسرة التي ينخفض دخلها لا تستطيع ببساطة إلغاء حاجتها إلى الطعام أو التعليم أو رعاية الأطفال وكبار السن والمرضى، وما يحدث في كثير من الأحيان هو إعادة توزيع هذه الأعباء داخل الأسرة، وهنا تظهر كلفة لا تسجلها الموازنات الحكومية (عمل النساء غير مدفوع الأجر).

عندما تقلل الدولة الإنفاق على الخدمات الصحية أو الاجتماعية، لا تختفي الحاجة إلى تلك الخدمات، وإذا أصبح الحصول على العلاج أصعب، أو ارتفعت كلفته، أو تراجع مستوى الخدمات العامة، تنتقل بعض المسؤوليات التي كانت تتحملها المؤسسة العامة إلى المنزل، وغالباً ما تكون المرأة هي من تملأ هذا الفراغ.

قد تضطر إلى قضاء ساعات أطول في رعاية طفل أو مسن أو مريض، أو البحث عن خدمة أرخص، أو إدارة ميزانية منزلية تتقلص شيئاً فشيئاً، أما إذا كانت تعمل خارج المنزل، فإنها تجمع بين العمل المدفوع والعمل المنزلي والرعائي غير المدفوع، هذا ما يسمى (فقر الوقت) وهو أن تكون للمرأة مسؤوليات كثيرة إلى درجة تقل معها قدرتها على العمل أو التعلم أو الراحة أو تطوير مهاراتها، بهذا المعنى، تصبح المرأة نوعاً من حائط الصد غير المرئي للاقتصاد؛ إذ تعوض جزء من تراجع الخدمات والدخل بزيادة العمل غير المدفوع داخل الأسر.

شح الأموال يتسرب إلى المطبخ والمدرسة

تتجاوز آثار الأزمات الاقتصادية سوق العمل لتصل إلى التغذية والصحة والتعليم، فعندما يرتفع سعر الغذاء وينخفض الدخل الحقيقي للأسرة، تبدأ عملية قاسية لترتيب الأولويات، وتظهر دراسات الأزمات الاقتصادية أن أنماط توزيع الغذاء داخل بعض الأسر قد تتأثر بحسب الأدوار الاجتماعية إذ تقلل بعض النساء استهلاكهن أو جودة غذائهن لضمان حصول الأطفال وبقية أفراد الأسرة على احتياجاتهم، والأمر نفسه ينطبق على التعليم.

في الأسر التي تتعرض لضائقة اقتصادية شديدة، يمكن أن يرتفع خطر انقطاع الأطفال عن الدراسة، وفي المجتمعات التي تعاني أصلاً من تفاوتات فرص التعليم بين الذكور والإناث، تكون الفتيات عرضة بصورة خاصة لأن تتحول الأزمة المؤقتة إلى خسارة تعليمية طويلة الأمد تستمر آثارها حتى بعد تحسن أسعار النفط وعودة الرواتب إلى الانتظام، وهنا تكمن خطورة الأزمة الحقيقية.

فالفتاة التي تنقطع عن المدرسة، والمرأة التي تخرج من سوق العمل، والعاملة التي تنتقل إلى وظيفة غير رسمية بلا ضمان اجتماعي، لا تستعيد بالضرورة موقعها السابق بمجرد انتهاء الأزمة.

الخزينة تعاني والمستشفيات أيضاً

من أكثر جوانب التقشف خفاءً أن الحكومات قد تحافظ قدر الإمكان على الرواتب المباشرة، لكنها تخفض ما يسمى النفقات غير المتعلقة بالأجور مثل الأدوية، والمستلزمات، والخدمات الاجتماعية، والصيانة والبرامج المساندة، وقد يبدو ذلك أقل إيلاماً من تخفيض الرواتب، لكنه حتماً ينقل الكلفة إلى الأسرة.

فإذا لم يعد المستشفى يوفر دواءً كان يقدمه سابقاً، لا تواجه الأسرة كلفة شرائه فقط؛ فقد تحتاج أيضاً إلى وقت وجهد إضافيين للحصول عليه أو استبدال رعاية المريض في المستشفى بالرعاية المنزلية، وإذا تقلصت خدمات رعاية الأطفال، تصبح الأسرة مسؤولة عن سد هذا النقص، وحين تكون مسؤوليات الرعاية موزعة بصورة غير متكافئة بين النساء والرجال كما هو الحال في مجتمعنا، تتحمل النساء جزءاً أكبر من هذه الكلفة المستترة.

حماية النساء أولوية في الاقتصاد الناجح

الحديث عن أثر الأزمة على النساء قد يُفهم أحياناً باعتباره إضافة اجتماعية إلى نقاش اقتصادي أكبر لكن الواقع عكس ذلك، عندما تنسحب النساء من سوق العمل، أو تفقد الفتيات فرص التعليم، أو تتوسع العمالة غير الرسمية، أو تضطر العاملات إلى تقليل ساعات العمل بسبب تضخم مسؤوليات الرعاية، فإن الاقتصاد نفسه يخسر جزءاً من موارده البشرية والإنتاجية.

ومن هنا ينبغي ألا تقتصر إدارة الأزمة العراقية على كيفية توفير الرواتب أو سد العجز المالي، رغم أهميتهما، المطلوب أيضاً معرفة من سيتحمل كلفة الإجراءات التي ستتخذ للوصول إلى ذلك.

ويمكن أن يبدأ ذلك من مجموعة إجراءات واضحة، مثل تقييم أثر أي سياسة تقشفية على النساء في المجتمع قبل تطبيقها؛ واستخدام الموازنات المستجيبة للنوع الاجتماعي؛ وحماية الإنفاق الأساسي على الصحة والتعليم والتغذية والرعاية الاجتماعية؛ وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل العاملات الأكثر هشاشة؛ وتصميم دعم سريع للعاملات في القطاع غير الرسمي والمشروعات الصغيرة.

كما ينبغي حماية تعليم الفتيات أثناء الأزمات، وتوجيه برامج الحفاظ على الوظائف والتحفيز الاقتصادي إلى القطاعات التي تتركز فيها النساء، والعمل على تحويل العمالة غير الرسمية تدريجياً إلى عمالة رسمية مشمولة بالضمانات القانونية والاجتماعية.

لكن كل ذلك يحتاج أولاً إلى شيء يفتقده العراق بشدة وهو بيانات تفصيلية محدثة ومصنفة حسب الجنس تكشف من يفقد العمل، ومن ينخفض دخله، ومن ينسحب من سوق العمل، وكيف تتغير ساعات العمل غير مدفوع الأجر داخل الأسر.

ماوراء حسابات الموازنة

قد تستطيع الحكومة في نهاية المطاف تجاوز أزمة السيولة، وقد تعود صادرات النفط إلى طبيعتها، وتنتظم الرواتب من جديد، لكن انتهاء الأزمة المالية لا يعني بالضرورة اختفاء آثارها الاجتماعية، ذلك هو الجانب الذي ينبغي ألا يغيب عن صانعي السياسات.

فالأزمة التي تبدأ بانخفاض ايرادات النفط يمكن أن تنتهي بامرأة فقدت عملها، أو موظفة تقلص دخلها، أو صاحبة مشروع أغلقت مصدر رزقها، أو فتاة تركت مقاعد الدراسة مبكراً، أو أم تحملت ساعات إضافية من الرعاية لأن خدمة عامة كانت تعتمد عليها قد تراجعت، هذه الخسائر لا تظهر جميعها في حساب العجز، ولا في سعر برميل النفط، ولا في جدول الإيرادات والنفقا،. وحين تُقاس الأزمة من دون احتسابها، يبدو الاقتصاد على الورق مقبول أكثر مما هو عليه في الواقع، إن السؤال الذي يجب أن يرافق كل قرار اقتصادي في المرحلة المقبلة ليس فقط، كم ستوفر هذه السياسة لخزينة الدولة؟ بل أيضاً، من سيدفع ثمنها؟

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!