بداية أود أن أنوه بأني قد تناولت هذا الموضوع قبل ما يقارب الثلاثة عقود وتحدثت في مناسبات وأماكن معينة .وكذلك افردت له فصلًا كاملًا في كتاب الموسوم (الشعر الحسيني بين الإزدهار والإنحسار) والذي طبع عام ـ 2013 ولكن الأمر الذي حفزني على تناوله مرة أخرى وتدوينه بسبب ما بدأ يتطرق له بعض الفضلاء والمبلغين والمهتمين بشان القضية الحسينية.
كثيرا ما يرد في قصائد الشعراء أو على ألسنتهم مفردة العشق. ويريد من إتيانها الشاعر التعبير عن أسمى معاني الحب للمعصوم الذي كتب بحقه قصيدته.
قبل أن آتي ببعض التفاصيل أود أن أبين تعريف مفردة العشق.
العشق في اللغة: بكسر العين وسكون الشين مصدر عَشَقَ، وهو فرط الحب إذا تجاوز حدود العقل.
والحُبْ: هو ميل النفس إلى المحبوب مع العقل، فإذا تجاوز العقل فهو العشق، وقيل العِشْق من العَشَقَة وهو نبات اللبلاب الذي يلتوي على الشجرة ويلزمها فهو محيط بها من أصلها إلى فرعها.
والعرفاء يعدون العشق على أنه شكل مفرط من أشكال المحبة. وفي الوقت الذي ينظر فيه إلى الحب على أنه أسمى عاطفة يتحلى بها الإنسان، فقد أُعِدَ العشق أنه عبارة عن حالة مرضية تحدث نتيجة شدة المغالاة في الحب، مما يعكس ذلك آثارا سلبية على شخصية العاشق تتظاهر باضطرابات جسمية، فضلا على الاضطرابات السلوكية والتي كثيرا ما تدفع الشخص المصاب لأن يرتكب تصرفات غير عقلانية.
وقد اعتبر الأطباء العشق على أنه مرض من الأمراض العصبية أو النفسية كالصرع والصداع وغير ذلك وقال بعضهم أن المرض الذي لا يرجى شفاؤه وأشار إلى ذلك أحد الشعراء في قوله:
وضع الآسي بصدري كفه قال مالي حيلة في ذا الهوى.
والآسي هنا يعني الطبيب وقد يئس من علاج هذا المرض .. ولعل أول الأطباء المتكلمين في هذا المرض الذي هو العشق الطبيب اليوناني أبقراط الملقب بابي الطب . حيث قال وهو يصف هذا المرض : العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع فيه مواد من الحس. فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة السهر. وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء، ومن طغيان السوداء وفساد الفكر يكون الفَدامة ونقصان العقل، ورجاء ما لم يكن وتمني ما لم يتمن حتى يؤدي ذلك إلى الجنون.
العشق ليس الحب
قال أبو هلال العسكري الفرق بين العشق والمحبة: أن العشق شدة الشهوة لنيل المراد من المعشوق إذا كان إنسانا والعزم على مواقعته عند التمكن منه ، ولو كان العشق مفارقا للشهوة لجاز أن يكون العاشق خاليا من أن يشتهي النيل ممن يعشقه ، إلا أنه شهوة مخصوصة لا تفارق موضعها وهي شهوة الرجل للنيل ممن يعشقه ، ولا تسمى شهوته لشرب الخمر وأكل الطيب عشقا، والعشق أيضا هو الشهوة التي إذا أفرطت وامتنع نيل ما يتعلق بها قتلت صاحبها ولا يقتل من الشهوات غيرها ألا ترى أن أحدا لم يمت من شهوة الخمر والطعام والطيب ولا من محبة داره أو ماله ومات خلق كثير من شهوة الخلوة مع المعشوق والنيل منه.
وعند الحكماء، العشق: هو الإفراط في الحب، وعرفه ابن سينا بأنه مرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون له، ثم أعانته على ذلك شهوته.
وقال بعض الحكماء: العشق طمع يحدث في القلب قهراً ، وكلما قوي، زاد صاحبه قلقاً وضجراً فيلتهب به الصدر، فيحترق الدم، فيصير مع الصفراء سوداء، وطغيانه يفسد الفكر ويؤدي للجنون فربما مات وقتل نفسه .
وعند الأطباء، العشق: ضَرْبٌ من الماليخوليا والجنون والأمراض السوداوية.
قال جالينوس: العشق من فعل النفس، وهي كامنة في الدّماغ والقلب والكبد، وفي الدّماغ ثلاث مَساكن، التخيلُ في مُقدَّمِهِ ، والفِكْرُ في وَسَطِهِ، والذِّكْرُ في آخرِهِ، فلا يكون أحدٌ عاشقاً حتّى إذا فارق معشوقه، لم َيخْلُ من تَخَيُّلِهِ وفِكْرِهِ و ذِكْرِهِ، فَيَمْتَنعُ من الطعام والشراب، باشتغال قلبهِ وكبدهِ، ومن النّوم باشتغال الدّماغ بالتخيّل والذّكر والفِكر للمعشوق، فتكون جميع مساكن النفس قد اشتغلَتْ به، ومتى لم يكن كذلك لم يكن عاشقاً ، فإن أُلْهِيَ العاشق خَلَتْ هذه المساكن ورجع الإعتدال.
وعن أرسطو : إنه عمى الحس عن إدراك عيوب المحبوب ، وهو من الأمراض المعروفة من أنواع الماليخوليا الذي هو تشويش الظنون والفكر إلى الفساد والخوف
العشق يميت القلب
وفي علل الشرائع والأمالي عن المفضل بن عمرو قال: سألت أبا عبد الله جعفر الصادق صلوات الله عليه عن العشق فقال صلوات الله عليه: (قلوب خلت من ذكر الله فأذاقها الله حب غيره).
وعن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال : (من عشق شيئا أعشى بصره وأمرض قلبه فهو ينظر بعين غير صحيحة ، ويسمع بأذن غير سميعة ، قد خرقت الشهوات عقله ، وأماتت الدنيا قلبه، وولهت عليها نفسه، فهو عبد لها ولمن في يديه شيء منها).
وفي شرح نهج البلاغة لأبن أبي الحديد في الحكم المنسوبة لأمير المؤمنين صلوات الله عليه قال: (العشق مرض ليس فيه أجر ولا عوض)
وعنه صلوات الله عليه أنه قال : الهجران عقوبة العشق.
العشق في آراء بعض العلماء
قال الميرزا حسين النوري صاحب كتاب مستدرك وسائل الشيعة:
العشق : هو الافراط في الحب ، وهو من الأمراض المعروفة من أنواع الماليخوليا الذي هو تشويش الظنون والفكر إلى الفساد والخوف، وعرفه الأطباء بأنه مرض وسواسي يجلبه الإنسان إلى نفسه بتسليط فكرته على استحسان بعض الصور والشمائل التي تكون له، ويعتري للعزاب والبطالين والرعاع، ويزيد بالنظر والسماع، وينقص بالسفر والجماع.
وقال: هذا طريق كلما ازداد صاحبه سيراً، زاد بعداً عن ساحة معرفة الحق، التي هي غاية سير السالكين ، فإنَّ خلُوَ القلب عن حبه تعالى هو السبب الأعظم في استحسان الصور، فكيف يصير طريقاً له؟
قال المجلسي في بحار الأنوار: العشق هو الإفراط في المحبة، وربما يتوهم أنه مخصوص بمحبة الأمور الباطلة ، فلا يستعمل في حبه سبحانه وما يتعلق به، وإن كان الأحوط عدم إطلاق الأسماء المشتقة منه على الله تعالى بل الفعل المشتق منه.
رأي الشيخ الأصفهاني في العشق:
يقول الشيخ الأصفهاني إنه لما كانت أسماؤه وصفاته تعالى توقيفية ينتظر إطلاق أولي الأمر من الأسماء والصفات بما يليق بجنابه عز وجل ولا يجوز إطلاق اسم أو صفة مما لا يليق بشأنه سبحانه ، فمثل الأسماء الحسنى في دعاء الجوشن الكبير وغيره يطلق عليه ويستعان بكل واحد منها ويستجار بها ، أما مثل (العاشق )و (المعشوق) مما لم نجده في الآثار فلا يجوز إطلاقه عليه تبارك وتعالى ، ولا يجوز التجاوز عن الأسماء الإلهية وحدود الأحكام المبينة. أيضا بناء على التوقيف.
الصوفية هم أول من روّج للعشق
ويبدو أن من استخدم وروج لاستخدام هذه المفرد ولأسباب وأغراض متعددة هم الصوفية ولا سبيل لذكرها الآن
إذن هي هذه عبارة صوفيّة يتعالى قُدْسُ الله سبحانه عن إطلاقها له ويكرم مقام محمد وأهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين عن إستعمالها لهم أو منهم.
والصّوفية هم الذين قال فيهم الأئمة صلوات الله عليهم بأنهم أعداؤهم، كما رواه الملا الأردبيلي في حديقة الشيعة بسنده عن الرضا صلوات الله عليه قال : ((مَنْ ذُكِرَ عِنْدَهُ الصُوفِيّةُ وَلمَ ْيُنْكِرْهُمْ بِلِسانِهِ وَبِقَلْبِهِ فَلَيْسَ مِنّا، وَمَنْ أَنْكَرَهُمْ فَكَأنمَّا جاهَدَ بين يَديّ رَسَولَ اللّهِ صلى الله عليه وآله).
وفيه بسنده قال: قال رجل للصادق صلوات الله عليه ((قد خرج في هذا الزمان قوم يقال لهم الصوفيّة، فما تقول فيهم ؟)) فقال صلوات الله عليه: (إنَّهُمْ أَعْداؤُنا فَمَنْ مالَ إليْهِمْ فَهُوَ مِنْهُمْ وَيحُشَرُ مَعَهُمْ وَسَيكونُ أَقوامٌ يَدَّعونَ حُبّنا وَيميلونَ إليْهِم وَ يَتَشَبَّهونَ بِهِم وَيُلَقِّبونَ أنْفُسَهُمْ بِلَقَبِهمْ ويأوِّلُون أَقْوالهَمْ أَلا فَمَنْ مالَ إليْهِمْ فَلَيسَ مِنّا وإنّا مِنْهُ بُرَاءُ ، وَمَنْ أَنْكَرَهُمْ وَرَدَّ عَلَيْهِمْ، كانَ كَمَنْ جاهَدِ الكُفّارَ مَعَ رَسولِ اللّهِ صلى الله عليه وآله).
استفتاء وإفتاء
لقد استفتيت في استخدام مثل هذه المفرد في الشعر فأوصى العالم الذي استفتيته بعدم استخدامها. وهذا نص الإستفتاء:
السلام عليكم
إن كلمة عشق لها معانٍ ومدلولات كثيرة، ولكن ما أن يتلفظها المرء حتى يتبادر إلى ذهن السامع إنها خلاصة لفيض غريزة في الإنسان ولقد استخدمها أهل النزوات ومن أراد إما أن يمرر مآربه ويجعلها جسرا للعبور عليه بغية الوصول إلى أهدافه أو المراد منها خلق المفاهيم وشيوع ما هو خاطئ ، وللفلاسفة والصوفيين أصحاب المفاهيم الخاطئة وأصحاب الآراء المنحرفة نصيب في الرواج لها.
ويعبر البعض وربما بسذاجة عن مفهوم الحب المجرد من النزوات أو الشهوات باستخدام مفردة (العشق) تصورا منه بأنه أسمى غاية للحب والطاعة والولاء والتبعية وما شابه ذلك . في حين إن الله سبحانه وتعالى حين يأمرنا بالطاعة والحب في أن نتبعه ونتبع رسوله صلى الله عليه وآله وأهل بيته الأطهار صلوات الله عليه يختبرنا بأقوى ما نملك من طاقة للوصول إلى الطاعة والموالاة وهو الحب (إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله).
ثم أن المال الذي تصل درجة حب الناس إليه حد العبادة أحيانا والذي حتى تقدم في سياقه في القرآن الكريم على البنين رغم قرب درجتهم بل جزئيتهم من الإنسان فقال الله تعالى: ( وتحبون المال حبا جما).
وإن مفردة جم في اللغة تعني الكثرة في كل شيء ، ورغم شدة وقوة حب المرء للمال والذي يفوق كل حب حتى حب البنين لم يعبر عنه القرآن الكريم بالعشق . وليس أبرز شاهد من قصة يوسف التي يسردها لنا القرآن الكريم ولم يتطرق لهذه المفردة ( قَدْ شَغَفَهَا حُبّاً ) ولم نسمع يوما ما أن الرسول الكريم صلى الله عليه وآله ولا أحد من المعصومين صلوات الله عليهم وردت على لسانه هذه المفردة. (اللهم اجعل لساني بذكرك لهجا وقلبي بحبك متيما). والشواهد كثيرة والأدلة أكثر بل أقصى ما عبر به النبي صلى الله عليه وآله عن المودة والموالاة والحب الإلهي والإتصال الحقيقي هو كلمة (حب) إذ قال صلى الله عليه وآله: عندما أراد أن يسلم الراية إلى أمير المؤمنين عليه السلام: (غدا سأعطي رايتي كرارا غير فرار يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله)، ولو كان هنالك تعبير أكثر دقة وأعظم بلاغة وأقوى دلالة وأسمى مرتبة في الموالات والإطاعة من كلمة الحب، ولو كانت كلمة عشق ترمز بالحب الإلهي لأطلقها النبي صلى الله عليه وآله.
وهل من محب لله أكثر من أمير المؤمنين صلوات الله عليه (والذين آمنوا أشد حبا لله). ويمكن أن يكون هذا دليلا آخرا وقاطع إلى ذلك إذ أن لفظ هذه المفردة يوحي للمتلقي صفة لعلها تتنافى والمفهوم العقائدي
هذا وسلام الله عليكم ورحمة الله وبركاته.
السؤال: يستخدم بعض الشعراء والأدباء والكتاب ساعة يودون إعلان الولاء وبيان الحب إلى الإمام الحسين صلوات الله عليه أو الصديقة الطاهرة الزهراء صلوات الله عليها أو أي من أئمة أهل البيت صلوات الله عليهم يستخدم كلمة (عشق) بدل مفردة الحب تصورا منه بأن ذلك أسمى في التعبير.
فهل يجوز عقائديا ومنطقيا وأخلاقيا استخدام ذلك في الشعر والمقال أو ما شابه ذلك؟.
هل وردت هذه الكلمة على لسان أحد من الأئمة الأطهار صلوات الله عليهم؟
الجواب: ينبغي الإجتناب عن استعمال مثل هذه الألفاظ في الشعر وغيره ولم تكن هذه طريقة أهل البيت صلوات الله عليهم في ادعيتهم مع الله تعالى ولا في محاوراتهم مع الناس.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!