{خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ}.
تتصوَّرونَ أَنَّ نشاط الشَّيطان في عبادِ الله عبثٌ بِلا تخطيطٍ وبِلا هدفٍ وبِلا خُطَّةٍ؟!.
وتتصوَّرونَ أَنَّهُ يُباشرُ نشاطهُ المُباشر في المُجتمعِ من دونِ أَدواتٍ وأَسبابٍ؟!.
وتتصوَّرونَ أَنَّهُ لا يدفَع أَجرَ نشاطهِ لوكلائهِ وعُملائهِ؟!.
أَبداً ليسَ كُلَّ هذا وذاك، فالشَّيطانُ يضعُ الخُططَ ويرسمُ خارِطةَ الطَّريقِ ويُحدِّدُ الأَهدافَ ويهيِّئ الأَدواتَ والعُدَّةَ وما على العبدِ إِلَّا أَن ينزعَ عقلهُ وضميرهُ وإِرادتهُ ونزاهتهُ ودينهُ وإِنسانيَّتهُ وكُلَّ شيءٍ ثُمَّ يُطلِقُ العَنانَ لشهَواتهِ وأَعذارهِ ومُبرِّراتهِ ويبدأ التَّنفيذ حسبَ الخُطَّة.
يقولُ تعالى {وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ ۚ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا} وقولهُ عزَّ وجلَّ {يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ ۖ}.
والشَّيطانُ يقودُ حزباً وليسَ أَفراداً متفرِّقينَ فقط {إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ۚ إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} بغضِّ النَّظرِ عمَّا إِذا كانَ عناصِرُ الحزبِ يعرفُ بعضهُم البَعض الآخر أَو أَنَّهُم يرتبِطُونَ ببعضهِم بشَكلٍ من أَشكالِ الطُّرقِ التَّنظيميَّة المعهودةِ أَو بكلمةِ سرٍّ يحفظونَها عن ظهرِ قلبٍ أَبداً وإِنَّما هُم يشكِّلونَ حزباً بوحدةِ الزَّعامةِ [الشَّيطان] وبوحدةِ الهدفِ معَ اختلافٍ في الأَدواتِ والعُدَّةِ.
لذلكَ نلاحظُ مثلاً ما أَن يَفضحَ صَوتٌ جريءٌ شُجاعٌ فاسداً من الفاسدِينَ وفاشلاً من الفاشلِينَ إِذا بـ [حزبِ الشَّيطانِ] يشنُّ هجوماً مُنسَّقاً وفي وقتٍ واحدٍ دفاعاً عنهُم ولتسقيطِ الصَّوتِ الجريءِ بالتُّهمِ الباطِلةِ والإِفتراءاتِ والشَّتائمِ.
هذا يعني أَنَّ المصدرَ والزَّعيمَ والمُخطِّطَ واحدٌ هوَ الشَّيطان الذي يُمارس ما يلي لإِخضاعِ حزبهِ لإِرادتهِ وسُلطتهِ؛
١/ يخوِّفهُم إِذا تمرَّدُوا عليهِ أَو لم يلتزمُوا بالخطَّةِ المرسومةِ بحذافيرِها، فيفلِتُ منهُ الشُّجعانَ ويستسلِمُ لهُ ضِعافَ النُّفوسِ الذينَ يخضعُونَ لخُططهِ لأَهونِ سببٍ {إِنَّمَا ذَٰلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنكُنتُم مُّؤْمِنِينَ}.
فالشيطانُ مثلَ عِصابات المخدِّرات والتَّهريبُ إِذا تورَّطَ معها أَحدٌ ثمَّ أَفاقَ من غفلتهِ وحاولَ أَن يفكَّ ارتباطهِ بهِم والتخلُّصَ منهُم يبدأُونَ بتهديدهِ بنفسهِ وأُسرتهِ وبأَقربِ النَّاسِ إِليهِ فيكُونُ بينَ نارَينِ إِذا استمرَّ معهُم مصيبةٌ وإِذا انفصلَ عنهُم مصيبةٌ!.
٢/ تزيينُ النِّهاياتِ وتجميلُ العواقبِ وكأَنَّها تنتهي بالعبدِ إِلى ما يتمنَّاهُ في الدُّنيا وربَّما حتَّى في الآخرةِ! {فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَـٰكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ}.
٣/ تضخيمُ المُكتسباتِ وتهويلُ النَّتائجِ وتحسينِها في نفسهِ وبما ينسجِمُ معَ أُمنياتهِ وتطلُّعاتهِ مِن خلالِ استخدامِ خوارزميَّاتهِ {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ}.
٤/ ومن أَخطرِ أَسلحتهِ تمزيقُ وحدة الجَماعة وتفريقُ كلمتهِم ومنعهِم من الإِتِّفاقِ والتَّوافُقِ للتَّعاونِ ولَو بالحدِّ الأَدنى {إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ ۖ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ}.
٥/ إِثارةُ الفوضى في كلِّ شيءٍ للحيلولةِ دونَ استقرارِ المُجتمعِ، فترى أَنَّ الحاكميَّة للفوضى الدينيَّة والمذهبيَّة والأَمنيَّة والأَخلاقيَّة والسياسيَّة والإِعلاميَّة والإِداريَّة وفي كُلِّ شيءٍ حتَّى تتحوَّل حياةُ المُجتمعِ إِلى ما يشبهُ حياة الغاب لم تجِد فيها شيءٌ واضحٌ أَو مستقرٌّ أَو ثابتٌ {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّاقَلِيلًا}.
فالآيةُ تُنظِّمُ الأَشياءَ من خلالِ الدَّعوةِ إِلى وضعِها في نِصابِها الصَّحيح، فلقد قِيلَ لأَميرِ المؤمنِينَ (ع) صِفْ لَنَا الْعَاقِلَ فَقَالَ {هُوَ الَّذِي يَضَعُ الشَّيْءَ مَوَاضِعَه} فَقِيلَ له فَصِفْ لَنَا الْجَاهِلَ فَقَالَ {قَدْ فَعَلْتُ}.
هذا يعني أَنَّكَ إِذا رأَيتَ مُجتمعاً فَوضويّاً فتأَكَّد أَنَّ سببَ ذلكَ هو أَنَّهُ تحكمهُ جَوقَةٌ من الجهلَةِ الذين يصنعُونَ الفَوضى بعبثيَّتهِم لأَنَّهُم لا يضعُونَ الشَّيءَ مَوضِعهُ أَبداً!.
٦/ وبالتَّالي تصفيةُ دَورِ الحُكماءِ والعُقلاءِ في المجتمعِ وتضخيمُ دورِ الفاسدينَ والمُتمرِّدينَ والمجانينَ والجهلةِ والطُّغاةِ حتَّى لا يجد المرءُ سواهُم يلجأَ إِليهِم للإِصغاءِ لهُم والإِستماعِ إِلى [إِرشاداتهِم] {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا}.
إِذا جمعْنا وطرَحنا كُلَّ ما تقدَّمَ فسنتأَكَّد بأَنَّ الشَّيطانَ عِصاباتٌ من الفاسدينَ دينيّاً وأَخلاقيّاً وإِداريّاً وماليّاً تُسيطِرُ على مقدَّراتِ البلدِ وعلى المُجتمعِ بالتَّرغيبِ والتَّرهيبِ وتوظِّفُ الدِّينَ والمذهَبَ والتَّاريخَ وكُلَّ شيءٍ لتحقيقِ مآربهِم، مآرب الشَّيطان، حتَّى يتحوَّل المُجتمع إِلى جثَّةٍ هامدةٍ تعيثُ فيها الفَوضى في كُلِّ شيءٍ أَو كما يُسمَّى بـ [ميِّتِ الأَحياءِ]!.
وصدقَ الله العظيمُ الذي قالَ في مُحكمِ كتابهِ الكَريمِ {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ۚ أُولَـٰئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ ۚ أَلَا إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} و {وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!