ان الاقتصاد الامريكي هو من اكبر الاقتصاديات في العالم حيث بلغ الناتج القومي الاجمالي نحو 29.3 تريليون دولار حيث ان حجم موازنته الاتحادية السنوية تصل بحدود 7 تريليون دولار مع ان الايرادات العامة لها تصل الى 5.3 تريليون دولار وبذلك تسجل عجز بحدود 1.7 تريليون دولار، حيث ان الايرادات تكون بمعظمها هي ضرائب حيث ان ضريبة الدخل تصل الى حدود 50% من اجمالي الايرادات العامة وان الضريبة المفروضة على الشركات تكون بنسبة تصل احيانا الى 10%.
عادة ما تكون الاوضاع السياسية والاقتصادية العالمية يغيرها الحروب وبالتالي يكون انتهاء حقبة وابتداء حقبة اخرى بفعل الحرب التي تكون حد فاصل بين اثنتين/ الامثلة والشواهد كثيرة، مثلا قبل الحرب العالمية الثانية كان الباون الاسترليني هو العملة العالمية التي تستخدم وان بريطانيا كانت بريطانيا العظمى والامبراطورية التي لا تغيب الشمس عنها، كان ذلك حتى جاءت الحرب العالمية الثانية فانهت حقبة وبدءت حقبة اخرى، حيث اثقل الدين بريطانيا ورافق ذلك ظهور دولة جديدة ذات اقتصاد كبير مع قوة وهي اميريكا.
حاولت بريطانيا الحفاظ على صدارتها من خلال الحفاظ على مكانة عملتها لكن كل المحاولات فشلت، في المفاوضات البريطانية – الالمانية حول حجم الغرامات التي يجب ان تدفعها المانية لبريطانيا ، شرط الاخيرة اانها ستتنازل عن الديون مقابل ان تبقى المانيا ان تتعامل بعملة الباون في التعاملات الخارجية.
المحاولة الاخرى لظمان عدم تفوق عملة اخرى على عملتها لكن رغم ذلك رجحت كفة الامريكان وتم ربط العملات بالدولار وربط الدولار بالذهب مباشرة حتى اصبحت الاونصة الواحدة تساوي 35 دولار، هي اتفاقية بيتون وودز عام 1944 لانشاء نظام مالي عالمي جديد، لكن رغم هذه الاتفاقية المفيدة للدولار، لكن اعتبر الامريكان وجود قيد على الدولار وهو الذهب.
اصبح العالم بعد هذه الاتفاقية يستطيع استبدال الدولار بالذهب ولكن امريكا لم تلتزم بها حيث تم طباعة عملة لها بدون غطاء الذهب واحس العالم بذلك فاصبح يطالب استبدال الاحتياطي العملة الصعبة من الدولار بالذهب وهذا شكل ضغط كبير على امريكا وخصوصا في ايام حربها في فيتنام.
وكما قلنا ان الحروب تنهي حقبة قديمة وتنشئ اخرى جديدة ، ان الاقتصاد الامريكي في حينها يتعرض لازمة نتيجة الخسائر الكبيرة التي تكلفها الحرب، ولانهم يريدون طباعة الدولار دون غطاء من الذهب مما ادى الى حدوث نكسة نكسون.
ففي عام 1971 أعلن الرئيس الأمريكي ريتشارد نكسون وقف تحويل الدولار إلى ذهب بشكل أحادي نتيجة للضغوط الاقتصادية والتضخم، مما أنهى نظام بريتون وودز ونقل العالم إلى نظام العملات العائمة المعمول به حالياً.
لكن هذه الخطوة خطرة جدا على الاقتصاد الامريكي وعلى ثقة العالم بالدولار، حيث تراجعت قيمة الدولار كثيرا، منها:-
1. انخفاض وانهيار القيمة الرسمية: أدّى إلغاء تحويل الدولار إلى ذهب (بقيمة 35 دولاراً للأونصة) وفك ارتباط العملات الأخرى به إلى تراجع كبير في قيمة الدولار مقوّماً بالذهب والعملات الرئيسية مثل المارك الألماني والين الياباني.
2. الانتقال إلى سعر الصرف الحر (العوم): فقد الدولار قيمته المستقرة والمدعومة بالذهب، وبدأت قيمته تتحدد بناءً على العرض والطلب في الأسواق المالية العالمية، مما أدّى إلى تقلبات واسعة وهبوط قيمته الشاملة طوال فترة السبعينيات.
3. ارتفاع معدلات التضخم: أدى فقدان الدولار لغطائه الذهبي وطباعة المزيد منه إلى موجة تضخمية حادة في الولايات المتحدة والعالم، مما أضعف القوة الشرائية للدولار محلياً ودولياً.
كيف استعاد الدولار هيمنته لاحقاً؟
اولا: على الرغم من الانخفاض الحاد في قيمة الدولار في بداية السبعينيات، استطاعت واشنطن إعادة إرساء قوته ونفوذه عبر "نظام البترودولار" في منتصف السبعينيات (1974) بالاتفاق مع الدول المنتجة للنفط (وعلى رأسها السعودية) لتسعير وبيع النفط حصرياً بالدولار الأمريكي.
هذا التطور جعل العالم أجمع بحاجة ماسّة للدولار لشراء الطاقة، مما أوجد طلباً عالمياً دائماً ومستقراً على العملة الأمريكية حتى بعد زوال غطائها الذهبي. كما أجبر هذا الاتفاق كافة دول العالم على الاحتفاظ باحتياطيات ضخمة من الدولار لشراء طاقتها الأساسية، مما خلق طلباً عالمياً دافئاً لا ينقطع.
لم تكتفي امريكا بهذه الاتفاقية بل مارست ايضا النفوذ الجيوسياسي، الهيمنة الاقتصادية، والقوة العسكرية الأقوى في العالم، وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ "السلاح المالي الأمريكي".
ثانيا: لاحكام سيطرة امريكا على عولمة الدولار الامريكي عمدت لخطوة اخرى تحكم قبضتها على الاقتصاد العالمي وهو انشاء نظام تحويل عالمي ، حيث تشرف الولايات المتحدة وتتحكم بالنظام المالي الدولي وبنية SWIFT للمراسلات المالية، بالإضافة إلى نظام clearing الخاص بالدولار (CHIPS).
ثالثا: استخدمت ايضا العقوبات لاي نظام يرفض القبول باملاءات امريكا او خضوعها لها، أي دولة تفكر في حظر التعامل بالدولار أو الخروج عنه تُعزل فوراً عن النظام المالي العالمي وتُمنع بنوكها من إجراء التجارة الدولية، كما حدث مع إيران وروسيا.
رابعا: القوة العسكرية المباشرة والقواعد المنتشرة حول العالم تؤمن خطوط التجارة البحرية والممرات النفطية العالمية، مما يربط الأمن الاقتصادي للدول بالدولار. أن أي محاولات إقليمية لتجاوز البترودولار كلياً (مثل تطلعات معمر القذافي لإيجاد دينار ذهبي) واجهت تدخلات وضغوطاً عسكرية وسياسية حاسمة.
العجز المالي
ذكرنا سابقا ان العجز المالي الامريكي وصل الى 1.7 تريليون دولار، هذا سبب يجعل امريكا تبحث عن وسائل لسد هذا العجز فذهبت الى بيع السندات الامريكية ولهذا فرضت على العديد من دول العالم ان تقوم بشراء السندات الدول واستثمار فائضها المالي بالدولار لغياب أسواق بديلة بنفس الحجم والأمان. ولكن يوجد تفسير اخر لهذه النقطة.
ان العائد المالي من الايرادات النفطية لدول الخليج والمنتجة للنفط عموما مع اخذ بعين الاعتبار ان امريكا لا يروق لها ان تلك الاموال الضخمة تبقى للدول المنتجة وليست لامريكا لذلك فرضت عليهم ان يتم استخدام تلك الاموال (الفائض منها) على شراء السندات الامريكية.
مثلا، السعودية تملك 142 مليار والامارات 114 مليار والكويت 68 مليار. مع العلم ان امريكا فرضت على دول اخرى ان تشتري السندات والاستثمار في الاقتصاد الامريكي ومثال اخر هو اليابان، حيث ان بنوكها لا يوجد فيها فائدة وبالتالي جعل اصحاب رؤوس الاموال من سحب قروض من البنوك اليابانية واستثمارها بالسندات والبنوك الامريكية وبالتالي ان فائض العملة الياباني تحول من الاقتصاد الياباني الى الامريكي.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!