RSS
2026-03-10 22:17:39

ابحث في الموقع

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (20)

أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (20)
بقلم: نزار حيدر

{وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}.

  إِنَّ سلاحَ [الخِداع] والتَّضليل ليسَ بالشَّيء الجديدِ، فهوَ أَحدُ أَهمِّ وأَخطرِ أَسلحةِ الحرُوبِ والصِّداماتِ الحَضاريَّةِ منذُ أَن خلقَ الله تعالى البشريَّة، وإِنَّ أَوَّلَ مَن وظَّفَ هذا السِّلاح لتحقيقِ أَغراضهِ الدَّنيئة [تحدِّي الله تعالى] هوَ إِبلسُ كما في قَولهِ تعالى {فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَٰذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}.

  والوِسواسُ، الذي يُنتجُ التَّشكيكَ والتردُّدَ والقَلَقَ النَاتِجٌ عَنِ اضْطِرَابٍ نَفْسِيٍّ، هو نوعٌ من الخِداع كما هوَ واضحٌ، وأَكثرُ من ذلكَ عندما أَقسمَ لهُما ليُثبِتَ لهُما صحَّة [المعلُومة] {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ* فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ ۚ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۖ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ}. 

  ونوعٌ آخر من الخِداع والتَّضليل هوَ تزيِّين العمل الخطأ بشتَّى الطُّرق حتَّى يراهُ المخدُوع جميلاً ومُثمراً ومقبُولاً وبالتَّالي يستمرُّ عليهِ رافِضاً كُلَّ أَنواع النَّصائح والتَّحذيرات حتَّى ينتهي بهِ المَطاف إِلى أَن يقفَ على جُرفٍ هارٍ قبلَ أَن يسقُطَ في وادٍ سحيقٍ!.

  يقولُ تعالى {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَّكُمْ ۖ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرَىٰ مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ ۚ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ}.

  والمُلفِتُ للنَّظرِ أَنَّ شياطين الإِنسِ والجنِّ الذينَ يزيِّنونَ للمخدُوعِ أَعمالهُ وأَفكارهُ ونهجهُ يتخلَّونَ عنهُ عندما يُلاقي حتفهُ، ليتبيَّنَ للمخدُوعِ بأَنَّهم كانُوا يعرفُونَ الحقيقةَ والنَّتيجةَ السَّوداءَ حقَّ المعرفةِ فهُم خدعوهُ معَ سِبقِ الإِصرارِ والترصُّدِ ليسيرَ في الطَّريقِ الخطأ إِلَّا أَنَّهم لن يذهبُوا معهُ إِلى نهايةِ الطَّريق لمعرِفتهِم بعاقبتهِ السيِّئة.

  وهذهِ واحدةٌ من أَبرزِ علاماتِ [الخداعِ] فإِذا اكتشفتَ أَنَّ [النَّاصحَ] يترُككَ في وسطِ الطَّريقِ ويرفُض أَن يمشي معكَ إِلى النِّهايةِ فتيقَّن بأَنَّهُ [ناصحٌ] مُخادعٌ وغَيرُ صادقٍ لا يُمكِنُ الوثُوقَ بهِ يريدُ تضليلكَ لأَيِّ سببٍ كانَ فرُبَّما يُريدُ توريطكَ ليضحكَ عليكَ مثلاً أَو أَنَّهُ يُريدكَ أَن تفشلَ ليحِلَّ محلَّكَ أَو يُريدُكَ أَن تنهزمَ حتَّى يخلُو لهُ الجوَّ أَو يُريدُ أَن يبتزَّكَ بعدَ المُصيبةَ! ولذلكَ فإِنَّ السِّلاحَ الماضي في كُلِّ هذهِ الحالاتِ هوَ كما يصفهُ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقَولهِ {واتَّهِمْ فِي ذَلِكَ حُسْنَ الظَّنِّ} لأَنَّ حُسنَ الظنِّ بمثلِ هذهِ الحالاتِ يُزيدُ من نسبةِ نجاحِ خُططِ المُخادع.

  إِلَّا إِذا قرَّرتَ أَنتَ ولأَيِّ سببٍ كانَ أَن تترُكَ وتتنكَّبَ الطَّريقَ ولا تُواصِلَ المَسيرَ حتَّى النِّهايةَ فمِن الطَّبيعي أَن يترُككَ [النَّاصِحُ الأَمين] إِذ ليسَ منَ المعقُولِ أَنَّهُ يُواصل الطَّريق نحوَ الهدَف بالنِّيابةِ عنكَ!.

  ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ الرُّسلَ والأَنبياءَ والمُصلحينَ الذين يصفهُم القرآن الكريم {أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ} فإِنَّما لأَنَّهم لم يتركُوا أَقوامهُم وأُممهُم في مُنتصفِ الطَّريقِ وإِنَّما يُرافقُونهُم إِلى آخرِ المطافِ إِلَّا إِذا اتَّخذَ بعضهُم طريقَ الضَّلالِ والإِعوجاجِ ورفضُوا الإِصغاء لنصائحهِم وتحذيراتهِم، وهو أَمرٌ طبيعيٌّ، فأَنتَ تذهب مع الآخر إِلى نِهاية الطَّريق عندَما تشعُر أَنَّهُ ذاهبٌ بالفعلِ في الإِتِّجاهِ الصَّحيحِ أَمَّا إِذا شعرتَ أَنَّهُ بدأَ ينحرِفُ شيئاً فشيئاً فبالتَّأكيدِ أَنَّك ستترُكهُ يذهب لوحدهِ إِلى حيثُ أَلقت رحلَها أُمَّ قشعَمِ، كما يُقال.

  أَمَّا إِذا زيَّنَ الله تعالى لعبدٍ أَعمالهُ فتأَكَّد بأَنَّهُ مُستَدرَجٌ وأَنَّ الله سُبحانهُ يستدرِجهُ بتزيينِ عملِهِ لهلاكهِ لأَسبابٍ عدَّةٍ مِنها العَناد ومِنها التكبُّر والتجبُّر ومِنها الغرُور.

  يقولُ تعالى {إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ}.

  والإِستدراجُ الإِلهي لا علاقةَ لهُ بالدِّينِ والصَّومِ والصَّلاةِ وغيرِها من العباداتِ، فقد يُستدرَجُ [المُؤمنُ] إِذا ظلمَ ونسيَ ما يلزَم أَن تتركهُ صلاتهُ على سلوكيَّاتهِ، أَو قد يُستدرَج [المُتدِّينِ] إِذا أَكلَ مالَ اليتيمِ ظُلماً، ولذلكَ قالَ تعالى {مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ} فالجماعةُ [المُؤمِنةُ] كذلك يمتحنُها الله تعالى ليميزَ الخبيثَ من الطيِّبِ.

  أَلم يحدِّثُنا القرآن الكريم عن نموذجٍ [إِيمانيٍّ] كانَ الله تعالى قد رفعهُ إِلى أَعلى المراتبِ لكنَّهُ في نهايةِ المطافِ لم يشكُر فضلَ الله تعالى عليهِ ولم يحترِم منزلتهُ العالِية ولم يُقدِّر المَوقف بشَكلٍ صحيحٍ فكانت النَّتيجة أَنَّ الله تعالى شبَّبهُ بالكلبِ، وما أَكثر هذهِ النَّماذج التَّافهة في كُلِّ زمانٍ ومكانٍ!.

  يقولُ تعالى {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ* وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَٰكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ ۚ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ۚ ذَّٰلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا ۚ فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}.

  والعكسُ هوَ الصَّحيحُ جدّاً، فعندما يلتزِمُ المرءُ بطريقِ العدلِ والإِنصافِ [يُصلِحُ] الله تعالى أَعمالهُ ويهديَهُ إِليها وهوَ عكسُ الإِستدراجِ.

  يقُولُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ ۗ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} وقولُهُ تعالى {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!