RSS
2026-08-24 22:37:42

ابحث في الموقع

أوروبا والسبات الاستراتيجي: بين وهم الاستقرار وحقيقة الحرب في أوكرانيا

أوروبا والسبات الاستراتيجي: بين وهم الاستقرار وحقيقة الحرب في أوكرانيا
بقلم: ئاريان كركوكي

 مع تواصل الاشتباكات الضارية على امتداد الجبهات الشرقية والجنوبية لأوكرانيا، تتسارع التكهنات حول ما إذا كانت هذه المرحلة تفصح عن إرهاصات نهايات الحرب وتعب الأطراف، أم أنها مجرد مناورة وتكتيك حرب استنزاف طويل الأمد. فحركة الميدان الحالية لا توحي بانهيار وشيك أو حسم عسكري سريع، بل تعكس تباطؤاً في وتيرة التقدمات الكبرى وتحولها إلى معارك تكسير إرادة وبحث عن مواقع أفضل على طاولة التسويات المستقبلية. إن هذا الجمود الميداني المتحرك، المزود بضربات متبادلة في العمق، يخلق وهماً بأن الحرب تتجه للهدوء، بينما هي في الواقع تترسخ كواقع دائم؛ مما يطرح تساؤلاً عميقاً حول طبيعة هذا “الاحتيال الجبهوي” الذي تُدار به المعارك لصالح استراتيجيات كبرى تتجاوز حدود الجغرافيا الأوكرانية وحده.

الجذور التاريخية وتفكيك الهوية المشتركة  

يرتكز الخطاب السياسي والتاريخي لموسكو على أن جذور الدولتين تعود إلى كيان قروسطي تأسس في القرن التاسع الميلادي وعاصمته كييف (كييف روس)، حيث يعتبر الفكر الروسي أن هذا الكيان هو المهد الأول المشترك للحضارة والثقافة الروسية ومنطلق الكنيسة الأرثوذكسية. ومن هنا تتبنى العقيدة السياسية للكرملين مقولة أن الروس والأوكرانيين والبيلاروس يشكلون جذعاً واحداً أو “شعباً واحداً”، وهي القاعدة التي تستند إليها موسكو لتبرير روابط الدم والتاريخ واعتبار الانفصال السياسي حالة طارئة.وفي المقابل، يرى المؤرخون الأوكرانيون والغربيون أن مسار الشعبين افترق تاريخياً منذ العصور الوسطى بفعل عوامل الجغرافيا وخضوع أجزاء واسعة من أوكرانيا لنفوذ قوى إقليمية أخرى كليتوانيا وبولندا، مما أدى تدريجياً إلى نشوء لغة وتقاليد وثقافة ذات مسار مستقل رسخ هوية أوكرانية خاصة ترفض أي ذوبان أو تبعية ثقافية لموسكو. ولم تقتصر الأزمة على تباين الهوية، بل امتدت لتشمل إرثاً ثقيلاً من السياسات القيصرية والسوفيتية؛ فقد سعت الإمبراطورية قديماً لدمج أوكرانيا تحت تسمية “روسيا الصغرى” وفرض سياسات الروسفة، بينما ترك الاتحاد السوفيتي إرثاً متناقضاً تمثل في الاعتراف الرسمي بوجود “جمهورية أوكرانيا” وكيانها كجمهورية مستقلة داخل الاتحاد، بالتوازي مع فرض هيمنة مركزية ولغوية طويلة الأمد، إضافة إلى زرع حدود إدارية مصطنعة أبرزها نقل تبعية شبه جزيرة القرم عام 1954. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي عام 1991، وجدت أوكرانيا نفسها دولة مستقلة ضمن تلك الحدود التي تضم ملايين الناطقين بالروسية في الشرق، لتنفجر لاحقاً هذه التناقضات الكامنة حول هوية الدولة وتوجهاتها.

الدوافع الاستراتيجية الحقيقية وأبعاد الصراع

تتجاوز الحرب الدائرة حدود النزاع الإقليمي البحت لتشكل معركة كسر إرادة كبرى تهدف إلى إعادة هندسة النظام العالمي؛ فالصراع يمثل محاولة من المعسكر الغربي بقيادة واشنطن لكبح التحالف المتنامي بين موسكو وبكين وتقويض الهيمنة الأحادية، حيث جرى استدراج روسيا إلى مستنقع أوكرانيا لإضعافها اقتصادياً وعسكرياً وعزلها استراتيجياً لتوجيه رسالة ردع قوية للصين مستقبلاً. وعلى الصعيد الأوروبي الداخلي، لعبت الأزمة دوراً جيوسياسياً في محاولة احتواء أزمة الشرعية التي تعاني منها الأنظمة الحاكمة؛ إذ استغلت النخب التقليدية التهديد الوجودي الخارجي لخلق جبهة موحدة تهدف إلى امتصاص وتطويق صعود التيارات الشعبوية واليمين واليسار المتطرف، رغم أن استمرار الحرب تحول لاحقاً إلى سلاح ذو حدين يرتد على استقرار الحكومات ونظمها السياسية. وبهذا المعنى، تحولت هذه الحرب برمّتها إلى مختبر ضخم لإعادة هندسة النظام المالي والسياسي العالمي.

الاقتصاد، البراغماتية الأمريكية، وتحول الشارع الأوروبي

أفرز استمرار الصراع تحولات عميقة في البنية الاقتصادية والواقع النفسي للشارع الأوروبي؛ فبينما ساهم انتعاش الأسواق الصناعية والعسكرية وتحريك عجلة الإنتاج في تخفيف الصخب المباشر للمتذمرين، بلغ المجتمع الأوروبي مرحلة من البرود واللاعبه والتعايش مع الحرب باعتبارها حدثاً روتينياً تخص “غرباء” ولا تمس المواطن الأوروبي المباشر. وتتداخل هذه الديناميكية مع براغماتية الإدارة الأمريكية التي تهدف إلى إدارة الاستنزاف وإبقاء كرة النار بعيدة عن أراضيها، مستخدمة الأزمات والأوراق الجيوسياسية لإبقاء الحلفاء منضبطين تحت مظلتها. وتتقاطع هذه المعطيات مع مقارنة تاريخية مع الحرب العراقية الإيرانية من حيث التعايش مع الاستنزاف، غير أنها تفتقر تماماً إلى الروح الوطنية والمقاومة الوجودية، كون الأوروبي لا يرى في هذه المعركة دفاعاً مصيرياً عن كيانه القومي، مما يجعل الدعم الغربي قابلاً للتآكل كلما تغيرت الحسابات الكبرى.

ما بين الحرب واللاحرب. هل تصحو أوروبا من سباتها في فهم الصراع؟

تجسد منطقة “ما بين الحرب واللاحرب” المعضلة الوجودية الكبرى التي تعيشها القارة الأوروبية اليوم؛ فهي تعاني من حالة “تخدير استراتيجي” جعلتها تتعامل مع صراع يهدد عتباتها وكأنه مجرد نشرة أخبار روتينية. إن السؤال عما إذا كانت أوروبا ستصحو من هذا السبات يرتكز على صراع مكتوم بين ضغط الواقع والإنهاك الشعبي المتزايد من جهة، وبين قصور النخب الحالية واطمئنانها للمظلة الأمريكية من جهة أخرى. وإذا لم تدرك القارة مبكراً أن فاتورة هذا الاستنزاف ستعود لتضرب استقرارها الداخلي، فإن الصحوة لن تأتي إلا عبر هزة اقتصادية كبرى أو انقلاب المشهد عبر صناديق الاقتراع حين تدرك الشعوب حجم التورط التاريخي لنخبها.

المآلات السياسية والنهايات المتوقعة للمشهد

تتجه مآلات الصراع نحو نهايات دراماتيكية قد تفضي إلى فرار أو تراجع القيادة السياسية الأوكرانية متمثلة في الرئيس زيلنسكي، تاركة الشعب الأوكراني وحده في مواجهة مأزق الفاتورة الباهظة للدمار والنزوح، بينما ينسحب اللاعبون الكبار من المشهد بعد تحقيق أهدافهم الاستراتيجية. وعلى المستوى الأوروبي، فإن استمرار النخب السياسية الحالية في نهج إطالة أمد الحروب يتناقض بصورة صارخة مع الوجدان التاريخي للقارة؛ فالأوروبيون أسسوا استقرارهم بعد الحرب العالمية الثانية على رفض مبدأ الدمار الشامل والحروب الكبرى. إن غياب الوعي الكافي لدى الساسة الحاليين بخطورة متاهة الحروب الطويلة -مقارنة بذاكرة الدمار السابقة-ينذر بأن القارة تعيد إنتاج أخطاء الماضي الاستراتيجية، وهو ما قد يفرض في النهاية تحولاً جذرياً عندما تنعكس حالة الإنهاك الشعبي والبرود البرلماني بشكل حاسم على صناديق الاقتراع.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!