RSS
2026-02-11 15:52:42

ابحث في الموقع

حكاية عراقي يتحدث همساً..!

حكاية عراقي يتحدث همساً..!
بقلم: قاسم حول

التقيته في الأوتيل الذي أقيم فيه بمدينة طرابلس الليبية، رجل وقور، عرفني وعرّفني بنفسه. محام قديم وقدير ومعروف في مدينة كركوك. تم اعتقاله بتهمة سابقة لتعاونه مع حكومة “عبد الكريم قاسم” قبل أكثر من عشرين عاما، فتم تعذيبه.. كان ذلك في العام 1984.. قال لي بهمس “.. وعندما تم اعتقالي أخذوني إلى محل خياطة نسائية، وشاهدت في المحل بضع فتيات يعملن في خياطة الملابس.. فتح باب آخر، وإذا بي في مدخل آخر مختلف، ومن المدخل الجديد نزلت سلالم كثيرة، فوجدت نفسي داخل قبو، وبعد الضرب والإهانات لعدة أيام والسؤال والجواب جي بطبيب مخابرات أو مضمد أمني خاص، أخذ يقوم بزرق الأبر في الساقين والقدمين ويقوم بتجريح أرجلي بالمشرط.

أخذني إلى غرفته في الأوتيل بطرابلس حيث التقيته، وكشف لي عن آثار التعذيب، وكان يلف ورق التواليت على رجليه لكي لا تنز قيحا على فراش سرير نومه. طلب مساعدتي له لإبلاغ الحكومة الليبية لأخذه إلى أحد المستشفيات ذات الإختصاص. وقال لي أنني أعرفك وقد شاهدت فيلمك الأهوار..!

كان يرافقنا في وفودنا الفلسطينية شاب ليبي مثقف حقا ويتقن ثلاث لغات وإسمه “المبروك عبد السلام” وهو المسؤول عن الوفود الفلسطينية في ملف المقاومة الفلسطينية، وقد أصبح صديقا لي يضاف إلى أصدقائي الليبيين الطيبين لؤي بوغراره ومحمد حموده وعبد السلام رزق وسواهم من الطيبين. إتصلت بالمبروك عبد السلام لكي يوفر له العلاج في أحد المستشفيات الليبية.

ثم واصل حديثه ولكن بهمس.. “عشت حياة صعبة لثلاثة شهور، ثم أفرج عني بعدها. أهلي يعتقدون أنني في عداد الموتى. عدت إلى البيت والوقت بعد منتصف الليل. ارتعبت زوجتي التي كانت ترتدي الملابس السوداء وترفض النوم في غرفة الزوجية، حيث وجدتها نائمة في صالة الدار. في اليوم التالي عدت إلى عملي في مكتب المحاماة وأنا أعاني من تعب شديد وإرهاق لا يوصف. وكانت ساقاتي تنز قيحا. يوما وأنا عائد إلى منزلي اعترضتني شاحنة وفيها بعض المسلحين. أخذوني إلى معسكر مع عدد من المواطنين في الشاحنة وقالوا لنا “أنتم الآن في الجيش الشعبي” أعطوني مع الآخرين ملابس عسكرية وحذاء، وقالوا لنا أنتم تحتاجون إلى بضعة أيام للتدريب السريع. أخرجونا إلى الساحة وقال لنا العسكري “من يهرب من هذه الخدمة الوطنية يكون مصيره الموت” وأمر بإخراج خمسة عشر شخصا من الفارين من الخدمة وتم إعدامهم رميا بالرصاص أمامنا.. هكذا سيكون مصيركم في حالة هروبكم من الخدمة” أعطونا يوما واحدا لوداع أهلنا. ليلتها أرسلت عائلتي إلى قرية في شمال العراق، وهربت أنا على بغل مع أحد المهربين إلى إيران بعد أن دفعت له مائتي دينار، في إيران اتصلت بالسفارة الليبية، ووصلت إلى هنا.. قال لي أنني أعرفك فأنت مخرج فيلم الأهوار وقال لي أنا مشتاق إلى عائلتي زوجتي وبناتي وأكثر شوقا إلى إبنتي في آخر العنقود، واسمها رباب..وأخرج محفظته لأشاهد صورة الصغيرة والجميلة رباب! 

وواصل حديثه معي همسا، ويظن أن الثورة سوف تشتعل بين ليلة وضحاها.. وهو لا يعرف أن المعارضة العراقية “ولدت ميتة” وإن فصائل المعارضة هم فصائل من الحرامية بدائل عن عشيرة اللصوص الواحدة التي هيمنت على مقاليد الوطن آتية من قرية “العوجة”، ويعتقد أنني أنا الذي سوف أذيع البيان الأول من دار الإذاعة العراقية، في يوم الثورة ضد الدكتاتور.. قال لي وهو يهمس.. بعد أن تذيع البيان الأول للانقلاب أرجو أن يكون مضمون البيان الثاني..”أن تطلب من الناس التحدث بصوت منخفض، بل ويتحدثون همسا، وأن لا يرفعوا أصواتهم في النقاش والبيع والشراء، وتمنع أبواق السيارات وتمنع الهوسات في المظاهرات وترجو الناس في البيان الثاني للثورة، التحدث في الشارع وفي المقهى وفي البيت وفي كل مكان بهمس، لأن العراقيين قد تعبت أعصابهم، ولا يتحملون سماع الضجيج “…!!

جاءت سيارة الإسعاف وأخذته إلى أحد مستشفيات طرابلس، وجسده ينز قيحا من آثار مشرط التعذيب في محل الخياطة النسائية..!

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!