RSS
2026-08-24 22:31:28

ابحث في الموقع

حين يصبح الحادث المروري شماعة لإخفاقات دولة كاملة

حين يصبح الحادث المروري شماعة لإخفاقات دولة كاملة
بقلم: د. فراس مصطفى

من حق عائلات الضحايا أن تغضب، ومن حق المجتمع أن يحزن، ومن واجب الدولة أن تبحث عن أسباب كل حادث مروري يودي بحياة الأبرياء، لكن الدول التي يُحْتَرَم فيها النظام والقانون، لا تتحول المأساة فيها إلى محكمة شعبية، ولا يتحول الغضب المشروع إلى البحث عن مسؤول واحد لتُلقى عليه المسؤولية الكاملة، ولا تصبح إقالة موظف حكومي بديلاً عن التحقيق في أسباب الحادث.

إن تدخل نائب برلماني للمطالبة بإقالة مدير المرور العام فور وقوع حادث مروري مروع، وتحميله المسؤولية بصورة مباشرة وحصرية، يثير سؤالاً مشروعاً حول حدود الرقابة البرلمانية وحدود السلطة التنفيذية وفقا لمبدأ الفصل بين السلطات، فمجلس النواب يمارس اختصاصاته الدستورية في التشريع والرقابة على أداء السلطة التنفيذية، لكن الرقابة البرلمانية تعني السؤال والاستيضاح والتحقيق والاستجواب والمساءلة وفق الأطر الدستورية والقانونية، ولا تعني أن يتحول النائب إلى بوق إعلامي يصرح بطريقة عاطفية يدغدغ فيها مشاعر الناس مطالباً رئيس الوزراء باتخاذ قرارات الإعفاء والعزل بحق الموظفين!

دستوريا، يستطيع النائب أن يطالب رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المختص باتخاذ إجراء بحق مسؤول تثبت الأدلة والوقائع أنه أخفق في أداء واجباته، ويستطيع أن يطرح الموضوع أمام مجلس النواب وأن يستخدم أدواته الرقابية، لكن ليس من المعقول والمنطقي ولا حتى الدستوري أن يتحول وقوع حادث مروري إلى دليل تلقائي على فشل مدير المرور العام والمطالبة بإقالته!! فالمدير العام لدائرة المرور ليس المسؤول عن تصميم الطرق، وليس هو الذي ينفذها، وليس هو من يقرر أبعاد الطريق ونوع الإسفلت أو هندسة التقاطعات، وليس المسؤول عن صيانة الطرق والجسور او الأخطاء التصميمية والتنفذية لطريق ما، كما انه لا يصنع السيارات أو يفحص كل قطعة فيها، ولا يجلس خلف مقود السيارة، ولا يستطيع ان يراقب كل سائق يسوق برعونة او استهتار وبسرعة جنونية، أو يعلم الغيب بأن سائقاً ما يقود تحت تأثير الكحول أو المخدرات، أو يقود وهو في حالة نفسية أو عقلية غير مؤهلة للقيادة، لكنه ملزم بمحاسبة ومعاقبة من يتم القبض عليه متلبساً بمخالفة الأنظمة والتعليمات المرورية وفقاً للقانون.

الحادث المروري في العادة يحدث نتيجة سلسلة من العوامل تتداخل فيها حالة الطريق وتصميمه والإشارات المرورية وصيانة المركبة وسلوك السائق والسرعة والطقس والرؤية وحالة السيارة بشكل عام واستخدام الهاتف اثناء القيادة والسياقة تحت تأثير المسكرات والمخدرات، وعدم الالتزام بقواعد وإشارات المرور وغيرها من العوامل.

وإذا كان السائق هو الذي يرتكب المخالفة التي تؤدي إلى الحادث، فلماذا يلقى اللوم على مدير المرور العام ويُحَمَّلْ المسؤولية شخصياً عن سلوك وتصرف مئات الاف السواق؟ وإذا كان الطريق سيئ التصميم أو متضرراً أو يفتقر إلى الإنارة أو أغرقته المياه في اوقات الامطار، فهل يكون مدير المرور العام مسؤولا عن ذلك؟ أم ينبغي أن تُسأل كل جهة حكومية عن الجزء الذي يدخل ضمن اختصاصها؟ وإذا كانت المركبة نفسها تعاني من خلل أو عطل ما أو غيرها من عناصر السلامة، فهل نحمل مدير المرور العام مسؤولية ذلك؟ وإذا كان السائق مخمورا او لا يحمل رخصة قيادة أو مستهتراً لا يلتزم بقوانين المرور ويكرر المخالفات ويقود بطريقة تعرض حياة الآخرين للخطر (و كم هُم كُثُرْ في العراق!!)، فهل تعلق تلك الأخطاء والاخفاقات برقبة مدير المرور العام؟

إن تحميل شخص واحد كامل المسؤولية عن منظومة معقدة من الأسباب ليس إصلاحاً، بل اختزال للمشكلة والهروب منها.

 هناك سؤال آخر أكثر حساسية، وربما أكثر إلحاحاً، إذا كان احترام قانون المرور هو المعيار، فلماذا لا نرى النائب نفسه يطالب بمحاسبة المخالفات المرورية التي ترتكبها مواكب المسؤولين وكبار الشخصيات ومن لف لفهم؟ لماذا لا نسمع الصوت البرلماني نفسه عندما تمر مواكب بعض المسؤولين بسرعات عالية أو تقطع الإشارات المرورية أو تسير بعكس اتجاه السير أو تغلق الطرق أو تمنع المواطنين من استخدام الطريق العام أو تستخدم سيارات لا تحمل لوحات واضحة أو تتمتع بحماية تجعلها فوق المساءلة؟ أليست هذه أيضاً مخالفات للقانون؟ 

إذا كان النائب يريد أن يفتح ملف السلامة المرورية، فليفتحه كاملاً ويكون أكثر جرأة وموضوعية في طرح المشكلة وما يتعلق بها من مسؤوليات وإخفاقات لجهات حكومية ووزارات أخرى وعليه ان يتحدث عن الخلل في المنظومة كاملة وليس العزف على وتر عاطفي لفقدان بعض الناس أرواحهم بسبب حادث مروري، فالحوادث المروعة تتكرر يوميا وفي أرقى دول العالم وأكثرها تنظيما للسير!!

ليس من المنطقي أن تكون سهام الاتهام والمساءلة والتنكيل متجهة في اتجاه واحد، نحو موظف يقف في الميدان ليل نهار ويواجه يومياً الفوضى المرورية والمخالفات والحوادث في بلد يعاني من الفوضى في الكثير من مفاصله وضعف كبير في الوعي المروري، بينما تصمت الأصوات نفسها عن خروق أخرى أكثر سلبية وتأثيرا على حياة المواطن وأمنه وسلامته!

إن اختيار شخص مدير المرور العام وتحميله خلل منظومة كاملة، فهذا ليس إصلاحاً ولا إنصافاً للضحايا، ولا انتصاراً للقانون إنما إستهداف شخصي ونسف متعمد لجهود رجل يعمل ليل نهار لخدمة بلده دون أن يُسَجَّلْ ضده أي تقصير في إداء واجباته.

 فالعدالة لا تعني أن نطالب بمعاقبة مدير عام او اي منتسب لأن عائلة الضحايا غاضبة انما العدالة تعني أن نبحث عن المسؤول الحقيقي، مهما كان اسمه أو منصبه أو نفوذه لينال جزاءه العادل وفقا للقانون،

وفي دولة القانون، لا تكون المسؤولية بالصوت الأعلى، ولا بالغضب، ولا بالضغط الإعلامي، ولا بالمزايدات السياسية، انما المسؤولية تكون بالاختصاص، وبالدليل، وبالعلاقة السببية بين الفعل والنتيجة.

هذه هي الرقابة البرلمانية التي يحتاجها العراق، رقابة لا تشخصن المشكلة وتبحث عن ضحية لا علاقة لها بأصل المشكلة، وإنما تبحث عن الحقيقة، ولا تستخدم القانون كسيف في اتجاه واحد، وإنما تضمن أن يكون القانون فوق الجميع.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!