RSS
2026-07-27 11:26:29

ابحث في الموقع

وجوه نراها.. وقصص لا نعرفها في فوضى رقمية

وجوه نراها.. وقصص لا نعرفها في فوضى رقمية
بقلم:حيدر عاشور

نرى ونقرأ كل يوم أخباراً في عالم يضج بأحداث متسارعة عبر شاشات لا تتوقف عن سرد الحكايات، نعيش في فوضى رقمية تفاجئنا كل ثانية؛ حيث تُصنع من الملائكة شياطين بين عشية وضحاها، ويخرج من خلف الجدران من يشوه وجه الطيبة والإبداع والأخلاق والشرف. والأمر الأقسى هو الهجوم البشع وسوقية الكلام التي تلاحق رموز دينية مخلصة لعقيدتها ومقلديها، لا همّ لهم سوى إرشاد الناس وتصحيح مسار من ضلّ عن دينه، لتتحول منصات التواصل إلى محاكم تفتيش ظالمة. حين أقرأ كلمات بعيدة عن المنطق والعقل، تُكتب بأقلام أشخاص أعرفهم وأعرف زيف ادعاءاتهم، يتألم قلبي كثيراً. أحاول مراراً أن أبتعد عن القراءة، وأن أغلق نافذة هذه الفتنة الفكرية، لكني أجد نفسي مكبلاً بحبل الوصل؛ فهؤلاء أصدقاء، ولكل واحد منهم في قلبي مكانة قديمة وذكريات عزيزة. هذا التناقض بين, محبة الشخص وبين سفاهة ما يكتبه، يضع الروح في مأزق لا يطاق، ويجعل السؤال يلح عليّ: كيف يمكن لمن عاش معنا أن يتخلى عن بساطة الحق ليسبح في تعاتير الوهم؟.

هذا الجانب الشخصي المؤلم يجرّني بالضرورة إلى جانب أوسع وأكثر وجعاً؛ وهو مس الرموز التاريخية والأماكن المقدسة، واختلاق فضائح غير مبررة بحق شخصيات تشكل عناوين كبرى ومهمة لهذا البلد. إنهم يغتالون الذاكرة الجماعية بلا رادع من ضمير، ليتسيد المشهد كل صوت هتافي أرعن. وكأنما كتب على هذا الجيل أن يحضر مشاهد تدمير المعنى، حيث تُستبدل الحكمة بالشتيمة، ويُطْبَعُ البهتان بطابع البطولة الزائفة، ليبقى الحزن هو الخيط الناظم لأيامنا ونحن نرى تاريخنا ورموزنا تُدنس بأيدي أبنائها.

ويزيد من لوعة الفؤاد، ويجعل الذاكرة تستدعي بحرقة ذلك المشهد المقارن؛ حين سُئل دكتور مصري عتيق عن الفنانة نجوى فؤاد - في سياق إنصاف الفن والحياة - فقال عنها بروح متسعة إنها تمثل علم مصر، محتفظاً لها بمكانة أو تقدير إنساني عام. وفي المقابل، وحين سُئل دكتور عراقي عن زميل له في نفس الاختصاص والدرجة، رمى رفيقه بسهم الغيبة وقال بكل دناءة إن "شهادته مزورة ولا يمد بصلة بالعلم!. والأدهى والأمرّ من ذلك كله، والحقيقة التي تقطر مرارة، أن ذلك الدكتور العراقي الذي اغتابه صديقه وزميله على الهواء أو في المجالس، هو بالذات الشخص نفسه الذي رشحه لذلك المنصب في المؤتمر الدولي. إنه جحود القربى، ونكران الجميل، وبئس الوفاء حين يبيعه الإنسان بأبخس أثمان الغيرة والحقد.

يبدو المشهد العام اليوم وكأن السلبية والصراعات الفارغة تحتلان كل المساحات المرئية والمسموعة. هذا الانحدار ليس وليد الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة لضمور اليقين الروحي، وافتقار العقول للعمق، وموت الضمير الحي في الصدور. فالصوت العالي للسطحية جعل الأجواء العامة مزعجة وخانقة لكل ذوق رفيع أو فكر مستنير. 

بعيداً عن شاشات الضجيج، يعج العالم الحقيقي بطاقات هائلة من الإبداع والمبتكرين في شتى المجالات.. اختار هؤلاء المبدعون بكامل إرادتهم الابتعاد عن منصات التواصل وصخبها الزائف. جاء هذا الانفصال كحماية ضرورية لأفكارهم ومشاريعهم من أسراب التخلف الفكري التي تستهلك الجهد والوقت بلا فائدة. آثر أصحاب العقول الكبيرة الانكفاء على ذواتهم، متخذين من العزلة حصناً منيعاً. غايتهم الأساسية هي البقاء في منطقة آمنة لا يطؤها الفارغون، ولا تصل إليها شباك المتصيدين وأصحاب الأغراض الرخيصة. في هذا الاعتكاف الهادئ، يولد الإبداع الحقيقي وينمو النقاء الفكري بعيداً عن مقصلة التقييم السطحي للجمهور العام. العزلة هنا ليست هزيمة أو هروباً، بل هي تمرد واعٍ على الابتذال واختيار واعٍ للسلام الداخلي. من لا يعرفه التافهون اليوم، غالباً ما يترك أثراً يبقى طويلاً، لأن ما يُبنى في الهدوء والصفاء يتجاوز صخب اللحظة الفانية

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!