RSS
2026-02-18 14:51:56

ابحث في الموقع

الضرائب.. لنا أم علينا؟

الضرائب.. لنا أم علينا؟
بقلم: محمد النصراوي

‏مفارقة عراقية بامتياز، تضع فلسفة الجباية والضرائب في مواجهة مباشرة مع البعد الإنساني المنهك، إننا لا نتحدث هنا عن مجرد تحديث تقني في أروقة الجمارك، بل عن تحول بنيوي عميق في علاقة الدولة بالمواطن، حيث تحاول السلطة المالية العبور من ريعية النفط المطلقة إلى جغرافيا الضرائب المباشرة، متسلحة بشعارات حماية المنتج الوطني وتعظيم الموارد السيادية، لكن هذا التحول، وبقراءة استقصائية هادئة، يبدو وكأنه ينسج ثوباً من الحرير لجسد يعاني أصلاً من قروح التضخم المستتر وتآكل القوة الشرائية، مما يحول “الضريبة” من أداة تنموية إلى عبء ينوء بحمله الشارع العراقي الذي لم يعد يحتمل المزيد من الصدمات السعرية.

‏إن تأمل المشهد الاقتصادي الراهن يكشف عن فجوة مخيفة بين “النظرية” و”الواقع المعاش”؛ فبينما تتفاخر التقارير الرسمية بزيادات ملموسة في الإيرادات الجمركية وصلت إلى حد التضاعف بفضل أتمتة الإجراءات والحد من التلاعب البيروقراطي، يجد المواطن نفسه يدفع “ضريبة التحديث” من قوته اليومي.

‏لقد جاء نظام “أسيكودا” كصرخة تقنية في وجه الفساد الورقي، وهو بلا شك قفزة تنظيمية لا يمكن إنكارها من حيث دقة البيانات والرقابة المركزية، إلا أن تطبيقه المفاجئ والشامل أحدث ما يمكن وصفه بـ “الصدمة الاقتصادية” للقطاع التجاري، هذه الصدمة لم تكن تقنية فحسب، بل كانت مالية بامتياز، إذ إن الانتقال من الرسوم المبسطة والتقديرات المرنة إلى حسابات رقمية صارمة ترافق مع رفع الرسوم على مواد أساسية، تحت لافتة عريضة مفادها “في سبيلكم ومن أجلكم”، وهي عبارات تذكرنا بتلك النبرة الأبوية في مسرحية “الزعيم” حينما سألوا عادل إمام لماذا قمتم بالثورة؟، وهي شعارات تبرر التضحية من أجل مستقبل هلامي لا تظهر ملامحه في الأفق القريب.

‏الحقيقة المرة التي تتكشف خلف ستار السياسات الضريبية هي أن الدولة تحاول حماية منتج محلي لا يزال في “طور النقاهة” أو التعثر البنيوي، مما يجعل الرسوم الجمركية المرتفعة مجرد ضريبة مضافة يتحملها المستهلك النهائي دون وجود بديل وطني حقيقي يسد الفراغ في السوق، هنا تتحول الرؤية من “بناء اقتصاد” إلى “تجميع أموال”، حيث تلاحق الجباية المواطن في رغيف خبزه وسقف منزله، وتنتقل ككرة ثلج من المنافذ الحدودية لتنفجر غلاءً في الأسواق المحلية، مما يخنق المبادرات التجارية الصغيرة التي تمثل عصب الحياة في مدن العراق، إن هذا الارتباك في سلاسل التوريد، وما رافقه من احتجاجات التجار في بعض المناطق، يشير بوضوح إلى أن الإصلاح الهيكلي لا يمكن أن ينجح إذا تم فرضه كـ “صدمة قسرية” دون مراعاة لتوقيتات السوق وقدرة المجتمع على التكيف.

‏وعند الغوص في عمق الأزمة، نجد أن الدولة القوية لا تُبنى فقط بزيادة الأرقام في جداول وزارة المالية، بل بمدى قدرة هذه الأموال على التحول إلى خدمات ملموسة ترمم العقد الاجتماعي المتهالك، إن الجباية في ظل غياب التوازن بين الكلفة والخدمة تؤدي بالضرورة إلى انكماش الثقة بين السلطة والمجتمع؛ فالمواطن الذي يُطالب بدفع ثمن “السيادة الضريبية” يبحث عن أثر تلك الأموال في مدرسته ومستشفاه وطريقه، وليس في مجرد سد عجز الموازنة أو تضخم الجهاز الإداري، إن الحاجة باتت ملحة اليوم لـ “أنسنة” الاقتصاد العراقي، والخروج من دائرة الشعارات الإعلامية إلى حيز الرفاه الاجتماعي، إذ لا يمكن لآليات “أسيكودا” الصارمة أن تنجح في بيئة تعاني من ازدواجية في التحصيل أو تسرب في بعض المنافذ غير المرتبطة بالمنظومة المركزية، مما يخلق حالة من عدم التكافؤ التجاري ويفرغ السياسة الجمركية من محتواها الأخلاقي.

‏إن الدراما الاقتصادية التي نعيشها تفرض على صانع القرار أن يدرك بأن القوة الحقيقية تكمن في ازدهار السوق ورضا البشر، لا في القدرة التقنية على عصر جيوب الطبقات الهشة، إن الضرائب والجمارك، وإن كانت أدوات سيادية لا غنى عنها، إلا أنها في السياق العراقي الحالي تتطلب رؤية استراتيجية تفرق بين “الجباية الواعية” وبين “الإرهاق المالي”، إننا أمام لحظة حاسمة تستوجب تحويل تلك الضرائب إلى حقوق حقيقية يشعر بها البسطاء، لكي لا يظل المواطن العراقي هو من يدفع ثمن تذاكر مسرحية “الإصلاح” من قوت يومه، منتظراً ذلك اليوم الذي تصبح فيه موارد دولته حقاً “له” لا “عليه”.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!