في كل قلب غرفة خفية، لا يدخلها إلا من أحببناهم حقًا، هناك نعلق صورهم الأولى، ضحكاتهم التي أنقذتنا في أيام معتمة، وكلماتهم التي جاءت في وقتها كخبز ساخن على مائدة روح جائعة، ولكن في الزاوية ذاتها، تتراكم أيضًا خيباتهم الصغيرة؛ تأخرهم عنا، قسوة عابرة في أصواتهم، نسيانهم لما ظنناه لا ينسى، وتلك الجراح الصغيرة التي لا تنزف كثيرًا، لكنها تذكرنا بين حين وآخر بأنها موجودة، كضيف ثقيل يرفض المغادرة، والسؤال الذي لا يطرح كثيرًا ليس كيف نتحمل من نحب؟ بل كيف نبقى إنسانين كاملين، نحن وهم، في حضور هذا التناقض؟ كيف نرى العيب دون أن تصبح رؤيتنا حكمًا؟ وكيف نحمل الجرح دون أن يتحول إلى سلاح؟، لعل الإنسان يحفظ ما يؤلمه أكثر مما يحفظ ما أسعده، لأن الذاكرة العاطفية انحيازية بطبيعتها؛ فالألم يحفر أعمق من الفرح، والدماغ البشري تطور ليتذكر التهديد أكثر مما يتذكر النعمة، وهذا ما أبقانا أحياء آلاف السنين، غير أن ما كان ضرورة للبقاء في البراري أصبح أحيانا نقمة، نحن نحمل هذا الإحساس القديم إلى علاقاتنا الحديثة، فنتعامل مع كلمة جارحة كأنها خطر وجودي، ومع خلاف عابر كأنه إعلان حرب.
لكن الإنسان ليس مجرد كائن يستجيب لما يحدث له، بل هو كائن يملك أن يختار، وهنا يبدأ الفرق الحقيقي بين من يقود مشاعره ومن تقوده، فالتجاوز ليس إنكارًا للألم، فمن ادعى ألا يؤلمه شيء كذب على نفسه، بل هو أن تقر بالألم، ثم تختار ألا تبني عليه حياتك، هذا ليس ضعفًا، بل هو من أصعب القرارات التي يتخذها الإنسان، ومن هنا يولد فقه التغافل، تلك الحكمة التي تشبه الصمت حين يكون الصمت أعمق من الكلام، فالتغافل ليس غفلة، وليس ساذجًا من يمارسه، التغافل هو أن ترى، ثم تختار بوعي ألا تجعل ما رأيت حجرا في العلاقة، هو أن تسمع الكلمة التي آلمتك، وتتذكر في الوقت ذاته آلاف الكلمات التي طيبت روحك، أن تقف أمام الخطأ لا كقاضٍ يبحث عن حكم، بل كإنسان يعلم أنه هو الآخر متهم في محكمة النقص البشري، وما أكثر الذين يخسرون أحبابهم لأنهم يملكون ذاكرة حادة أكثر مما يملكون قلبا، يحفظون الزلة بتاريخها وساعتها ونبرة صوتها، كأنهم يوثقون جريمة لا هفوة، يفتحون دفاتر قديمة كلما اختلفوا، ويستدعون موتى المواقف من قبورهم، ثم يتساءلون لماذا بردت البيوت، ولماذا صارت الصداقات ممرات ضيقة، ولماذا أصبح الحب متعبًا إلى هذا الحد.
إن البيوت لا تنهار غالبا بسبب العواصف الكبرى، بل بسبب كلمة لا تغتفر، عتاب لا ينتهي، صمت يتحول إلى عقوبة، وذاكرة تأبى العفو، وكلما غاب فقه التغافل عن بيت، حضرت المحاكمات، والعاقل، في جوهر الأمر، لا يرى بعينيه فقط، بل يرى بتاريخ من يحب، يرى في الزوجة تعبها الطويل قبل غضبها القصير، يرى في الزوج سعيه الصامت قبل تقصيره العابر، يرى في الصديق سنوات الوفاء قبل يوم الانشغال، يرى في الأم حنان العمر كله قبل كلمة أوجعتها الشيخوخة، يرى في الأب خوفه المتخفي خلف صمته أو قسوته، كمال العقل ليس في كشف النقص، فكل عين تستطيع ذلك، كمال العقل في احتمال النقص دون أن يفقدنا القدرة على رؤية الإنسان كاملا، فليس من الرحمة أن نمحو تاريخًا طويلًا من النبل لأن لحظة واحدة خانته، الإنسان أكبر من عثرته، وأعمق من خطئه، وأوسع من جرح سببه وهو نفسه مجروح من حيث لا ندري.
وثمة حقيقة نفسية دقيقة يتجاهلها كثيرون، إن من يؤذيك أحيانا لا يفعل ذلك من قسوة، بل من ضيق، الإنسان المجروح يجرح، الخائف يهاجم، المنهك يسقط إرهاقه على من يحب لأنه يأمن بهم، وهذا لا يبرر الأذى، لكنه يفسره، وفهم السبب يجعل المسامحة فعلا أكثر إنسانية وأقل تكلفًا، وفي قلب هذا المعنى تأتي الآية الكريمة لتعيد ترتيب الأولويات في داخلنا، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ}، الآية لا تأمر فحسب، بل تخاطب ذلك المكان العنيد في داخلنا، تقول لنا أتريدون المغفرة وأنتم تضيقون بالعفو؟ أتطلبون الصفح من السماء وأنتم تحبسونه عن أهل الأرض؟ أتفرحون بستر الله عليكم، ثم تفضحون كل عثرة لمن حولكم؟، الجزاء من جنس العمل، من وسع للناس وسع الله له، من ستر ستره الله، من تجاوز عن عثرات الخلق، وجد في يوم عثرته من لطف الله ما لا يخطر على بال، وما أكثر عثراتنا التي لا يعلمها إلا الله، وما أكثر ما نرجو أن تنسى، وألا يواجهنا بها أحد في لحظة ضعف.
والصفح الجميل ليس كلمة نقولها ببرود سامحتك، ثم نحتفظ بالجرح في جيب الذاكرة لنخرجه عند أول خلاف، الصفح الجميل لا يجر وراءه سلاسل العتاب، ولا يحول المغفرة إلى منة، هو أن تغلق الباب حقا، لا أن تتركه مواربا للانتقام المؤجل، أن تقول لقلبك لقد انتهى الأمر، لا لأن الخطأ كان صغيرًا بالضرورة، بل لأن السلام أكبر، ومع ذلك، فالتجاوز لا يعني أن نمنح الآخرين رخصة مفتوحة لكسرنا، ثمة فرق جوهري بين قلب واسع وباب بلا قفل، فرق بين العفو عن زلة والسكوت عن إهانة تتكرر حتى تصبح نظاما، فرق بين أن تتغافل لتبقي الود، وأن تلغي نفسك ليبقى الآخر مرتاحًا، التجاوز فن، والفن يحتاج إلى ميزان، نتجاوز عما يصدر من ضعف الإنسان، لا عما يصر عليه من قسوة، نغفر الخطأ العابر، لكننا لا نبارك الظلم المقيم.
والحب الحقيقي، وهذا ما يفهمه القليلون، لا يبقي العلاقة بأي ثمن، بل يضع حدودًا لأنه يحترم الطرفين معًا، وثمة نوع من الصمت يشبه الكرم، لكنه في الحقيقة تقصير في حق العلاقة، حين لا نعبر عن ألمنا، لا نمنح الطرف الآخر فرصة التصحيح، وحين لا يعرف أنه أذانا، يتكرر الأذى، العفو الحقيقي لا يستبعد الحوار الصادق، بل أحيانًا يستدعيه، وأجمل الناس عشرة ليسوا الذين لا يخطئون، بل الذين حين نخطئ لا يضعوننا فورًا خارج قلوبهم، الذين يتركون لنا نافذة نعود منها، ومقعدًا صغيرًا في ذاكرتهم لا تطرده عاصفة، هؤلاء يفهمون أن الإنسان لا يربى بالفضيحة، ولا يعود بالملاحقة، ولا يزهر تحت سياط التذكير الدائم، الإنسان يلين حين يشعر أن له مكانًا آمنًا، وأن خطأه لم يهدم كل ما بناه من محبة، التجاوز نبل هادئ، لا يصفق له، ولا تكتب عنه القصائد، لكنه يحفظ البيوت والعلاقات من الموت البطيء، هو البطولة غير المرئية أن تبتلع كلمة كانت ستكسر قلبًا.
تجاوز لترتاح، ليس لأن كل الناس يستحقون عفوك، بل لأن قلبك يستحق ألا يتحول إلى مقبرة للغضب، تجاوز لأن العمر أقصر من أن نضيعه في محاسبة من نحب على فواتير الروح، تجاوز لأننا جميعًا عابرون، وكل ما نحمله من قسوة سيصبح يومًا حملًا بلا معنى، ستكتشف متأخرًا أن كثيرًا مما قاتلت لأجله كان يمكن أن يمر بسلام، وأن كثيرًا ممن خسرتهم لم يكونوا يحتاجون منك إلا شيئًا من الحلم، في النهاية، لا ينتصر في معارك الأحبة أحد، حين ينكسر الود، يخسر الطرفان.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!