وتظهر الأرقام الرسمية حجم التحول الذي طرأ على الأسعار منذ بداية الحرب، إذ بلغ الرقم القياسي لأسعار المستهلك في شباط 108.9 نقاط، وسجل التضخم السنوي 0.8% فقط، قبل أن يرتفع المؤشر إلى 110.6 نقاط في آذار، ويصل التضخم السنوي إلى 2.2%، ثم يرتفع لاحقا إلى 4.3% خلال نيسان.
ورغم تراجع سرعة التضخم في الأشهر التالية، فإن ذلك لا يعني عودة الأسعار إلى مستويات شباط، إذ يشير انخفاض معدل التضخم إلى تباطؤ وتيرة الزيادة، من دون أن يعني بالضرورة تراجع المستوى العام للأسعار. ولا تزال هيأة الإحصاء ونظم المعلومات الجغرافية تعرض حزيران بوصفه أحدث تقرير منشور لأسعار المستهلك لعام 2026.
ولا تنفصل حركة الأسعار في العراق عن التغير الكبير الذي أصاب طرق وصول السلع إلى البلاد، إذ أحدثت الحرب التي اندلعت نهاية شباط اضطرابا واسعا في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، الذي كان يشهد قبل الحرب مرور نحو 125 سفينة تجارية كبيرة يوميا، بينها ناقلات النفط والغاز، بينما أظهرت بيانات شركة "كبلر" في التاسع من أيلول عبور ست سفن للسلع فقط خلال يوم واحد، وبمتوسط بلغ نحو 12 سفينة خلال الأيام العشرة السابقة.
وأجبر اضطراب طرق الملاحة الموردين على البحث عن منافذ أخرى لإيصال البضائع، ليبرز ميناء العقبة الأردني ضمن المسارات التي سجلت نموا كبيرا في التجارة المتجهة إلى العراق.
وتكشف بيانات نقابة ملاحة الأردن ارتفاع عدد حاويات الترانزيت المتجهة إلى السوق العراقية من 3 آلاف و599 حاوية خلال الأشهر السبعة الأولى من 2025 إلى 37 ألفا و182 حاوية خلال المدة نفسها من العام الحالي، بزيادة بلغت 933.1%.
ويعني انتقال جانب من التجارة إلى مسارات بديلة أن السلعة تتحمل حلقات إضافية من النقل والمناولة والتخزين والتأمين قبل وصولها إلى المستهلك، ما يضيف أعباء جديدة إلى فاتورة الاستيراد في بلد يعتمد بصورة كبيرة على الخارج لتغطية احتياجات أسواقه.
وقال التاجر والمستورد في بغداد رياض العبيدي إن "السوق شهدت تغيرا واضحا في كلف إدخال البضائع منذ اندلاع الحرب، ولم تعد المسألة مرتبطة بسعر السلعة في بلد المنشأ وحده، وإنما بالطريق الذي تسلكه حتى تصل إلى العراق، إذ دفعت اضطرابات الملاحة المستوردين إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنافذ البرية والمسارات البديلة".
وأضاف العبيدي، أن "زيادة أجور النقل والمناولة والتخزين وطول مدة وصول بعض الشحنات أصبحت تدخل ضمن حساب كلفة السلعة، وهذه الزيادة تنتقل تدريجيا من المستورد إلى تاجر الجملة ثم صاحب المحل، وصولا إلى المستهلك، فيما تختلف نسبة التأثر بين سلعة وأخرى بحسب المنشأ وطريقة الشحن والمسار المستخدم".
وتأتي هذه الضغوط في وقت تواجه فيه شريحة واسعة من الموظفين مشكلة أخرى تتمثل في تأخر الرواتب، إذ لم تكن رواتب موظفي عدد من الوزارات قد صرفت حتى اليوم الأخير من آب، بينها التعليم العالي والتربية والكهرباء والصحة، رغم إعلان وزارة المالية في 26 آب المباشرة بتمويل الرواتب، فيما استمرت عمليات التمويل والتوزيع مع دخول أيلول.
وتزيد هذه المعادلة من الضغط على القوة الشرائية للأسر، إذ يواجه الموظف الذي بقي دخله ثابتا منذ شباط مستويات أعلى من الأسعار، فيما يؤدي تأخر حصوله على الراتب إلى زيادة صعوبة تغطية الالتزامات الشهرية، ولا سيما الإيجارات والأقساط والغذاء والنقل والخدمات.
وأوضح الباحث الاقتصادي عبدالسلام حسن أن "المؤشرات التي ظهرت بعد الحرب تعكس أثرا مركبا على الاقتصاد العراقي، لأن الحروب لا ترفع الأسعار من بوابة واحدة، وإنما تؤثر في النقل والتأمين والطاقة وسلاسل التجهيز، وتضيف إلى المستورد والتاجر كلفا ومخاطر جديدة تنعكس في النهاية على السعر الذي يدفعه المواطن".
وأضاف حسن، أن "انتقال التضخم السنوي إلى نحو 4% يمثل تغيرا مهما خلال مدة قصيرة، لكن الأثر الفعلي على الأسرة قد يكون أكبر من الرقم العام، لأن إنفاق أصحاب الدخول المحدودة يتركز أساسا على الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية".
وأشار إلى أن "المشكلة تصبح أكثر وضوحا عندما يتزامن ارتفاع كلفة المعيشة مع ثبات الدخل أو تأخر الراتب، لأن ذلك يؤدي عمليا إلى تراجع القوة الشرائية، كما أن هدوء التضخم لاحقا لا يعني عودة الأسعار سريعا إلى مستويات ما قبل الحرب، خصوصا إذا بقيت تكاليف النقل والاستيراد والمخاطر التجارية مرتفعة".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!