RSS
2026-09-03 15:41:23

ابحث في الموقع

جهاز الادعاء العام.. حارس بوابة العدالة الجنائية

جهاز الادعاء العام.. حارس بوابة العدالة الجنائية
بقلم: نوار عبيد - المدعي العام في رئاسة الادعاء العام

لا تُقاس قوة منظومة العدالة الجنائية، بصرامة العقوبات التي تفرضها أو بعدد الأحكام التي تصدرها المحاكم، وإنما تُقاس بقدرتها على تحقيق التوازن بين حماية المجتمع والمحافظة حقوق الإنسان، وبين مكافحة الجريمة وضمان إجراءات المحاكمة العادلة.

وهنا يبرز دور جهاز الادعاء العام بوصفه الركيزة التي تبدأ عندها العدالة الجنائية، في الدعوى الجزائية نحو غايته المشروعة، لضمان حقوق الانسان والرقابة على المشروعية، ومن هنا جاءت التسمية الحديثة التي تبنتها الأدبيات القانونية الدولية، والتي تصف الادعاء العام بأنه (حارس بوابة العدالة الجنائية)، في إشارة إلى مسؤوليته المحورية في حماية القانون وضمان سلامة الإجراءات الجنائية.

وتشكل مرحلة تحريك الدعوى الجزائية والتحقيق الابتدائي البوابة التي تعبر منها جميع القضايا الجنائية إلى القضاء، فإذا كانت هذه المرحلة قائمة على أسس قانونية سليمة، أمكن للعدالة أن تأخذ مجراها الصحيح، أما إذا شابها خطأ أو مخالفة القانون، فإن ذلك ينعكس سلباً على جميع مراحل الدعوى اللاحقة.

إن الادعاء العام هو أول من يتحمل مسؤولية التحقق من أن الإجراءات الجنائية تسير في إطار الشرعية وسيادة القانون، وأن الأدلة تم جمعها بوسائل مشروعة، وأن حقوق الأطراف كافة قد حُفظت، وأن اللجوء إلى القضاء يستند إلى أساس قانوني سليم.

ولا تقتصر هذه المسؤولية على تحريك الدعوى الجزائية، إنما تمتد إلى الإشراف على التحقيق، ومراقبة أعمال جهات الضبط القضائي، والتأكد من احترام الضمانات القانونية، بما يجعل الادعاء العام الحارس الحقيقي للبوابة التي تدخل منها الدعوى إلى منظومة العدالة.

يقوم عمل الادعاء العام على حماية مبدأ الشرعية، الذي يعد حجر الأساس في الدولة القانونية، فلا يجوز تحريك الدعوى الجزائية أو اتخاذ أي إجراء يمس حرية الأفراد إلا وفق أحكام القانون، ولهذا، فإن دور الادعاء العام لا يتمثل في السعي إلى الإدانة بأي وسيلة، وإنما في ضمان أن يكون تطبيق القانون قائماً على النزاهة والموضوعية واحترام الحقوق والحريات.

وتطورت وظيفة الادعاء العام بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وأصبح ضامناً لتحقيق التوازن بين مصلحتين متكاملتين (حماية المجتمع من الجريمة، والمحافظة على حقوق الإنسان).

إذ يلاحق مرتكبي الجرائم حمايةً للأمن العام، وفي الوقت ذاته يراقب قانونية إجراءات القبض والتوقيف والتحقيق، ويعمل على حماية حقوق الضحايا، واحترام حقوق المتهمين، وضمان حق الدفاع، وقدرته على الوصول إلى الحقيقة من خلال إجراءات عادلة ومشروعة.

والمدعي العام لا يمثل مصلحة شخصية، ولا يعد خصماً في الدعوى، ولا يمثل أحد أطرافها، إنما يمثل المجتمع والقانون، وهو ملتزم بإظهار الحقيقة كاملة.

وهذه الموضوعية هي التي تمنح الادعاء العام مكانته كحارس لبوابة العدالة الجنائية، لأنه لا يسمح بعبور دعوى لا تستند إلى دليل مشروع، كما لا يتغاضى عن جريمة تستوجب المساءلة.

وفي ظل تصاعد الجرائم المنظمة والجرائم الإلكترونية والإرهاب والفساد العابر للحدود، تجاوز دور الادعاء العام الإطار الوطني، ليصبح شريكاً رئيسياً في منظومة العدالة الجنائية الدولية.

إذ يتعاون مع سلطات الادعاء العام في الدول جميعاً، ويشارك في تنفيذ طلبات المساعدة القانونية المتبادلة، وتبادل الأدلة، وتسليم المطلوبين، واسترداد الأموال المتحصلة من الجرائم، والإسهام في مكافحة الجرائم التي تتجاوز الحدود الوطنية.

وبذلك أصبحت بوابة العدالة الجنائية تمتد من الإطار الوطني إلى الإطار الدولي، وأصبح الادعاء العام مسؤولًا عن حمايتها في كلا المستويين.

إن وصف الادعاء العام بأنه (حارس بوابة العدالة الجنائية) ليس مجرد استعارة أدبية، بل هو تعبير دقيق عن حقيقة دوره في الدولة القانونية الحديثة، فهو المؤسسة التي تضمن بداية صحيحة في الدعوى الجزائية، وأن تستمر في إطار الشرعية، وأن تنتهي إلى حكم يحقق العدالة ويحترم القانون.

ولذلك، فإن تعزيز دور الادعاء العام، وتطوير كفاءته، وترسيخ مبادئ النزاهة والحياد والشفافية في عمله، لا يمثل مصلحة لمؤسسة الادعاء العام وحدها، بل هو استثمار مباشر في حماية المجتمع، والمحافظة على الحقوق والحريات، وترسيخ الثقة بالقضاء، وبناء دولة القانون.

وإن العدالة الجنائية لا تبدأ في قاعة المحكمة، وإنما تبدأ عند البوابة التي يحرسها الادعاء العام، فإذا كانت هذه البوابة قوية، قائمة على الشرعية والموضوعية واحترام الكرامة الإنسانية، أمكن للعدالة أن تؤدي رسالتها، وترسخ سيادة القانون، وتحقق الأمن والاستقرار في المجتمع.

وانسجاماً مع توجيهات مجلس القضاء الأعلى الرامية إلى تعزيز الانفتاح على التجارب القضائية الدولية، وتطوير آليات العمل القضائي من خلال توثيق أواصر التعاون مع المنظمات والهيئات القضائية المتخصصة، ولما يمثله جهاز الادعاء العام من مؤسسة مهنية، ولما كانت رابطة المدعين العامين الدولية تُعنى بتعزيز التعاون بين أجهزة الادعاء العام والنيابات العامة، وتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب وأفضل الممارسات الفضلى في مجالات العدالة الجنائية وسيادة القانون، فضلاً عن إتاحة فرص المشاركة في البرامج التدريبية والمؤتمرات والندوات المتخصصة التي تسهم في تطوير القدرات المؤسسية والمهنية لأعضاء الادعاء العام، وهي منظمة غير حكومية وغير سياسية، وهي الشبكة العالمية الوحيدة للمدعين العامين، تضم الرابطة أكثر من (170) عضوًا من المنظمات، بما في ذلك جمعيات المدعين العامين، وسلطات الادعاء، ووكالات مكافحة الجريمة، وبإضافة أعضائها الأفراد، تمثل الرابطة أكثر من 250,000 مدعٍ عام في أكثر من 175 دولة ومنطقة حول العالم، وتلتزم الرابطة بدعم وتمكين المدعين العامين في جميع أنحاء العالم من أجل إرساء سيادة القانون والتطبيق الكامل لمعاييرها الخاصة بالسلوك المهني، وتم إنشاء الرابطة بسبب النمو في الجريمة العابرة للحدود مثل الاتجار بالمخدرات وغسيل الأموال والاحتيال، وتعود أصول الرابطة إلى مؤتمر الأمم المتحدة الثامن لمنع الجريمة والعدالة الجنائية في عام 1990، ثم تطورت لاحقاً من قبل الرابطة الوطنية الهنغارية للمدعين العامين، بالعمل مع فرع منع الجريمة والعدالة الجنائية التابع لمكتب الأمم المتحدة في فيينا، في اجتماع عقد في مكتب الأمم المتحدة بفيينا في حزيران/1995، أنشأ ممثلو أحد عشر بلداً (الرابطة الدولية لأعضاء النيابة العامة) كمنظمة غير حكومية مستقلة، مع مقر أمانتها في خرونينغن بهولندا بحلول تشرين الثاني/نوفمبر. وحضر المشاركون من (49) دولة مؤتمرها الأول في بودابست في سبتمبر 1996، وفي عام 1999 انتقل المقر الرئيسي إلى لاهاي، حيث كان مركزاً للقانون الدولي، في ذلك العام، أعلن عن معايير الرابطة الدولية للمدعين العامين للمسؤولية المهنية وبيان الواجبات والحقوق الأساسية للمدعين العامين، وطلبت من أعضائها المصادقة على التزامهم بها، وفي عام 2003، نشرت الرابطة دليل حقوق الإنسان للمدعين العامين، بحلول عام 2020، نمت عضوية الرابطة إلى منظمات في 177 دولة، تمثل أكثر من 350.000 شخص، بالإضافة إلى حوالي 850 عضواً فردياً.

وإن انتماء جهاز الادعاء العام من خلال مجلس القضاء الأعلى، إلى هذه الرابطة من شأنه تعزيز حضور السلطة القضائية العراقية في المحافل القضائية الدولية، ويوفر إطاراً مؤسسياً لتبادل الخبرات والاطلاع على التجارب المقارنة، بما يسهم في تطوير عمل رئاسة الادعاء العام، ويدعم توجهات مجلس القضاء الأعلى في بناء شراكات مهنية مع المؤسسات القضائية الدولية، وبما يحقق المصلحة العامة ويعزز مكانة القضاء العراقي على الصعيد الدولي.

وانطلاقًا من الدور الرئيسي الذي يضطلع به مجلس القضاء الأعلى في تعزيز التعاون القضائي الدولي، لا سيما في ظل تصاعد الجرائم العابرة للحدود، تُعد العلاقات الدولية بين أجهزة الادعاء العام والنيابات العامة إحدى الركائز الأساسية لتطوير منظومة العدالة الجنائية، فإن الانضمام إلى (الرابطة الدولية للمدعين العامين)، يمثل خطوة استراتيجية من شأنها تعزيز مكانة الادعاء العام العراقي على الصعيد الدولي، وفتح آفاق أوسع للتعاون مع أجهزة الادعاء العام في مختلف دول العالم، والاستفادة من الخبرات المقارنة في مجالات التحقيق والادعاء والتدريب وبناء القدرات.

ويمثل الانضمام إلى الرابطة الدولية للمدعين العامين خطوة ذات أبعاد قانونية ومؤسسية، من أبرزها: )تعزيز التعاون القضائي الدولي، وتطوير قدرات أعضاء الادعاء العام من خلال البرامج التدريبية المتخصصة، والاطلاع على أفضل الممارسات الدولية في مجالات التحقيق والادعاء، وبناء قنوات اتصال مباشرة مع أجهزة الادعاء العام في مختلف الدول، والمشاركة في المؤتمرات واللجان العلمية وفرق العمل المتخصصة، ودعم جهود العراق في مكافحة الجرائم العابرة للحدود، وتعزيز الحضور الدولي لجهاز الادعاء العام العراقي.

ومن اهم الاهداف المرجو تحقيقها: (تعزيز مكانة القضاء العراقي والادعاء العام على المستوى الدولي، وإبراز التجربة القضائية العراقية في المحافل الدولية، وفتح قنوات تعاون مؤسسية مع أجهزة الادعاء العام في مختلف الدول، تعزيز الثقة الدولية بالمؤسسات القضائية العراقية، وتوسيع نطاق التعاون المؤسسي مع أجهزة الادعاء العام في العالم، والاستفادة من الخبرات الدولية في تطوير الأداء المؤسسي، ودعم برامج التدريب والتأهيل المستمر، وتعزيز تبادل المعلومات والخبرات في إطار القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية، والإسهام في تطوير سياسات الادعاء العام بما ينسجم مع المعايير الدولية، كما يسهم الانضمام الى مشاركة أعضاء الادعاء العام في المؤتمرات الدولية، للاستفادة من البرامج التدريبية المتخصصة، وتبادل الخبرات وأفضل الممارسات، والاطلاع على أحدث أساليب التحقيق في الجرائم المعقدة، وبناء شبكة تواصل مباشرة مع أجهزة الادعاء العام الأجنبية، ومكافحة الجرائم العابرة للحدود واهمها الجرائم الإلكترونية غسل الأموال، والاتجار بالبشر، والتعاون في استرداد المطلوبين والأموال والأصول، والمشاركة في مؤتمرات أو ورش عمل دولية، وتنظيم برامج تبادل مهني، وإتاحة فرص تدريب لأعضاء الادعاء العام، وتطوير قدرات أعضاء الادعاء العام في مجالات العدالة الدولية والتعاون القضائي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!