RSS
2026-06-30 15:12:34

ابحث في الموقع

مداهمات بغداد.. بداية استعادة الدولة

مداهمات بغداد.. بداية استعادة الدولة
بقلم: د. جاسم حسين الخالدي

ما حدث ليلة الثامن والعشرين من شهر حزيران الحالي في بغداد من مداهمات واعتقالات طالت ثلةً من المتهمين بملفات فساد، يشي بأنَّ الحكومة الجديدة تريد أن تبدأ رسالتها من أكثر الملفات حساسيةً وإيلاماً للعراقيين. فالفساد لم يعد مجرد تجاوزات إدارية أو مخالفات مالية، بل أصبح منظومةً أرهقت الدولة، واستنزفت ثرواتها، وأفقدت المواطن ثقته بمؤسساتها.

إنَّ مشاهد المداهمات، أياً تكن نتائجها النهائية، تحمل دلالةً سياسية وإدارية مفادها أنَّ مرحلة الاكتفاء بالشعارات لم تعد مقبولة، وأنَّ مكافحة الفساد ينبغي أن تنتقل من بيانات الإدانة إلى إجراءاتٍ يراها الناس على أرض الواقع. غير أنَّ العراقيين، وقد خبروا وعوداً كثيرة في السنوات الماضية، لن يحكموا على هذه الحملة من بدايتها، وإنما من قدرتها على الاستمرار، ووصولها إلى جميع المتورطين من دون استثناء أو انتقائية، ومن دون أن تتحول إلى وسيلة لتصفية الخصومات السياسية.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أنَّ هذه الاعتقالات لم تأتِ ارتجالاً أو استجابةً لضغط إعلامي، وإنما جاءت- على وفق ما يُتداول- بعد تحقيقات امتدت مدةً من الزمن، واستندت إلى اعترافات ووثائق وأدلة جرى جمعها تحت إشراف الجهات المختصة. وهذا يعني أنَّ الأجهزة القضائية والأمنية كانت تعمل بهدوء وصمت، بعيداً عن الضجيج الإعلامي، حتى اكتملت ملامح عدد من الملفات وأصبحت قابلةً للانتقال إلى مرحلة التنفيذ والإجراءات القانونية.

وإذا ثبتت هذه المعطيات أمام القضاء، فإنَّ ذلك يكشف عن نهج مختلف في إدارة ملفات الفساد، يقوم على بناء القضية بالأدلة والوثائق، لا على الاتهامات والانطباعات. كما أنه يبعث برسالة واضحة مفادها بأنَّ من تورط في الإضرار بالمال العام قد يجد نفسه، مهما طال الزمن، أمام سلطة القانون، وأنَّ العدالة قد تتأخر، لكنها لا ينبغي أن تغيب.

إنَّ بناء الدولة لا يتحقق بالقوة وحدها، بل بسيادة القانون واستقلال القضاء، واحترام الإجراءات القانونية، حتى تكون المحاسبة قائمة على الأدلة والأحكام القضائية، لا على الاتهامات الإعلامية. وعندئذ فقط يشعر المواطن أنَّ القانون أصبح فوق الجميع، وأنَّ المنصب لم يعد حصانةً لمن يعتدي على المال العام.

ولعلّ أهم ما يميز هذه الخطوة أنها تعيد طرح سؤال الدولة وهيبتها. فالدولة التي تعجز عن حماية المال العام، أو تتردد في ملاحقة من يعبث به، تفقد شيئاً من شرعيتها الأخلاقية قبل أن تفقد هيبتها القانونية. أما حين يشعر المواطن أنَّ يد القانون تمتد إلى أصحاب النفوذ كما تمتد إلى سائر الناس، فإنَّ الثقة تبدأ بالعودة، ولو ببطء، إلى العلاقة بين المجتمع ومؤسساته.

إنَّ الفساد لا ينشأ في فراغ، وإنما يتغذى على شبكات المصالح، وعلى ثقافة الإفلات من العقاب، وعلى اعتقاد بعض المسؤولين أنَّ المنصب امتياز شخصي لا أمانة وطنية. ولذلك فإنَّ اجتثاثه لا يتحقق باعتقال هذا الشخص أو ذاك فحسب، بل بإغلاق المنافذ التي تسمح بتكراره، وتشديد الرقابة، وتفعيل المؤسسات الرقابية، واعتماد الشفافية في العقود والمناقصات والإنفاق العام.

لقد آن الأوان لأن يتحول الحديث عن النزاهة من خطاب إعلامي إلى ثقافة مؤسساتية. فالوزير، والمحافظ، والمدير العام، والموظف، جميعهم يجب أن يدركوا أنَّ المنصب تكليف لا تشريف، وأنَّ المال الذي بين أيديهم ليس ملكاً لأشخاصهم، وإنما هو حق لملايين العراقيين، ولأجيال تنتظر أن ترى وطنها ينهض بعد عقود من الحروب والأزمات.

إنَّ العراقيين لا يطلبون المستحيل، بل يريدون أن يروا القانون وهو يُطبق على الجميع بلا استثناء، وأن تُستعاد الأموال المنهوبة، وأن تُحال ملفات الفساد إلى القضاء بسرعة وشفافية، وأن تُنشر نتائج التحقيقات للرأي العام. فكل خطوة واضحة في هذا الاتجاه ستمنح الدولة رصيداً جديداً من الثقة، وكل تراجع أو انتقائية سيعيد الشكوك إلى نقطة البداية.

ولعل الرسالة الأهم التي ينبغي أن تخرج من هذه الأحداث هي أنَّ زمن الحصانات غير القانونية يجب أن ينتهي، وأنَّ النفوذ السياسي أو الحزبي أو المالي لا ينبغي أن يكون جداراً يحتمي خلفه الفاسدون. فالأوطان لا تُبنى بالمجاملات، وإنما تُبنى بسيادة القانون، وحسن الإدارة، وحماية المال العام، وترسيخ مبدأ أنَّ العراق أكبر من جميع المصالح الضيقة، وأنَّ مستقبله يستحق أن يخوض أبناؤه معركة حقيقية ضد الفساد، لا هوادة فيها، ولا مساومة على نتائجها.

وإذا كانت معركة مكافحة الفساد قد بدأت بخطوات عملية داخل العراق، فإنَّ نجاحها يتطلب تعاوناً وطنياً وإقليمياً كاملاً في تنفيذ أوامر القبض والأحكام القضائية الصادرة عن الجهات المختصة. ومن هذا المبدأ، فإنَّ المسؤولية تقع على عاتق جميع السلطات داخل العراق، بما فيها سلطات إقليم كردستان، في التعاون مع المؤسسات الاتحادية، وألّا يكون أي جزء من الوطن ملاذاً لمن تصدر بحقهم مذكرات قبض أو أحكام قضائية نافذة.

كما تمتد هذه الدعوة إلى الدول العربية والإقليمية، انطلاقاً من مبدأ احترام القضاء والتعاون القضائي، وألّا تتحول أراضيها إلى ملاذاً للفارين من العدالة أو المتهمين بقضايا فساد مالي وإداري. فاستعادة الأموال العامة، ومحاسبة من يثبت تورطه، ليست قضية عراقية فحسب، بل هي جزء من الجهد الدولي في مكافحة الفساد وحماية المال العام، بما يعزز الثقة بين الدول ويكرس سيادة القانون.

ويبقى الأمل معقوداً على أن تكون هذه الخطوات بدايةً لمسارٍ طويل لا يعرف التراجع، لأنَّ معركة الفساد ليست حدثاً عابراً، بل مشروع دولة، وامتحانٌ حقيقي لقدرتها على استعادة هيبتها، وترسيخ العدالة، وإعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته. وما جرى في هذا اليوم قد يكون بداية هذا الطريق إذا تُوِّج بالشفافية، واستُكمل بإجراءاتٍ عادلة، وانتهى إلى أحكامٍ رادعة بحق كل من تثبت إدانته، بعيداً عن أي اعتباراتٍ سياسية أو حزبية.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!