RSS
2026-08-24 22:31:28

ابحث في الموقع

نصف مليون في لندن.. وملايين في علب الماء ببغداد

نصف مليون في لندن.. وملايين في علب الماء ببغداد
بقلم: كرم نعمة

قد يبدو خبر حصول كريس وورمالد، رئيس الخدمة المدنية في الحكومة البريطانية، على تعويض قدره 500 ألف جنيه إسترليني – أكثر من نصف مليون دولار – بعد أن أُجبر من دون وجه حق على ترك منصبه، خبراً يجعل البريطاني يفتح فمه مندهشاً. هذا مبلغ ضخم في معايير دولة تحسب المال العام بملاعق القهوة والسكر، وتخضع كل قرار مالي لمساءلة سياسية وقانونية وإعلامية لا ترحم، لكن ما إن تبحث عن معادل لهذا الخبر وهذا المبلغ في العراق، حتى تتحول قصة التعويض المدهشة في بريطانيا إلى مجرد نكتة مضحكة في بلد محكوم من قبل لصوص الدولة.

نصف مليون جنيه إسترليني كافية لأن تجعل وورمالد يعيش لسنوات طويلة مرتاحاً حتى لو لم يجد عملاً، وهي في الوقت نفسه نتيجة مباشرة لآلية قانونية واضحة: رئيس وزراء أجبر مسؤولاً كبيراً على ترك منصبه من دون مبرر قانوني، فاضطرت الدولة إلى دفع ثمن هذا الخطأ. هناك خطأ، هناك مسؤولية، هناك تعويض، وهناك رأي عام يراقب. في المقابل، بالنسبة للطبقة الأوليغارشية الحاكمة في بغداد، هذا المبلغ لا يعني شيئاً على الإطلاق؛ هو مجرد رقم صغير في بحر الأرقام التي تُنهب يومياً من خزينة الدولة من دون أن يرفّ جفن أحد.

لقد شاهدنا في العراق كيف وُجدت مبالغ أكبر من هذا الرقم وقد أُحرقت في مواقد الخبز عند القبض على وكيل وزارة النفط عدنان الجميلي، وكيف عُثر على ملايين الدولارات في منازل مسؤولين عند مداهمتها، وبعض هذه المبالغ وُضعت في علب بلاستيكية كأنها مجرد لترات من الماء. هكذا يُعامل المال العام في العراق: ليس كموارد دولة، بل كغنيمة شخصية، كـ“ماء مسفوح” يمكن أن يُسكب في أي مكان، أو يُخزّن في أي زاوية، أو يُهرّب في أي لحظة.

ما يجعل تعويض كريس وورمالد حدثاً وطنياً في بريطانيا ليس حجم المبلغ، بل رصانة الدولة التي تقف خلفه. الدولة هناك ليست مبنى حكومياً، بل منظومة أخلاقية وقانونية متماسكة، سلطة تُحاسَب، ومال عام يُحترم، ومؤسسات لا تسمح لرئيس الوزراء – مهما كان نفوذه – أن يطيح بمسؤول رفيع من دون أن تدفع الثمن. 

هذه الرصانة ليست ترفاً سياسياً، بل جوهر فكرة الدولة الحديثة: الدولة التي تخطئ، لكنها تعترف؛ تتعثر، لكنها تُصحّح؛ تدفع التعويض لأنها تعرف أن كرامة الوظيفة العامة ليست ملكاً للحاكم بل ملكاً للمجتمع.

في المقابل، العراق يعيش منذ 23 عاماً في ظل دولة فقدت تعريفها الأول “القدرة على ضبط المال العام”. الدولة التي لا تستطيع حماية خزائنها لا تستطيع حماية مواطنيها، ولا تستطيع بناء مؤسسات، ولا تستطيع إنتاج ثقة. وهكذا تحوّل المال العام في العراق إلى غنيمة، والوظيفة العامة إلى مزرعة، والسلطة إلى شبكة مصالح لا تعرف معنى المحاسبة.

فكيف وصل العراق إلى دولة فاشلة؟

الفشل العراقي اليوم ليس صدفة، بل نتيجة مباشرة لمسار بدأ عام 2003. حين وقف توني بلير أمام العالم ليقول إن العراق سيصبح “دولة ديمقراطية مزدهرة”، كان يبيع وهماً سياسياً لا يملك أدوات تحقيقه. بريطانيا، التي تهتزّ اليوم بسبب تعويض نصف مليون جنيه، لم تستطع أن تبني في العراق دولة تشبهها، رغم أنها شاركت في إسقاط النظام القديم، وشاركت في هندسة النظام الجديد، وشاركت في كتابة الدستور، وشاركت في تدريب المؤسسات. لكنها لم تستطع أن تمنح العراق أهم ما تملكه هي: ثقافة الدولة.

النتيجة بعد 23 عاماً واضحة: دولة بلا مؤسسات، بلا محاسبة، بلا رصانة، بلا قدرة على ضبط المال العام، وبلا مشروع وطني. وما هُدر من أموال العراق منذ الاحتلال – أكثر من 150 مليار دولار وفق تصريحات مسؤولين عراقيين – ليس مجرد فساد، بل دليل على غياب الدولة نفسها. فالدولة التي تُهدر فيها هذه المبالغ ليست دولة فاسدة فقط… بل دولة فاشلة.

هكذا يصبح تعويض وورمالد مرآة سياسية: في بريطانيا، نصف مليون جنيه يهزّ الحكومة، ويُحرّك الإعلام، ويُشعل النقاش العام. في العراق، ملايين الدولارات تُخزّن في علب ماء بلاستيكية، وتُحرق في مواقد الخبز، وتُهرّب في حقائب سفر، من دون أن يهتزّ كرسي واحد.

في بريطانيا، الدولة تدفع لأنها أخطأت. في العراق، الدولة تُنهب لأنها غائبة.

دولة تُحاسِب نفسها على نصف مليون جنيه استرليني، ودولة لا تعرف أين ذهبت 150 مليار دولار.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!