RSS
2026-02-20 20:34:21

ابحث في الموقع

اليابان... حين تنتصر الدولة على "الغنيمة"

اليابان... حين تنتصر الدولة على "الغنيمة"
بقلم: مصطفى الكاظمي - رئيس مجلس الوزراء العراقي السابق

قبل أيام، وتحديداً في 11 فبراير (شباط) الحالي، حلّت المناسبة السنوية لليوم الوطني الياباني، وهي مناسبة للعودة إلى الكتابة بعد انقطاعٍ قهري؛ نتيجة الانشغالات اليومية بالمستجدات السياسية محلياً وإقليمياً ودولياً، في لحظة مفصليّة تمرّ بها منطقتنا والعالم أجمع، وتحولات تؤسس لنظام عالمي وإقليمي جديد لعقود مقبلة، وهذا يفرض علينا، بصفتنا عراقيين التهيّؤ لما هو مقبل.

يقول الشاعر والفيلسوف الإسباني جورج سانتايانار: «أولئك الذين لا يتذكرون الماضي محكومٌ عليهم بتكراره»، والعِبر في هذا السياق، لا تنفكّ عن المشاهدات المستندة إلى مراجعات وخيارات وتجارب، شكّلت تحولات عظيمة في التاريخ الإنساني، فبالتاريخ تصاغ الاستراتيجيات، وعليه تُبنى القرارات الرشيدة.

التجربة اليابانية تستحق الوقوف والتأمل، صحيح أن اليابان في أقصى الشرق، لكنها مثال يحتذى به، والحديث عنها هنا، ليس من باب التنظير، بل من باب المشاهدة والاحتكاك والتعرّف العميق؛ فقد زرت اليابان، منذ عام 2023 وحتى كتابة هذه السطور، مرّات عدة، لارتباطي هناك بسلسلة فعاليات علمية وثقافية، ما أتاح لي الاطلاع المباشر على عناصر القوة في هذه التجربة المتفردة.

ثمة ما تلمسه هناك في تلك الجزر المشكِّلة لإمبراطورية قديمة، يتجاوز عمرها ألفَي عام، انطباع يرسخ مباشرة لديك، فحكايات النهوض الكبرى لا تبدأ من وفرة المال، ولا من زخارف الخطاب السياسي الذي يملأ الفضاء العام بوعود سهلة وشعارات رنانة، إنما تنطلق غالباً من لحظة صدق قاسية مع الذات؛ لحظة يقرّر فيها المجتمع، نخباً ومؤسسات وأفراداً، أن ينهضوا ويشكِّلوا دولة حقيقية، لا مجرد تجمعات متناثرة تبحث عن الغنيمة في ثقوب القانون، فتلك اللحظة لا تُفرَض من الخارج، ولا تُستورَد جاهزةً، بل تُصنَع داخلياً عندما يدرك الجميع أن الاستمرار في الدوران داخل الحلقة نفسها هو شكل آخر من أشكال الانهيار المؤجل.

وحين نتأمل التجربة اليابانية الحديثة، بعيداً عن الإعجاب السطحي، نجد أن جوهر التحول لم يكن معجزة سماوية، ولا حتى حظاً تاريخياً استثنائياً، أو استثماراً للحظة فقط، وإنما إرادة سياسية واجتماعية واعية قرَّرت مواجهة البنى العميقة التي كبّلت المجتمع طويلاً، وفي مقدمتها البنية الإقطاعية والعشائرية التي كانت تختطف فكرة الدولة وتحولها إلى ساحة صراع بين ولاءات متنافسة، فقد فهم اليابانيون، في لحظة مفصلية من تاريخهم، أن الدولة لا يمكن أن تقوم فوق أرض رخوة من الانتماءات المتصارعة، ولا أن تدار بعقلية الغلبة أو الامتياز.

شكّل «قانون ميجي» نقطة الانعطاف الأولى في مسار بناء الدولة اليابانية الحديثة، حيث كان إعلاناً واضحاً عن ولادة مفهوم جديد للدولة، ساعد اليابان بكسر ادعاءات السطوة الفرعية، وتفكيك منظومات الولاء الضيق التي كانت ترى في الدولة خصماً أو غنيمة، من دون أن تراها إطاراً جامعاً.

اتخذت الدولة آنذاك قراراً شجاعاً بإلغاء سلطة الإقطاعيين، وإنهاء الامتيازات الوراثية، وتحويل الولاء من العشيرة والقبيلة إلى الدولة المركزية، وكان ذلك التحول بمثابة قطيعة واعية مع منطق «الدولة المجزأة»، حيث تتنازع السلطات وتضيع المسؤوليات، وهنا أدرك اليابانيون أن وجود «دول داخل الدولة» يعني، بالضرورة، غياب الدولة نفسها، وأن أي مشروع نهضوي لا بد أن يبدأ بحسم مسألة المرجعية السياسية والقانونية.

إن بناء مؤسسات مركزية قوية لم يكن هدفاً بحد ذاته، كان وسيلة لترسيخ فكرة أن القانون هو الحكم النهائي بين الجميع، وأن الانتماءات الفرعية، مهما كان عمقها التاريخي أو الاجتماعي، يجب أن تذوب في بوتقة الهوية الوطنية الجامعة، وهذا درس يتجاوز السياق الياباني، ليطرح سؤال الدولة في مجتمعات لا تزال تعاني من تغوّل العناوين الفرعية على حساب الصالح العام.

والدولة بمفهومها الواسع لا يمكن أن تُبنى بالقوانين لوحدها، ولا المؤسسات فقط، ما لم تستند إلى قاعدة بشرية مؤمنة بفكرتها، ومن هنا جعلت اليابان من التعليم الركيزة الأكثر صلابة في مشروعها النهضوي، لتحول المدرسة من مؤسسة لنقل المعرفة أو سلّم اجتماعيّ للحصول على وظيفة في جهاز حكومي مترهل، إلى مختبر اجتماعي يُعاد فيه تشكيل الإنسان.

فُرض التعليم الإلزامي على الجميع، حيث كان ذلك قراراً استراتيجياً أدركت من خلاله الدولة أن الاستثمار الحقيقي يتجاوز البنية التحتية، وصولاً إلى العقول والسلوكيات، والأهم من ذلك أن المناهج لم تُصمَّم لحشو الأذهان بالمعلومات، وإنما لترسيخ منظومة قيمية متكاملة تتمثل بالانضباط، واحترام الوقت، والعمل الجماعي، والاحتكام إلى القانون بوصفه مرجعية نهائية.

في المدرسة اليابانية، لم يكن الهدف تخريج أفراد مهرة وكفاءات مميزة فحسب، بل مواطنين يدركون أن مصلحة المجموعة تتقدم على نزوات الأفراد، وأن الحرية لا تنفصل عن المسؤولية، وهكذا ينشأ جيل يرى في النظام قيمة وفي الالتزام فضيلة.

غالباً ما تخطئ المجتمعات حين تعتقد أن التغيير يبدأ من السياسة وينتهي عند الثقافة، فالتجربة اليابانية قلبت هذه المعادلة، وتعاملت مع الثقافة بوصفها المحرك الأعمق لأي تحول سياسي مستدام، حيث جرى تعزيز القيم الجماعية تحت شعار غير معلن مفاده أن «نحن» تسبق «الأنا»، وأن النجاح الفردي لا معنى له إن لم ينعكس على المجتمع كله.

أُعيد تعريف مفهوم «الشرف» ليقترن بالعمل والاتقان، لا بالنسب أو القوة أو الألقاب الجوفاء، وفي واحدة من أكثر عمليات التحول الرمزي عمقاً، جرى تحويل روح الساموراي من ثقافة قتال ومبارزة إلى ثقافة عمل وإنتاج، أما الانضباط والوفاء والتضحية، فهي قيم متجذرة في الوعي الياباني، لم تُلغَ، بل أُعيد توجيهها نحو بناء المصانع وتطوير التكنولوجيا وخدمة الصالح العام.

وفي قلب التجربة اليابانية، تكمن العلاقة بين المواطن والدولة، لم تُبنَ الدولة بوصفها خصماً للمجتمع، ولا جهازاً مفروضاً بالقوة، إنما نموذجاً يُحتذى به، حيث استطاعت اليابان أن تحصّن نفسها ثقافياً أمام أي انحدار، فبات المال العام مقدساً، والممتلكات العامة امتداداً لملكية المجتمع كله.

جاءت الحرب العالمية الثانية لتضع اليابان أمام واحدة من أقسى لحظات تاريخها: هزيمة عسكرية ساحقة، ودمار شامل، وانكسار وطني عميق، لكن هذه الصدمة لم تُنتج فوضى أو رغبة في الانتقام، بل أطلقت مراجعة شاملة وجريئة للذات، وهنا اختارت اليابان أن تعيد تعريف مفهوم القوة في قواميسها.

تحوَّلت القوة من السلاح، إلى الاقتصاد والعلم والقدرة على الابتكار، وجرى الاستثمار في الإنسان، والتعليم والتكنولوجيا، وأُعيد بناء الدولة على أسس جعلتها خلال عقود قليلة واحدة من أكبر القوى الاقتصادية في العالم، وهذه التجربة يجب أن تدفع بنا للوقوف أمام مرآة الحقيقة لنربط بعد ذلك الهوية بالمسؤولية الأخلاقية من دون الانتماءات الضيقة.

نحن اليوم بحاجة إلى «لحظة ميجي» خاصة بنا؛ لحظة نعيد فيها تعريف علاقتنا بالدولة، لنخرج من عقلية الغنيمة إلى عقلية المؤسسة، ومن ضيق العناوين الفرعية إلى سعة الوطن، فالدولة لا تُبنى بالشعارات، بل بالثقة المتبادلة، ولا يمكن أن تُحمى بالقوة وحدها من دون العدالة، حيث يعلّمنا الدرس الياباني أن النهوض مسار طويل من الإصلاح الثقافي والتربوي والقانوني، والانتقال من منطق الاستحواذ نحو منطق المسؤولية، ومن الدولة بوصفها فريسةً إلى الدولة بوصفها عقداً أخلاقيّاً جامعاً.

كل ذلك يضعنا أمام تساؤل أخلاقي ووطني مصيري: هل نملك الجرأة للسير في هذا الطريق؟ أم سنبقى أسرى البحث عن الغنيمة وحدها، في حين تشهد المنطقة تحوّلات كبرى من حولنا، من دون أن نلتفت إلى وطنٍ يستحق، بتاريخِه العريق، شيئاً من التضحيات علّنا نصنع له مستقبلاً يليق به !

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!