RSS
2026-08-27 15:45:35

ابحث في الموقع

الاقتصاد الأمريكي على المحك.. هيمنة الدولار بين رياح الديون وتحديات الشرق - الجزء الثالث والأخير

الاقتصاد الأمريكي على المحك.. هيمنة الدولار بين رياح الديون وتحديات الشرق - الجزء الثالث والأخير
بقلم: د. بلال الخليفة

ثالثا: دور ايران في الحد من التعامل بالدولار

تُعد إيران واحدة من أطول الدول تجربة في الاعتماد على آليات التخلي عن الدولار (De-dollarization)، حيث أجبرتها العقوبات الأمريكية الصارمة المفروضة عليها لعقود وحرمانها من نظام SWIFT المالي على تطوير أدوات مبتكرة وشبكات مالية موازية للالتفاف على هيمنة العملة الأمريكية.

أبرز المحاور التي تحرك من خلالها طهران للحد من التعامل بالدولار:

1. شبكات بيع النفط بالعملات المحلية واختراق العقوبات

       أ‌-       التسوية باليوان والعملات الآسيوية: تعتمد إيران بشكل أساسي على بيع معظم صادراتها النفطية باليوان الصيني أو بالعملات المحلية للمشترين في آسيا.

     ب‌-     أنظمة المقاصة والشبكات الموازية: طوّرت إيران استراتيجيات معقدة للتبادل التجاري تشمل الشحن من سفينة إلى سفينة وتغيير التوثيق، إلى جانب إنشاء مقاصات مالية عبر شبكات من الصرافات والشركات الوسيطة لتبادل السلع والعملات المحلية وتجاوز القنوات البنكية التي تسيطر عليها واشنطن.

2. الربط المصرفي الشامل مع روسيا

قامت طهران بدمج نظامها المالي المحلي المالي (SEPAM) بنظام المراسلات المالي الروسي (SPFS)، مما أتاح للبنوك الإيرانية والروسية إجراء التعاملات التجارية والمصرفية المباشرة دون الحاجة مطلقاً إلى نظام سوفت أو الدولار الأمريكي وان الغرض من ذلك هو انهاء التبعية لبرنامج سويفت.

كما عملت إيران وروسيا على ربط شبكة البطاقات المصرفية الوطنية الإيرانية (Shetab) مع شبكة Mir الروسية لتسهيل التعاملات والسياحة والتجارة البينية بالعملتين الوطنيتين (الريال والروبل).

3. الاعتماد على نظام "الصفقات التبادلية"

تُفعل إيران آلية المقايضة المباشرة مع دول الجوار والشركاء التجاريين؛ حيث تقدم النفط، المشتقات النفطية، والغاز مقابل الحصول على سلع أساسية، أدوية، معدات صناعية، أو خدمات هندسية دون مرور أي أموال عبر النظام المالي الدولي (مثل اتفاقيات التبادل مع العراق، الهند، وبعض دول الفلبين وأفريقيا).

4. استخدام العملات الرقمية والتشفير

شرّعت إيران استخدام العملات الرقمية المشفرة (مثل البيتكوين) لتسديد قيمة الواردات والسلع الخارجية، مما سمح لشركاتها باستيراد المنتجات بعيداً عن الرقابة المالية الأمريكية. كما تعمل إيران على تطوير الريال الرقمي بالتعاون مع شركاء دوليين لتسهيل العقود الذكية العابرة للحدود بشكل مباشر وآمن.

5. الاستفادة من التكتلات الإقليمي

انضمت إيران رسمياً إلى تكتل بريكس (BRICS) ومنظمة شانغهاي للتعاون (SCO)، وتشارك بفاعلية في المبادرات التي تهدف إلى إطلاق بنك معلومات مالي مشترك وتطوير نظام تسوية مجاز بين دول التكتل يعتمد بالكامل على العملات المحلية.

رابعا: الحرب الامريكية الايرانية

تكلمنا سابقا ان الحرب تنبئ بزوال حقب قديمة وبدء حقب جديدة ووضحنا ذلم في اعلاه، ففي هذه الحرب سنسلط الضوء على تاثير الحرب على الاقتصاد الامريكي بشكل عام وعلى عملة الدولار بشكل خاص. ومن ابرز النقاط هي:-

1. تكلفة الحرب الضخمة وتفاقم الدين العام: تُقدّر التكاليف العسكرية للولايات المتحدة في الحملات والعمليات بالمنطقة بنحو 12 مليار دولار أسبوعياً ، مما يضغط بشكل مباشر على الموازنة الاتحادية وأولويات الإنفاق الداخلي.

2. تجاوز الدين العام: أدى هذا الإنفاق المتزايد إلى ارتفاع الدين العام الأمريكي إلى مستويات قياسية تتجاوز 40 تريليون دولار، مع وصول الدين المملوك للعامة إلى نحو 100% من الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وهي نسبة لم تسجلها واشنطن في أوقات السلم منذ الحرب العالمية الثانية

3.  تسريع وتيرة التخلي عن الدولار: ان الحرب سببت وخلقت مخاوف لدى المستثمرين، مما يؤدي ذلك الى ارتفاع العجز المالي والديون المتزايدة إلى إثارة قلق الدول والمستثمرين بشأن استدامة الاقتصاد الأمريكي، مما ينعكس سلباً على جاذبية الاحتفاظ بالدولار للأجل الطويل

4. تأثير التضخم وصدمات الطاقة: ارتفاع أسعار السلع الأساسية والطاقة نتيجة النزاع يقلل القوة الشرائية للدولار ويجعل الاحتفاظ به كاحتياطي أقل جاذبية للمؤسسات الدولية والبنك المركزي، دفعت هذه الظروف عدة دول إلى توسيع نطاق الاعتماد على العملات الوطنية وتسويات التجارة الثنائية (مثل تبادل العملات وتطوير الصين لنظام التسويات باليوان CIPS ومبادرات تكتل بريكس BRICS).

5. ارتفاع تكاليف الاقتراض: قد تواجه الحكومة الأمريكية صعوبة في الاقتراض بأسعار فائدة منخفضة إذا قلّ إقبال الدول على شراء سندات الخزانة،

القرارات الامريكية نتيجة الأمور أعلاه

يوم 23/8/2026 ، صرح الرئيس الامريكي تصريح غريب، لكن المتابع للاحداث يعرف الامر وهذا التصريح هو (إن إدارته لديها عدة خيارات للتدخل إذا تدهورت أوضاع سوق السندات) حيث اصبح واضح جليا ما تاثير سوق السندات على الاقتصاد الامريكي، وكالاتي:-

1. دعم قوة الدولار والاستثمارات الأجنبية: ارتفاع عوائد السندات الأمريكية يجعلها جاذبة جداً للمستثمرين والأجانب والبنوك المركزية حول العالم. لشراء هذه السندات، يتوجب عليهم شراء الدولار الأمريكي، مما يؤدي لارتفاع قيمة الدولار أمام العملات الأخرى، وهو ما يقلل تكلفة الواردات لأمريكا ولكنه يضر بالصادرات.

2. تحديد تكلفة الاقتراض (القروض والرهن العقاري): عند ارتفاع عائد سندات الـ10 سنوات، ترتفع فائدة القروض العقارية، مما يقلل من حركة شراء المنازل ويهدئ قطاع العقارات. ترتفع تكلفة الدين على الشركات والأفراد، مما يقلل الاستهلاك والتوسع التشغيلي.

3. زيادة العجز: ان السندات عليها فوائد وان الزيادة بشرائها يعني الزيادة في الفوائد التي تتكبد الادارة الامريكية دفعها للمستثمرين على الرغم من ان شراء السندات يوفر سيولة مالية لدى الحكومة الامريكية.

اليابان والسندات

تُعتبر اليابان أكبر دائن وأكبر مالك أجنبي للسندات الحكومية الأمريكية على مستوى العالم (متفوقة على المملكة المتحدة والصين). وفقاً لأحدث بيانات وزارة الخزانة الأمريكية (TIC Data)، يبلغ إجمالي استثمارات اليابان في السندات الأمريكية حوالي 1.12 تريليون دولار أمريكي (تحديداً نحو 1,116.7 مليار دولار). وبذلك تشكل حيازة اليابان وحدهـا نحو 12% من إجمالي الدين الأمريكي المملوك للجهات والأجانب (البالغ نحو 9.3 تريليون دولار).

لكن الايام الاخيرة شهدة انخفاض في عملتها المحلية (الين) مما اضطر اليابانيون الى بيع سنداتهم الامريكية، ونحن نعلم خطورة الامر على امريكا.

مع العلم ان اليابان من ابرز حلفاء امريكا وبالتالي لا تريد لها الانهيار فقامت الولايات المتحدة الامريكية بشراء الين الياباني ودعم الاقتصاد لجعل المستثمرين اليابانيين التوقف عن بيع المستندات.

تاثير حرب امريكا وايران على الاقتصاد الامريكي

1. صدمة أسعار النفط والتضخم: حيث يمر عبر المضيق نحو 20% من إمدادات النفط والغاز المسال العالمية. أي تهديد أو إغلاق للمضيق سيعطل ملايين البراميل يومياً. وبالتالي ادى الى ارتفاع اسعار النفط ونتيجة ذلك ادى الى ارتفاع أسعار الوقود يترجم فورياً إلى زيادات في تكاليف الشحن، الطيران، والمواد الأساسية داخل أمريكا، مما يجهض جهود كبح التضخم.

2. اضطراب أسعار الفائدة وسوق السندات: مع ارتفاع التضخم الناتج عن صدمة الطاقة، يجد مجلس الاحتياطي الفيدرالي نفسه مخيراً بين رفع أسعار الفائدة مجدداً لكبح التضخم والذي يسبب ارتفاع الدين الامريكي، أو خفضها لدعم النمو، مما يخلق حالة من الإرباك للسياسة النقدية.

كما ان امريكا تحتاج الاستثمار في السندات لتمويل الإنفاق العسكري ولتعويض مخاطر التضخم، قد ترتفع عوائد السندات الأمريكية، مما يزيد من تكلفة الاقتراض للشركات والأفراد (مثل الرهن العقاري).

3. ارتفاع الدين المالي والعجز الفيدرالي: تكاليف عسكرية ضخمة: الحروب والعمليات العسكرية الكبرى تُكلف مئات الملايين إلى مليارات الدولارات يومياً.

إصدار المزيد من الدين: ستضطر الخزانة الأمريكية لإصدار سندات خزانة جديدة لتمويل الميزانية العسكرية المفتوحة، مما يرفع حجم الدين العام المتضخم أصلًا ويصل بتكلفة الفوائد السنوية إلى مستويات قياسية جديدة.

4. لجوء المستثمرين للدولار والذهب: في بداية اندلاع أي صراع مسلّح، يهرب المستثمرون عالمياً نحو "الملاذات الآمنة". يؤدي هذا إلى ارتفاع مؤقت في قيمة الدولار الأمريكي وسعر الذهب، إلا أن استمرار الحرب وارتفاع الدين الأمريكي قد يضعف جاذبية الدولار على المدى الطويل. وخصوصا في ان الضغط على المحور الشرقي يتبعة زيادة في سرعة البحث عن استخدام بديل الدولار للدول التي يتم فرض عليها عقوبات.

خلاصة الامر

ان الحرب والعاوامل التي تم ذكرها اعلاه سيحدث تغيير كبير في النظام الاقتصادي العالمي ، وهو ما يسرع التحول نحو عملة عالمية جديدة او ان هيمنة الدولار ستقل وبشكل كبير ولكن هذا حتما سيعتمد على مخرجات الحرب مع ملاحظة امرين:-

الاول: ان الصين وروسيا من مصلحتها ان يضعف الدولار في هيمنته.

ثانيا: لو فرضنا جدا رغم ان المعطيات تقول عكس ذلك، ان نتيجة الحرب تكون لصالح الغرب، فان العالم تعلم درس قاسي جدا وهو عدم الثقة لا بالدولار الامريكي اللذي يطبع بكثرة والذي يفقد قيمته يوم بعد اخر ولا بالسياسة الامريكية التي تركت حلفائها من اجل نمصلحتها.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!