ويبدو أن الحكومة العراقية، عبر البنك المركزي، تفكر في حذف ثلاثة أصفار من الدينار، وأن العملية ستعني إعادة تقييم القيمة الاسمية للعملة، بحيث يصبح 1000 دينار قديم يساوي ديناراً واحداً جديداً، مع تحويل الرواتب والأسعار والأرصدة والالتزامات بالنسبة نفسها، في إطار تبسيط التعاملات النقدية والمحاسبية، وتقليل حجم الأرقام في الموازنات والحسابات والفواتير والمعاملات المصرفية، فضلاً عن تسهيل تداول مبالغ كبيرة، وتقليل كلفة طباعة ونقل وخزن كميات ضخمة من الأوراق النقدية.
لكن مراقبين يجدون أن هذا الإجراء ليس أكثر من مبدأ إداري وتنظيمي، وليس إصلاحاً اقتصادياً بحد ذاته، كما أن المواطن لن يصبح أغنى لمجرد حذف الأصفار، وأن قيمة الدينار الحقيقية أمام الدولار لن تتغير تلقائياً. ووفق مستشار سابق كان قد عمل مع الحكومة السابقة التي كان يرأسها محمد شياع السوداني، فإن "العملية لن تجدي نفعاً إذا لم يتوفر الاستقرار النقدي والاقتصادي، بل حتى السياسي، لأن حذف الأصفار من دون السيطرة على التضخم، والحفاظ على استقرار سعر الصرف، وإصلاح المالية العامة والقطاع المصرفي، قد يحوّل العملية إلى تغيير شكلي مكلف من دون أثر حقيقي على الاقتصاد".
وبين أن "استبدال العملة يتطلب كلفة كبيرة لطباعة الأوراق الجديدة وتحديث الأنظمة المحاسبية والمصرفية وأجهزة الدفع، أما استبدال العملة بالكامل فهو أوسع من مجرد حذف الأصفار، وقد يكون هدفه تحديث الفئات والتصاميم، ورفع مستويات الحماية من التزوير، أو إعادة تنظيم هيكل النقد المتداول".
وأكمل المستشار، الذي فضّل عدم الكشف عن اسمه، أن "البنك المركزي العراقي لديه صلاحية تنظيم عملية سحب العملة واستبدالها، وتحديد مدة ومواقع الاستبدال، لكن السؤال الذي يُطرح هو: هل يسيطر تغيير العملة على عملية مكافحة الفساد؟ والجواب، بصراحة، لا يعني شيئاً، فحتى تلك الأموال التي سُرقت ستتحول بلا قيمة، لكن هذا لا ينفي أنها أثّرت في اقتصاد العراق، لأنها سُرقت من العراقيين ومن الدولة العراقية. كما أن هذه القرارات، في حقيقتها، لن تعالج العجز المالي أو ضعف الإنتاج أو البطالة، لأن استقرار العملة غير مرتبط بالأصفار أو شكل العملة، بل باستقرار الاقتصاد وتنوّعه".
وحديث الوزير مصطفى سند حول حذف الأصفار وتغيير العملة سبقه نفيٌ حكومي لهذا الموضوع، إذ قال المتحدث باسم الحكومة العراقية حيدر العبودي، في حزيران الماضي، إن "الأنباء المتداولة بشأن قرب حذف ثلاثة أصفار من العملة العراقية، أو إعادة تقييم الدينار، أو تعديل سعر صرف الدولار، لا تستند إلى أي قرارات رسمية، وأن الحكومة لا تمتلك أي مشروع بهذا الاتجاه في الوقت الراهن، مؤكداً أن "وجود كميات من الأوراق النقدية المطبوعة لا يرتبط بالضرورة بإجراءات لتغيير العملة أو تعديل قيمتها".
في الأثناء، انتقد مرصد "إيكو عراق" المتخصص بالشأن الاقتصادي التخبط في الخطاب الحكومي، أمس الأحد، المتمثل في إعلان قرارات اقتصادية ونقدية حساسة كتغيير العملة عبر جهات غير مختصة، وسط صمت البنك المركزي العراقي ووزارة المالية.
وذكر المرصد في بيان أن "إدارة ملف بحجم العملة الوطنية عبر تصريحات متفرقة، بدل مؤتمرات وبيانات رسمية واضحة تصدر عن الجهات النقدية والمالية المختصة، تعكس ضعفاً في التنسيق الحكومي"، موضحاً أن "مثل هذه التخبطات تفتح الباب أمام الشائعات والمضاربات، وإرباك الأسواق، وإضرار المواطنين والبلاد".
وحذّر المرصد من أن "هذا الغموض، الذي يمس الأمن الاقتصادي للمواطنين، قد يؤثر في ثقتهم بالعملة الوطنية، ويزيد الطلب على العملات الأجنبية والذهب، بما يفاقم حالة القلق في السوق"، محمّلاً البنك المركزي ووزارة المالية "مسؤولية توضيح حقيقة القرار، وأي إرباك يصيب السوق العراقي نتيجة صمتهما"، مطالباً الجهات المختصة بـ"إصدار بيان رسمي يشرح أسباب تغيير العملة، وآليات التنفيذ، والجدول الزمني، وضمانات حماية مدخرات المواطنين واستقرار السوق".
مع العلم أن الحكومة العراقية تعاني نقصاً في السيولة المالية منذ بداية العام الجاري، وعجزاً مالياً يعرقل تأمين رواتب الموظفين، وهو ما أكدته وزارة المالية بصرفها رواتب عدد من الوزارات بسبب نقص السيولة، وتأجيل الصرف إلى وزارات أخرى.
كما أقرّ المتحدث باسم الحكومة حيدر العبودي، الشهر الماضي، بوجود أزمة مالية، إذ قال في تصريح متلفز إن "الفجوة كبيرة بين إيرادات الدولة في الوقت الحالي ومتطلبات توفير الرواتب الشهرية وغيرها من الالتزامات"، مبيّناً أن "الحلول التي تعمل عليها الحكومة العراقية ربما تجعل انتظام توزيع الرواتب ليس كما كان سابقاً، وسيكون هناك تأخير حتى تكتمل الرواتب وتُوزَّع".
ونقلت الوكالة العراقية الرسمية "واع" عن الخبير المالي في العراق نبيل العبادي، الأحد الماضي، قوله إن "تغيير العملة ليس حلاً بحد ذاته، وإنما مرآة تعكس حالة الاقتصاد، وإن حذف الأصفار، باعتباره السيناريو الأكثر تداولاً، يمثل في جوهره إعادة تنظيم للوحدات النقدية، وتبسيطاً للعمليات الحسابية والمحاسبية، من دون أن يعني بالضرورة زيادة القوة الشرائية للمواطن أو ارتفاع القيمة الحقيقية للعملة"، مشيراً إلى أن "تغيير العملة لا يمكن التعاطي معه كأداة لاسترداد الأموال المنهوبة، بل قد يتحول في بعض السياقات إلى سلاح ذي حدين إذا لم يُدَر ضمن منظومة إصلاح شاملة".
وحذّر العبادي من أن "الثروات الكبرى المنهوبة غالباً لا تبقى على شكل نقد محلي يمكن تتبعه، إذ تكون قد هاجرت منذ وقت طويل إلى عقارات وأصول خارجية وحسابات في ملاذات مالية آمنة"، مبيّناً أن "التحدي الأكبر في مثل هذه الإجراءات يتمثل في إدارة المرحلة الانتقالية، لا سيما ما يتعلق بالتوقعات النفسية في السوق، وإمكانية استغلال بعض التجار والمضاربين فترة التحول لرفع الأسعار تحت ذرائع مختلفة، الأمر الذي قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية ويبدد الفوائد الإدارية المتوقعة من عملية حذف الأصفار"، وأن "نجاح أي خطوة بهذا الاتجاه يتطلب وجود استقرار نقدي واقتصادي راسخ قبل تنفيذها، لا اعتبارها وسيلة لتحقيق ذلك الاستقرار".
من جهته، أشار الباحث الاقتصادي أحمد عبد الله إلى أن "الحكومة تسعى إلى الخروج من أزمة نقص السيولة المالية بأي طريقة كانت، سواء عبر حذف الأصفار أو استبدال العملة أو طباعة كتلة نقدية جديدة، وأن هذه الإجراءات تحتاج إلى دراسة مستفيضة، لأن تغيير العملة لا يؤدي بالضرورة إلى رفع قيمتها، بل قد يؤدي أحياناً إلى العكس، لذلك على الحكومة أن تجتهد في رفع قيمة العملة الحالية"، مضيفاً، أن "هذا القرار لا يحظى لغاية الآن بإجماع سياسي أو شعبي، بسبب احتمالية استغلال بعض الثغرات من قبل شبكات الفساد للتحايل قبل بدء الاستبدال أو خلال عملية الاستبدال نفسها، ناهيك عن كلفة استبدال العملة وتعقيداتها".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!