لم يعد من المنتظر أن تفرط إيران في أكثر أوراقها الرابحة، بإحكام السيطرة على مضيق هرمز، خصوصًا وقد صار بإمكانها كسر العقوبات الأمريكية والحصار الذي فرضه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، كما أن باستطاعتها منع مرور سفن الدول التي تُجمِّدُ أموالها أو تشارك في فرض العقوبات عليها، بل إن هناك صوتًا مغايرًا دفعه نشوب المواجهة وبلوغها مراحل خطرة، بالتلويح بورقة أخرى إضافية عبر تحصيل رسوم على بعض السفن ومنع البعض، أي أن هناك مساحة من حرية التصرف لدى طهران رغم الحصار المفروض على حركة الملاحة البحرية الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها، والذي أعلن الجيش الأمريكي مؤخرًا أنه تم تعطيل أربع سفن والسماح بمرور خمس عشرة سفينة أخرى تحمل مساعدات منذ بدء الحصار.
واتفقت آراء مع رؤية خبير الشحن، لارس جنسن، الذي أكد أن إقدام الأمريكيين على هذه الخطوة، لن يؤتي نتائج مرجوة أو لها تأثير يُذكر، إذ سيؤدي إلى توقف حركة عدد ضئيل جدًا من السفن، و لن يُغير شيئًا على المدى البعيد.
يبرز هذا المشهد المضطرب للإدارة الأمريكية أو بالأحرى لترامب الذي بات يواجه بالانتقادات في الداخل والخارج، مع اقتراب موعد الانتخابات ورفض الرأي العام للحرب وما نتج عنها، كصراع لا مبرر له، ويبرز ذلك مع دخول الصين لحلبة الصراع في ملمح المناوشات الهادئة، وقد نشرت وزارة الخارجية الصينية مقطعًا مصورًا تدعو فيه واشنطن إلى اختيار المسار الصحيح والتعايش السلمي مع الصين الجاهزة والمنفتحة، مؤكدة أن "الخيار الصحيح هو الالتزام بمبدأ الاحترام المتبادل، والتمسك بخط التعايش السلمي، والسعي نحو آفاق تعاون يكسب فيها الجميع، وبالتزامن مع زيارة ترامب لبكين والتي تعد الزيارة الأولى لرئيس أمريكي منذ نحو تسع سنوات، وتأتي في ظل التوترات المتشعبة والشاملة، ومنها الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وملف تايوان وأزمة الرسوم الجمركية والتنافس التكنولوجي المتصاعد، فقد اتخذت بكين قرارات حاسمة بشأن عبور السفن، بعدم امتثال الشركات الصينية لعقوبات أمريكا، وأعلنت الدولة صراحة أنها ستتولى حماية شركاتها من أي عقوبات، كما تقرر إعفاء جميع الدول الإفريقية من الرسوم الجمركية على صادراتها لأسواق الصين.
ولم تكن زيارة ترامب لبكين مجرد محطة بروتوكولية عابرة في سياق العلاقات الدولية، بل بدت أقرب إلى محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك السياسي والاقتصادي بين القوتين الأكبر في العالم، في لحظة دولية شديدة الاضطراب، تتشابك فيها خيوط الاقتصاد مع الحرب، والأمن مع الطاقة، والخوف من الانفجار الكبير مع الهيمنة، فالحفاوة الاستثنائية التي استقبل بها شي جين بينج نظيره الأمريكي لم تكن تفصيلاً شكليًا، بل كانت جزءًا من رسائل سياسية متعددة المستويات، فمن جهة تشير بكين بهدوء إلى أنها لا تزال لاعبًا دوليًا يستطيع أن يستقبل منافسيه بندية كاملة، ومن جهة أخرى أكثر وضوحًا أنها تفضل إدارة الصراع مع واشنطن عبر التفاوض لا القطيعة، على الرغم من جميع الملفات المشتعلة بين الطرفين.
وفي ظل مواجهة الإدارة الأمريكية لأزمات متراكمة بسبب الحرب التي اختارتها وبدأتها مع إيران، والتي اتضح مع الوقت أنها تورطت بها، وما استدعته من ارتفاع في أسعار الطاقة، واضطراب الملاحة في مضيق هرمز، فضلًا عن الضغوط الاقتصادية الداخلية الناتجة عن سنوات طويلة من الحرب التجارية مع الصين، تؤكد الزيارة التي تأتي في هذا التوقيت الحساس للغاية، أنها جاءت بدوافع البحث عن أكثر من مجرد صورة دبلوماسية، إلى العثور على تهدئة -ولو مؤقتة- تسمح بإعادة ترتيب الأولويات الدولية. أما بكين فقد تعاملت مع الزيارة باعتبارها فرصة لإظهار أن العالم لا يمكن أن يُدار دونها، وأن أي تسوية تخص الاقتصاد العالمي أو أمن الطاقة أو حتى مستقبل الشرق الأوسط تمر حتمًا عبر البوابة الصينية.
ورغم الأجواء الودية التي أحاطت باللقاءات بين الرئيسين، والحفاوة الكبيرة التي استُقبل بها ترمب، فإن الملفات الشائكة ظلت حاضرة بقوة بوضوح وخلف الستار، وأهمها بالنسبة للطرف الصيني ما جاء في حديث شي لترامب بأن تايوان هي أهم قضية في العلاقات الأمريكية الصينية، وأن سوء التعامل معها قد يؤدي إلى صراع ووضع بالغ الخطورة، فالصين تريد تايون ومضيق تايوان ملكًا صريحًا، ومجالاً مفتوحًا وخاليًا من الغرباء وبلا أي (ضجيج تايواني)، في إشارة إلى صفقة الأسلحة التي طلبتها تايوان من أمريكا والتي تُقدر بنحو أربعة عشر مليار دولار، وتنتظر توقيع ترامب.
أما ما يهمنا في منطقة الشرق المنكوبة بالحروب، وبالنسبة للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فإن هناك تعويلًا على الدور الصيني، كلاعب مهم وكقوة دولية فاعلة، حيث أكدت أجواء ومباحثات الزيارة التوجه الصيني في رؤية هذه الحرب غير قانونية، وأن بكين تريد إيقافها الآن وليس غدًا، كما أنها تريد مضيق هرمز مفتوحًا للاقتصاد العالمي، كما لا تؤيد امتلاك إيران سلاحًا نوويًا، لكنها تؤكد حق طهران في الاستخدامات العلمية والطبية والكهرباء.
لا يمكن القول بأريحية أن هذه الزيارة يمكن أن تسهم بالفعل في وقف الحرب وتهدئة العالم، على الأقل الآن، فالواقع يشير إلى أن الاحتمالات لا تزال محدودة، لأن الخلافات الجوهرية بين واشنطن وبكين لم تُحل، بل إن ما جرى هو تأجيل انفجارها فحسب، فأمريكا، وخصوصًا مع ترامب، لا تزال تنظر إلى الصين باعتبارها المنافس الأخطر على زعامة العالم، بينما ترى بكين أن واشنطن تحاول تطويق صعودها اقتصاديًا وعسكريًا؛ ولذلك فإن ما حدث في بكين يمكن وصفه بأنه "هدنة مصالح" أكثر منه تحولًا إستراتيجيًا دائمًا، أكدت هذه النتيجة إشارات دالة منها ما قاله ترامب عن أن (إيران هي التي أغلقت مضيق هرمز) ولم يقل مثلا على سبيل الفكاهة المصطنعة (مضيق ترامب)، كما قال إن الصين عرضت مساعدتها في حل مشكلة هرمز، ولم يتطرق إلى جوابه للطرف الصيني، وكذلك لم يتم التوقيع على أي اتفاق تجاري- اقتصادي، كان ترامب مسرفاً في مشاعره وضحكته التي سميت (ضحكة الضفدع) العريضة والخالية من المشاعر، وقد وصفه أحد الإعلاميين بقوله (كان بلا مشاعر) مثل أي روبوت صيني حديث، بينما الرئيس الصيني كان طبيعيًا في كل شيء.
ومع ذلك، فإن مجرد انعقاد هذه القمة وسط كل هذا الاحتقان الدولي يحمل دلالة مهمة؛ فالقوتان العظميان في العالم تدركان أن الانفجار الشامل لن يترك رابحًا حقيقيًا؛ ولهذا جاءت الحفاوة الصينية بترامب، كما جاءت لهجة التهدئة الأمريكية، بوصفهما محاولة لشراء الوقت، ومنع العالم من الانزلاق إلى مواجهة قد تبدأ من تايوان أو هرمز، لكنها لن تنتهي عند حدودهما أبدًا.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!