RSS
2026-09-04 15:30:02

ابحث في الموقع

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ

حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ
بقلم: نزار حيدر

{إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ}.

أَيُّ سُؤالٍ؟! أَيُّ جَوابٍ؟!

  ليسَ جميعُ النَّاسِ على قدرٍ واحدٍ من الإِستعدادِ لفهمِ خبرٍ ما أَو استيعابِ معلومةٍ ما، ولذلكَ برَّرَ لهُم القُرآن الكَريم مُنتهى عقولهِم بقولهِ {ذَٰلِكَ مَبْلَغُهُم مِّنَ الْعِلْمِ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَىٰ} حتَّى جاءَ في الحديثِ الشَّريفِ عن رسُولِ الله (ص) قَولهُ {إِنَّا مَعَاشِرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُكَلِّمَ النَّاسَ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ} وهذا مُنتهى العقلِ والحِكمةِ والمنطقِ.

  فمِنَ النَّاسِ مَن يستوعبَ الخبرَ حتَّى إِذا نزلَ عليهِ كالصَّاعقةِ فخالفَ الثَّوابتَ التي رسمَها لنفسهِ مثلاً أَو تناقضَ معَ المُسلَّماتِ التي عاشَ عليها نصفَ عمرهِ، لأَنَّهُ يثِقُ بقَولِ الله تعالى {وَمَا أُوتِيتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} وذلكَ هوَ الواعي المُتواضِع الذي يمتلكُ عقلاً كبيراً وفهماً ناضجاً للأُمورِ والأَحداثِ.

  ومنَ النَّاسِ على العكسِ من ذلكَ تماماً فإِذا سمعَ خبراً يتناقضُ معَ ثوابتهِ أَو يصطدِم مع مُتبنَّياتهِ يتمرَّد وينتفِض فقط لأَنَّهُ لم يتوقَّعهُ أَو ينتظر يوماً أَن يسمعَ مثلَ هذا النَّوعِ من الأَخبارِ.

  وذلكَ هو السَّاذجُ الذي يحمِلُ في رأسهِ [بطِّيخاً] لا يُفكِّر ولا يعقِل أَبداً لأَنَّهُ يتخيَّل بأَنَّهُ قد نالَ كُلَّ العِلمِ! ولقد أَوصى أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ولدهُ الحسَنَ السِّبطِ (ع) بقَولهِ {واعْلَمْ أَنَّ الإِعْجَابَ ضِدُّ الصَّوَابِ وآفَةُ الأَلْبَابِ} وقولهُ {الإِعْجَابُ يَمْنَعُ الِازْدِيَادَ}.

  الآيةُ الكريمةُ {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ} تنظِّمُ عمليَّةَ طرحِ الأَسئلةِ [الزَّمانُ والمَكانُ وطبيعتُها وعلاقتُها بالسَّائلِ والمسؤُولِ] لتنظيمِ تدفُّقِ المعلوماتِ في المُجتمعِ لتحاشِي حالات الفوضى فكما هوَ معروفٌ فإِنَّ وراءَ كُلَّ سؤَالٍ معلومةٍ وهي التي قصدَتها الآية لتنظِّمها وتُهندِسها ليكونَ تأثيرها وتداعِياتها إِيجابياً دائماً وذات مغزى ومَنفعة، وإِلَّا فستكونُ سبباً للفَوضى وإِشاعةِ الشكِّ والرِّيبةِ في المُجتمعِ.

  فلقد كتبَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) إِلى الحارثِ الهمذاني كِتاباً طويلاً يقولُ لهُ فيهِ {ولَا تُحَدِّثِ النَّاسَ بِكُلِّ مَا سَمِعْتَ بِه فَكَفَى بِذَلِكَ كَذِباً ولَا تَرُدَّ عَلَى النَّاسِ كُلَّ مَا حَدَّثُوكَ بِه فَكَفَى بِذَلِكَ جَهْلًا}.

  فمتى يكونُ هذا ومتى يكونُ ذاكَ؟!.

  أَوَّلاً/ لِمن يكونُ السُّؤَال؟! فإِذا كانَ للمُختصِّ ظفرتَ بإِجابةٍ تُساعِدُكَ أَمَّا إِذا كانَ لغيرِ المُختصِّ فالإِجابةُ تكونُ سبباً رُبَّما لتحطيمِ مُستقبلٍ إِو ضَياعِ حُلُمٍ أَو إِضافة مشكلةٍ على المُشكلةِ أَو خلقِ حالةٍ من الإِحباطِ، لذلكَ قالَ تعالى {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ ۚ الرَّحْمَٰنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} فلا ينبغي السُّؤَال ممَّن هبَّ ودبَّ ثُمَّ تتلقَّى الجوابَ الخطأ فتبني عليهِ فتفشلَ ثمَّ بدلاً من أَن تلومَ نفسكَ وتحاسِبها وتوبِّخها تبدأ بالبحثِ عن شمَّاعاتٍ تعلِّقُ عليها أَسبابَ الفشَلِ!.

  فلَو كانَ ملِكُ مِصرَ قد اكتفى بجوابِ مُفسِّري الأَحلام لرُؤياهُ بقَولهِم {قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ ۖ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ} لحطَّمَ الدَّولةَ وقتلَ شعبهُ جُوعاً ولما تمكَّنَ من إِنقاذِ البلادِ من الهلكَةِ جرَّاء القحطِ الذي ضربَها وحاصرَ شعبَها، لأَنَّهُ سأَلَ الطَّرف الخطأ، وعندما قرَّرَ أَن يتوجَّهَ بالسُّؤَالِ للخَبيرِ المُختصِّ حصلَ على الجوابِ الصَّحيحِ المبني على رُؤيةٍ إِقتصاديَّةٍ سليمةٍ وبالتَّالي نجحَ في إِنقاذِ بلادهِ عندما صمَّمَ على الإِلتزامِ بورقةِ العملِ التي قدَّمها لهُ نبيَّ الله يوسُف (ع).

  ثانياً/ عندما تسأَل فليكُن هدفكَ التعلُّم وكسبِ المعرفةِ والإِستزادةِ والتَّصحيحِ والإِصلاحِ وليس للجدالِ الفارغِ أَو التعنُّتِ أَو لإِستعراضِ العضلاتِ والمُناكفاتِ، فلقد قالَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) لِسَائِلٍ سَأَلَه عَنْ مُعْضِلَةٍ {سَلْ تَفَقُّهاً ولَا تَسْأَلْ تَعَنُّتاً فَإِنَّ الْجَاهِلَ الْمُتَعَلِّمَ شَبِيه بِالْعَالِمِ وإِنَّ الْعَالِمَ الْمُتَعَسِّفَ شَبِيه بِالْجَاهِلِ الْمُتَعَنِّتِ} وقَولهُ {فَمَنْ جَعَلَ الْمِرَاءَ دَيْدَناً لَمْ يُصْبِحْ لَيْلُهُ}.

  ثالثاً/ إِثنان لا تسأَلهُما أَبداً مهما كانت عناوينهُما وانتماءاتهُما وهويَّتهُما وأَزياءهُما وأَعمارهُما وحجمهُما؛

  *الذي يستعجِلُ الجوابَ حتَّى قبلَ أَن يسمعَ مِنكَ السُّؤَال أَو قبلَ أَن تُنهي طرحَ سُؤَالكَ عليهِ.

  *الذي يتصوَّر أَنَّ بإِمكانهِ الإِجابةَ على أَيِّ سؤَالٍ تطرحهُ عليهِ، فلم يسمع أَحدٌ منهُ يوماً أَنَّهُ قالَ لا أَدري أَو لا أَعرف.

  هذان لا تسأَلهما أَبداً، وإِذا سأَلتهُما ورتَّبتَ شيئاً ما على جوابهِما الخطأ تراهُما يقدِّمانِ لكَ قائمةً طويلةً من التَّبريراتِ والذَّرائعِ للتهرُّبِ من المسؤُوليَّةِ كقولهِما؛ لم أَفهم السُّؤَالَ جيِّداً أَو أَنَّكَ لم تطرَح السُّؤَال بالشَّكلِ والصِّيغةِ الصَّحيحةِ أَو ظننتُكَ قلتَ كذا وقصدتَ كذا وهكَذا!.

  أَمَّا النَّوع الثَّاني فهوَ يُجيبُ على أَيِّ سؤَالٍ تطرحهُ لأَنَّهُ يَخافُ ويخجلُ أَن يقولَ لا أَدري ولذلكَ يردُّ عليكَ [حيَّ الله جواب] وبالتَّالي أَنتَ الذي تتحمَّل وِزرَ ونتائِجَ أَجوبتهِ الخطأ!.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {مَنْ تَرَكَ قَوْلَ لَا أَدْرِي أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهُ} لأَنَّ قولَ لا أَدري أَو لا أَعلم هوَ الجَواب الذَّهبي على بعضِ الأَسئلةِ وهوَ جوابٌ بحدِّ ذاتهِ، لأَنَّكَ بهِ تهدي صاحبَ السُّؤَال إِلى المصدرِ الصَّحيحِ ليسأَلَ منهُ.

  ولقد نهى القرآن الكريم عن الجوابِ والجدالِ والحوارِ بغيرِ علمٍ ومعرفةٍ تعتمِدُ الثِّقةَ بالدَّليلِ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ} ويضيفُ الإِمامُ جعفر بن محمَّد الصَّادق (ع) بقولهِ {إِنَّ مَن أَجابَ في كُلِّ ما يُسأَلُ عنهُ لمجنونٌ}.

  رابعاً؛ أَمَّا أَخطرهُم فهذا الذي يصفهُ الإِمامُ الصَّادق (ع) بقولهِ {إِنَّما المُستأكِلُ بعلمهِ الذي يُفتي بغيرِ علمٍ ولا هدىً من الله عزَّ وجلَّ ليُبطِلَ بهِ الحقُوقَ طمعاً في حُطامِ الدُّنيا} فيما يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {أُوصِيكُمْ بِخَمْسٍ لَوْ ضَرَبْتُمْ إِلَيْهَا آبَاطَ الإِبِلِ لَكَانَتْ لِذَلِكَ أَهْلًا؛ لَا يَرْجُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِلَّا رَبَّه ولَا يَخَافَنَّ إِلَّا ذَنْبَه ولَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا سُئِلَ عَمَّا لَا يَعْلَمُ أَنْ يَقُولَ لَا أَعْلَمُ ولَا يَسْتَحِيَنَّ أَحَدٌ إِذَا لَمْ يَعْلَمِ الشَّيْءَ أَنْ يَتَعَلَّمَه وعَلَيْكُمْ بِالصَّبْرِ فَإِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الإِيمَانِ كَالرَّأْسِ مِنَ الْجَسَدِ ولَا خَيْرَ فِي جَسَدٍ لَا رَأْسَ مَعَه ولَا فِي إِيمَانٍ لَا صَبْرَ مَعَهُ}. 

  أَخيراً؛ أَنصحُ بالسُّؤالِ من أَكثرِ من واحدٍ في الأُمورِ الإِستراتيجيَّةِ للتثبُّتِ والإِطمئنانِ والذي يُطلقُ عليهِ باللُّغةِ الإِنجليزيَّةِ [Second Opinion].

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!